أستانة 13: نتائج صفرية وتحسن في العلاقة الروسية التركية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

صحيفة العرب
المؤلف: 

واشنطن تبقى  الغائب الحاضر في قمة أستانة وملف إدلب؛ إذ تدعم السياسة الأميركية الموقف التركي في تثبيت خطوط السيطرة في منطقة إدلب، وهو ما يبدو أنه سائد حتى الآن.

انتهت الجولة 13 من مسار أستانة، ببيان يشبه الذي قبله، دون قرارات ملموسة في ما يتعلق بالتقدم في ملف اللجنة الدستورية، الذي صدرت تصريحات متناقضة من الأطراف المشاركة بخصوص إنجازه، فيما اتفق على إعلان غير بيدرسون عنه في قمة الدول الضامنة المقبلة في أنقرة، منتصف الشهر المقبل.

لا تقدم في ملف المعتقلين والمغيبين لدى أفرع النظام السوري، والبالغ عددهم مئات الألوف، فيما تم تبادل 15 مختطفا بين كل من طرفي النظام والمعارضة. وقد ادعى وفد المعارضة السورية المشارك في أستانة أنه ذاهب من أجل ملف المعتقلين، لتبرير مشاركته وسط الانتقادات الشعبية الواسعة لها.

الخلافات حول الحل في إدلب بين الأطراف المشاركة واضحة؛ ففي حين تضمّن البيان ضرورة العودة إلى اتفاق سوتشي حول المنطقة المنزوعة السلاح في إدلب وريف حماة الشمالي، ينظر الجانب الإيراني، ومعه وفد النظام، إلى كل من في إدلب على أنهم متطرفون. هذا إضافة إلى الخلافات الروسية الإيرانية حول مشاركة روسيا في اجتماع القدس الأمني بداية الشهر الماضي، وموافقتها على استمرار الضربات الإسرائيلية على المواقع الإيرانية داخل الأراضي السورية.

فيما عاد الجانب الروسي إلى سياسة “مصالحات حميميم”، في اعتراف مبطن منه بالفشل في التقدم بالحملة العسكرية، التي بدأت أواخر أبريل الماضي على ريف حماة الشمالي وإدلب وريف اللاذقية الشمالي الشرقي؛ حيث عرضت موسكو على أنقرة مجددا المساعدة في محاربة المتطرفين في إدلب، والذين ادعى رئيس الوفد الروسي، ألكسندر لافرنتييف، أن عددهم يفوق الـ20 ألفا، منهم 5 آلاف من الأجانب، وأنهم يسيطرون على كل إدلب، فيما أظهرت وقائع المعارك الأخيرة على الأرض غير ذلك، مع ضعف مشاركة هيئة تحرير الشام في المعارك.

جاء ذلك في سياق خطوة روسية لجر تركيا والفصائل المعتدلة المقاتلة على الأرض إلى المصالحة مع الروس، على غرار ما حصل في مناطق خفض التصعيد الأخرى، في الغوطة الشرقية والغربية وريف حمص الشمالي، وقبلها حلب الشرقية، وآخرها درعا، وملف الجنوب.

يتطلع الجانب التركي إلى المنطقة الأمنية شرق الفرات، والتي سماها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، خلال ترؤسه اجتماع الأمن القومي التركي مؤخرا، بـ”ممر السلام”، في خطوة لكسب تأييد غربي، بحجة حل مشكلة اللاجئين السوريين “الضيوف” في تركيا، والذين يفوق عددهم الثلاثة ملايين، بعد إجراءات التضييق الأخيرة، بحجة تطبيق القوانين، وإرضاء المعارضة التركية. ولا يزال الجيش التركي يزيد من تعزيزاته العسكرية في ولاية شانلي أورفا التركية، المقابلة لمدينة تل أبيض السورية شرق الفرات.

ما حصلت عليه تركيا في اجتماع أستانة الأخير هو الاتفاق على رفض الأجندات الانفصالية، ومشروع الحكم الذاتي لقوات سوريا الديمقراطية.

أعلن النظام عن هدنة مشروطة الخميس، قبيل اجتماع أستانة، بدفع من الجانب الروسي، وحتى الآن يسود المنطقة هدوء حذر، رغم اختراقات النظام بقصف مدينة اللطامنة بريف حماة الشمالي. فصائل المعارضة التزمت تطبيق الهدنة، مع التأهب الكامل لانتهاكات متوقّعة، في ظل عدم وجود ضمانات دولية لهذه الهدنة، ولا مراقبة لتنفيذها من أي جهة، ولم تأتِ ضمن نصّ اتفاق واضح من الدول الضامنة، سوى تأييد بيان أستانة 13 لها، بشروط فضفاضة، تتعلق بانتهاك الهدنة، يفسرها كل طرف على هواه.

ورغم ذلك، هناك رغبة روسية في الهدنة، بعد الفشل في قضم المناطق التي تريدها حول قاعدة حميميم، مركز وجودها الرئيسي في سوريا، وخاصة بعد الكلفة البشرية الكبيرة للقوات السورية المدعومة من موسكو، وعلى رأسها قوات سهيل الحسن والفيلق الخامس.

وبالتأكيد لا ترغب الفصائل باستمرار المعارك، مع الكلفة البشرية الكبيرة، بمقتل 400 مدني خلال ثلاثة أشهر، بينهم عدد كبير من الأطفال، ونزوح 440 ألفا باتجاه الحدود التركية. لكن تثبيت خطوط السيطرة على الأرض يحتاج إلى توافق تركي روسي، كما كان في السابق، تتحايل موسكو للوصول إليه تحت مسمّى محاربة المتطرفين، وضم المعتدلين إلى فصائل المصالحة. وهذا لن يتم دون اتفاق مع تركيا، قد يكون بمقايضة بملفات أخرى، أهمها تل رفعت.

تبقى واشنطن، الغائب الحاضر في قمة أستانة وملف إدلب؛ إذ تدعم السياسة الأميركية الموقف التركي في تثبيت خطوط السيطرة في منطقة إدلب، وهو ما يبدو أنه سائد حتى الآن، لوضع عراقيل في وجه سيطرة روسية كاملة على سوريا، حيث تريد أن يكون للمعارضة دور في مستقبل سوريا، وإن كان برعاية من تركيا، وأن تتم العملية السياسية وفق اتفاق جنيف والقرار الأممي المكمل له 2254، وهما اللذان لم يأت بيان أستانة 13 على ذكرهما، بل اكتفى بالحديث عن لجنة دستورية ومقررات مؤتمر “الحوار الوطني”، المنعقد بداية 2018 في مدينة سوتشي الروسية، بمشاركة النظام والمعارضة، إضافة إلى روسيا وتركيا وإيران والأمم المتحدة.

لم تتخذ الولايات المتحدة خطوات حقيقية للضغط على روسيا للمضي في العملية السياسية، واكتفت بالتركيز على كيفية إخراج الميليشيات الإيرانية من سوريا، وشكلت بهذا الخصوص موقفا موحدا مع إسرائيل في اجتماع القدس الأمني مع روسيا، لممارسة ضغوط عليها مقابل تنازلات كبرى تتطلع لها موسكو في ملف إعادة العلاقات مع النظام السوري، ورفع العقوبات الاقتصادية، والسماح للحلفاء العرب والأوروبيين بتمويل إعادة الإعمار. لكن واشنطن ترسل رسائل ناعمة كان آخرها رسالة مشتركة من قبل مندوبي باريس وواشنطن للمبعوث الدولي غير بيدرسون تشير إلى أن مسار أستانة وتشكيل اللجنة الدستورية لا يقدمان حلاً مناسباً للملف السوري.

بالتالي يمكن تلخيص مخرجات أستانة 13 بأنها عودة إلى مستوى من التنسيق الروسي- التركي، الذي كان عليه قبل بدء الحملة العسكرية من قوات النظام السوري مدعومة بغطاء جوي روسي، على منطقة خفض التصعيد الأخيرة في إدلب، منذ نهاية أبريل الماضي، بعد فشل هذه الحملة، لكن دون تحقيق تقدم في حل أي من الملفات السورية العالقة، بما فيها ملف اللجنة الدستورية الذي تم ترحيله إلى القمة المقبلة. ويدعم ذلك التقارب إتمام صفقة أس 400 بين تركيا وروسيا، التي خلقت امتعاضا أميركيا، انعكس بالمزيد من التلكؤ في حل مشكلة تركيا الأمنية بما يخص تهديدات تواجد وحدات حماية الشعب الكردية على حدودها.

تعليقات