أسرار تاريخية عن التحالف الراهن بين واشنطن وطهران

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

25/3/2015
بوابة الشرق

مصطلح التحالف الأمريكي الإيراني ليس من عندي ولكن من عنوان كبير على صحيفة الجارديان الأسبوع الماضي ثم ماذا حدث حتى نطق الوزير جون كيري بضرورة التفاوض مع بشار الأسد مباشرة بعد لقاء مدينة لوزان بينه وبين الوزير الإيراني محمد جواد ظريف؟ هذا المنعرج وصفه زميلي عبد الباري عطوان بالخنجر في ظهر حلفاء واشنطن العرب الذين راهنوا مثل أوباما على إسقاط نظام الأسد! فهل فرضت طهران مصالحها فرضا وعولت على الجناح (البراجماتي) في السلطة الأميركية ضد الجناح (الأيديولوجي) على عكس ناتنياهو؟ وما هو الرمز الذي نقرأه في عملية تدمير قبر صدام حسين وتعويض صوره بصورة الفريق قاسم سليماني في قرية العوجة في ضاحية تكريت؟ ثم هل هناك اتفاق سري بين واشنطن وطهران؟ هل توصل الرئيس أوباما إلى درجة التحالف الخفي بين الولايات المتحدة وجمهورية إيران؟ هذه هي الأسئلة الحارقة التي تتردد على ألسن الدبلوماسيين والإعلاميين والخبراء وهي أسئلة مشروعة حين نرى التغيير الطارئ والسريع والعجيب على موقف واشنطن من إيران أي من الملفين الخطيرين المتعلقين بإيران وهما:

ملف النووي وملف التوسع العسكري الإيراني في منطقة الحروب الدائرة رحاها في العراق وسوريا وليبيا ومنطقة الأزمات المتفاقمة في اليمن ولبنان ومصر. وحين تسمع السيد جون كيري يشرح للإعلاميين موقف واشنطن من هذين الملفين....ستخرج من مؤتمره الصحافي صفر اليدين وستعود بخفي حنين لأنك مثلي أنا لن تفهم شيئا وأنا أعترف للسيد كيري بعبقرية نسميها في العالم الدبلوماسي بالتخفي الحربائي حين يصبح الكلام طلاسم القصد منه ألا يفهمه الناس! فالجنرال قاسم سليماني يقود الجيوش العربية ولقبته (الواشنطن بوست) بأقوى رجل في الشرق الأوسط وملف النووي الإيراني الذي كان مطروحا على مجلس الأمن تم سحبه بلطف واليوم يجب أن يعرف العرب بعض الحقائق حول خفايا الأسرار الأميركية تجاه التسلح النووي الإيراني والإسرائيلي حتى يدركوا خفايا مواقف اليوم لأن التاريخ الحديث يفسر أحداث الحاضر. أريد أن أكشف للقراء عن بعض الأسرار المتعلقة بالنووي في كل من إيران وإسرائيل، وهذه الأسرار ليست من عندي ولكني أكتشفها حين أراجع المذكرات الثمينة التي كتبها في الأزمنة الماضية صناع السياسة وأصحاب القرار في أعلى هرم الحكومات الغربية، حينما كانت شعوبنا إما ترزح تحت نير الاستعمار في ذلك العهد أو غارقة في معضلاتها الداخلية. وفي الحالتين لم يقرأ العرب تلك المذكرات وهي منشورة ومع الأسف قرأها أعداء العرب وعرفوا بفضلها كيف يخططون لمزيد قمعنا وإخضاعنا وإخراجنا من دائرة التاريخ! والحقائق التي أعرضها على القراء مكتوبة بقلم رئيس الحكومة الفرنسية الأسبق السيد (موريس كوف دي مرفيل) تحت رئاسة الجنرال شارل ديجول وهو الذي كان أيضا وزير خارجية فرنسا من عام 1958 إلى 1968 أي على مدى عشر سنوات كاملة كانت هي السنوات الحاسمة في تمكن إسرائيل من السلاح النووي بفضل مساعدة باريس.

وهنا سوف أترجم للعربية خفايا أعتبرها جديدة تماما كتبها بوضوح من كان في قمة الدولة الفرنسية آنذاك وعاشها بل وكان مهندسها الأول. يقول السيد (كوف دي ميرفيل) في الصفحة 98 من مذكراته المنشورة بمؤسسة (بلون) للنشر بباريس:
"حين قابلت الرئيس الأمريكي جون كيندي يوم 7 أكتوبر 1963 في البيت الأبيض، أجريت معه جولتين من المحادثات، عبر لي الرئيس عن مخاوفه الخطيرة من إسرائيل وإمكانية حصولها على السلاح النووي، لأننا في باريس وحسب اتفاقية بيننا وبين إسرائيل وقعناها عام 1957 التزمنا بمساعدة تل أبيب على إنشاء مفاعل ديمونة في صحراء النقب وتمكين الدولة العبرية من مخصبات اليورانيوم من نوع ماركول أي من إنتاج البلوتونيوم " ويضيف رئيس حكومة فرنسا الأسبق قائلا: " منذ عام 1958 حاولنا أن نحد من طموحات إسرائيل وإخضاع منشآتها النووية للمراقبة بحرص من الجنرال ديجول منذ توليه رئاسة الجمهورية عام 1958، ولكننا كنا مدركين بأن إسرائيل في مقدورها الحصول على اليورانيوم من جهات أخرى غير باريس".

هذا ما قاله السيد كوف دي ميرفيل بالحرف، وهو يكشف حقائق لم نكن نعرفها من قبل وهي: 
1- الرئيس جون كيندي كان ضد امتلاك إسرائيل للسلاح النووي وعاتب باريس على تزويدها للدولة العبرية بما يؤهلها لامتلاكه، وهو موقف مختلف تماما عن موقف الإدارات الأمريكية التي جاءت بعده والتي اعتبرت التفوق الإسرائيلي على العرب أولوية استراتيجية في السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
2- الرئيس كيندي عبر عن موقفه هذا قبل 45 يوما من اغتياله على يد / لي أوزوالد الذي كان متهما بعلاقات مع الأجهزة السرية الروسية والإسرائيلية.
3- (لي أوزوالد) قاتل كيندي اغتيل بعد ثلاثة أيام من إيقافه على يد جاك روبي أحد غلاة اليهود الأمريكان المتطرفين، وجاك روبي هو ذاته مات في السجن بمرض شبيه بمرض ياسر عرفات بعد ثلاثة شهور من إيقافه!

هذا فيما يتعلق بالنووي الإسرائيلي، أما النووي الإيراني فيقول السيد (توني بين) الوزير العمالي البريطاني للصناعة أنه عام 1977 في عهد شاه إيران عندما قابل وزير خارجية الولايات المتحدة (سايرس فانس) وجده يحث حكومة لندن على مساعدة طهران حتى تمتلك السلاح النووي لأن واشنطن تعتبر إيران في ذلك الزمن حارسة المصالح النفطية الغربية في المنطقة فهل طوت الإدارة الأمريكية ملف العداء مع طهران وعادت من جديد تعتبر إيران ما بعد الشاهنشاه بوليس الشرق الأوسط؟! صحيح أن الثوابت في السياسة الأمريكية لا تتغير بتغيير الرئيس ولا بتجديد الكونجرس!
نلمس من خلال هاتين الشهادتين من أهلها أن الخيارات الاستراتيجية للدول العظمى يمكن أن تتحول من الضد للضد ومن الموقف إلى نقيضه بحسب مصالحها دون أي اعتبارات عاطفية أو أخلاقية أو قانونية. فالمصالح حين اقتضت تفوق إيران كانت واشنطن مع تسليح طهران بالنووي ثم حين أصبحت إسرائيل هي حامية حمى المصالح الغربية تحول الخيار الأمريكي والأوروبي من تسليح طهران إلى تجريد طهران من سلاحها وإلى عقيدة انفراد إسرائيل بالقوة النووية. وهل أصبحت إسرائيل عبئا ثقيلا على مصالح أمريكا؟

هذا هو منطق العلاقات الدولية كما يفرضه علينا العالم اليوم وعلينا نحن العرب قراءة ردود فعل شعوب أمريكا اللاتينية على هذا النظام العالمي الظالم للاستلهام منها منذ أن أعلن الرئيس البرازيلي (لولا) ورئيس فينزويلا (شافيز) ورئيس بوليفيا (مورالس) ورئيسة تشيلي (ميشال باشليه) بأنهم لا يقبلون ذلك المنطق المؤسس على القوة والهيمنة وهذه أول حركة عصيان رسمي في العلاقات الدولية انطلقت من أرض شي جيفارا ضد الاستبداد الليبرالي العالمي! وهي المبادرة التي أجبرت أوباما على إعادة العلاقات مع كوبا فنحن ندرك اليوم بأن مصير العرب أفلت من أيدي العرب وسيتواصل المشروع الأمريكي الإيراني تدريجيا إلى مراحله الأخيرة ويحقق أهداف كل من الولايات المتحدة وإسرائيل والاتحاد الأوروبي وهي أهداف تتعلق أساسا بالحرب الباردة بين واشنطن وموسكو وهي الحرب المؤهلة للتسخين ولا يشكل العرب فيها (مع الأوكرانيين) سوى حطب للنار القادمة وسوى رقعة شطرنج عملاقة وهشة في لعبة الأمم. فاعتبروا يا أولي الألباب لعل الكارثة على الأبواب.