أسوأ من الكيماوي

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

21/ 08/ 2014
العربي الجديد
المؤلف: 

لا تزال صور ضحايا مجزرة الكيماوي في غوطة دمشق تستثير في كثيرين ردات الفعل المؤلمة ذاتها، على الرغم من مرور عام على الحادثة المؤلمة. أطفالٌ بعمر الورد يختلجون، ويزبدون من أفواههم، وتنقطع أنفاسهم مختنقين رويداً رويداً، وآخرون يصرخون، باحثين عن أهلهم وأولادهم، فيما المسعفون لا يستطيعون مجاراة الكارثة الكبيرة، بحكم الحصار الخانق الذي حرمهم من الدواء والمعدات، فيستعيضون بسكب المياه على الضحايا. كان يوماً عصيباً حقاً.

في كل مرةٍ، يعتقد المتابع للحدث السوري أن هذا الفعل، أو سواه، للنظام السوري هو الأسوأ، فإذا به يُفاجأ، بعد فترةٍ، بخطوة تفوق سابقتها بالسوء والجريمة. فقد اعتقد كثيرون أمام مجزرة الكيماوي أنه لا شيء سيكون أسوأ منها، فإذا بهم يصحون، في لحظة أخرى، على صور لنحو 11 ألف سوري قتلوا تحت التعذيب. ما زال في جعبة النظام السوري الكثير من الإدهاش الجرمي، وأعتقد أنه كان، وسيظل، وفياً لعهده الذي أطلقه بأنه لن يترك سورية إلا حطاماً فوق حطام. مع ذلك، ثمّة ما هو أسوأ من الكيماوي، إنْ على مستوى النظام ومواليه، أو على مستوى "المجتمع الدولي" والمعارضة السورية.

كانت ردة فعل الموالين للنظام إزاء المجزرة مثيرة للدهشة بالفعل. ففي مناطق، عبّر عسكريون وأمنيون وجماعات محسوبة على الشبيحة وعائلاتهم في دمشق وغيرها، عن شماتتهم وفرحتهم بضرب الكيماوي، معتبرين أنها الخطوة الأصح التي قام بها النظام للقضاء على "الإرهاب"، على حد تعبيرهم، كما بدأوا بتوزيع الحلوى وإطلاق "الزمامير" من سياراتهم التي بدأت تجوب الشوارع فرحاً بمقتل أطفال مَن كانوا، بالأمس القريب، جيرانهم وشركاءهم في المواطنة.

كانت شماتة موالي النظام السوري مؤلمة حقاً، لكنها، من الوجهة السياسية، تعني ما هو أسوأ. إنها ضربة موفّقة لشعار الثورة السورية: "الشعب السوري واحد"، فهي تزيد من التشكيك السائد بقدرة السوريين على أن يشكلوا شعباً واحداً، وهذا أخطر بكثير من فكرة التقسيم التي تروّجها دول وأطراف وجماعات سياسية عديدة. ونعلم أن النظام السوري، على مدار نصف قرن، لم يتعامل مع السوريين بوصفهم شعباً واحداً، بل كقطع معزولة، أساس كل منها طائفي أو ديني أو عرقي أو أيديولوجي، على الرغم من خطابه "القومي العربي" الذي يصمّ الآذان، ليكون هو وحده الذي يجمع بينها برباط القهر والاستبداد. فالشعب مفهوم سياسي، أي يُصنع صناعة، وليس معطى نهائياً، وإنّ صناعة شعب على أساس الاندماج الوطني، بالمعنى الديمقراطي، تحتاج حقاً إلى إرادات، وهذه الإرادات يصيبها العطب كلما برزت إلى السطح ممارسات شنيعة، كالتي يحفل بها الوسط الموالي للنظام.

كان خطاب معظم اليساريين، حتى أولئك الذين يحسبون أنفسهم على معارضة النظام السوري، خطاباً ضد الضحية، بعضهم اتهم الجماعات المتطرفة من الساعات الأولى للمجزرة الكيماوية. الأرضية التي ينطلق منها هؤلاء في مقارباتهم للحدث السوري معروفة ومفهومة، فهي تقوم، في جزء كبير منها، على الألم الذي يعيشونه، بحكم هامشيتهم وهزالتهم، بما يدفعهم دائماً إلى اتباع نهج "تفكير الجكارة"، وفي جزء آخر على الأيديولوجيات العمياء التي جعلتهم يحتقرون الناس العاديين وآلامهم، ربما لأنهم لم يتبعوا تعاليم ماركس وجيفارا في الثورات، وربما لأن الأيديولوجيات الصدئة تبقى لديهم أهم من الإنسان، لكن لا نستطيع، بالطبع، أن ننفي الانتهازية السياسية التي ينعم بها بعضهم.

كانت سياسة ما يسمى "المجتمع الدولي"، قبل جريمة الكيماوي وبعدها، أسوأ من الكيماوي. فالطريقة التي تصرفت بها الدول، في فترة ما قبل الكيماوي، كانت تقدم رسالة، بشكل غير مباشر، للنظام السوري، مفادها بأنه في وسعك أن تفعل ما تشاء، فأنت، كإسرائيل، نظام مدلّل تقف عنده وتتعطل جميع القوانين الدولية وشرعة حقوق الإنسان. بعد المجزرة، كان سعي "المجتمع الدولي" كله موجهاً نحو "الإمساك بأداة الجريمة"، أي التخلّص من الكيماوي السوري، تجسيداً لنمط السياسة العالمية السائد، والقائم على المصالح العارية، من دون أي بعد حقوقي أو إنساني. على العكس، شكلت عملية نزع الكيماوي السوري رخصة للنظام، ليدخل في شراكةٍ مع "المجتمع الدولي"، وهذه الشراكة تتطلّب وجوده، وبقاءه من أجل القيام بوظيفته في تسليم الكيماوي بشكل آمن، وإلا كيف نفسّر تغاضي المجتمع الدولي عن قتل النظام عشرات آلاف من السوريين، في فترة ما بعد الكيماوي، باستخدام الصواريخ والبراميل المتفجرة؟

لا يكترث "المجتمع الدولي" بنتائج سياساته، إنْ في سورية أو على مستوى العالم. إذ تقدم هذه السياسات حقائق خطرة: فقدان الثقة بالقانون الدولي، السخرية من الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، الاستهزاء بالمنظمات الحقوقية الإقليمية والدولية، الكفر بمبادئ العدالة والحريات والديمقراطية التي يفخر بها الغرب، الشرعية الوحيدة هي شرعية القوة، وصاحب القوة يربح. ربما يقال إن هذا كله لا قيمة له في السياسات الدولية، وهذا، واقعياً، صحيح. لكن، مَن قال إن العالم يمكن أن يسير نحو الأمام بلا قانون، فالعالم الذي يفتقد القيادة السياسية الأخلاقية سيكون مصيره، على الدوام، إنتاج الفشل والتطرف في آن معاً في أماكن شتى، وأزمنة مختلفة.

أليس ما حدث في سورية، وما رافقه من تجاهل دولي وإقليمي، هو ما أفسح المجال، في أحد وجوهه، لبروز ونمو قوى معارضة متطرفة، تنهل من معين النظام السوري ذاته، خطاباً وسلوكاً وأخلاقاً؟ أليس هو أيضاً ما أعطى مجموعة عبد الفتاح السيسي في مصر قوة الدفع باتجاه القتل، وأدى إلى حدوث ما حدث في ميدان رابعة العدوية وغيره؟ في الواقع والتاريخ، لا شيء يضيع، ومَن يزرع سيحصد ما زرعه، ولو بعد حين.

كان أداء المعارضة السورية، أيضاً، أسوأ من الكيماوي. فهي واجهت المجزرة بالندب والصراخ والعويل فحسب، وهذا لا يجعلها تزيد شيئاً عن أداء المواطن السوري العادي الذي يبني، بشكل طبيعي ومبرر، سلوكه وحديثه، استناداً إلى الحس الآني والمباشر فحسب. الغضب والألم مبرران، بل وضروريان، عند الجميع. لكن، أن يقف رجل السياسة في حدودهما فحسب، فتلك هي الكارثة. تنفعل المعارضة السياسية لحظياً، ثم تنسى، ولا تتابع شيئاً، ولا تقوم بأي عمل. أسوأ السياسيين هم الذين يعيشون كعمال "المياومة" الذين لا يعملون إلا في حدود اللحظة الحالية، من دون أي تخطيط أو إعداد للمستقبل، وينتظرون العالم لكي يقوم عنهم بكل واجباتهم. فالمجزرة الكيماوية لم تلق أي متابعة إنسانية أو قانونية أو سياسية، أو حتى على مستوى حشد الرأي العام العالمي والعربي، في اتجاه تقديم المتورطين بهذه الجريمة إلى محاكمات دولية عادلة، أسوة بغيرهم من مجرمي الحروب.

لقد جرّب السوريون الموت بالطرق كافة، من الموت بالرصاص، والموت في أقبية التعذيب، إلى الموت جوعاً وحصاراً، والموت بالصواريخ والبراميل المتفجرة، إلى الموت بالكيماوي ومشتقاته، إلى الموت بالدواعش وتفريخاتها، إلى الموت غرقاً أو عجزاً عند بوابات حدود الدول. وفي جميع المحطات، لم يكن الموت قهراً بعيداً منهم، بسبب "نظامهم العظيم" و"المجتمع الدولي الموقر" و"معارضتهم السياسية الغراء".