أعظم أسلحة إيران على الإطلاق: أوباما ودائرته الضيقة!

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

9/2/2015
السورية نت

مع حلول نهاية العام 2012، كانت إيران تعاني داخلياً وإقليمياً ودولياً بشكل لم يسبق له مثيل على الإطلاق، إذ تدهور وضعها الاقتصادي بشكل غير مسبوق، وفشلت في استثمار الثورات العربية وتوظيفها لصالحها. شكّلت الثورة السورية الخطر الأكبر والأعظم عليها منذ اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، مما اضطرها لأن ترمي بكامل ثقلها إلى جانب الأسد في معركة استنزافية واضحة مترافقة مع فقدان لأي تعاطف شعبي في العالم العربي وتراجع لنفوذ أذرعها في لبنان والعراق واليمن.

لكن وخلال فترة قصيرة (عام تقريباً)، سرعان ما انقلبت هذه المعطيات رأساً على عقب، وأصبحت إيران الآن في موقع يتفوّق على كل منافسيها الإقليميين. لم يأت ذلك من فراغ في طبيعة الحال، ولا يعود الفضل فيه إلى سياسة إيران ولا إلى قوتها العسكرية ولا إلى أذرعها الإقليمية ولا إلى برنامجها النووي، وإنما إلى أعظم أسلحتها على الإطلاق "الرئيس الأمريكي  أوباما ودائرته الضيقة".

من ينظر إلى التطورات التي حدثت في المنطقة في الفترة من العام 2009 وحتى اليوم، سيلاحظ وعلى عكس الشائع أن  أوباما يمتلك استراتيجية واضحة بالنسبة له على الأقل فيما يتعلق بالشرق الأوسط، استراتيجية مركز جاذبيتها على ما يبدو هو إيران، ومضمونها التحالف مع إيران، ونتائجها تقوية إيران.

لا يزال كثيرون يشككون بهذا المنطق، وبطبيعة الحال لا يمكن الخوض في كل تفاصيل تلك المرحلة في مقال قصير، لكن يمكن مراجعة عشرات المقالات والتقارير والأبحاث التي كتبتها عن تلك الفترة ولاسيما المقالات التي نشرت العام الماضي حول الأوضاع في العراق وسوريا وسياسات أمريكا وإيران في بلاد الشام ومنطقة الخليج العربي. كما يمكن اختصار كل ذلك بالرجوع إلى مقالي المنشور في صحيفة العرب القطرية بتاريخ 28/10/2014 تحت عنوان " أوباما يحقق لملالي إيران حلمهم" ، ومقال "الولايات المتحدة وإيران: تفاصيل الشراكة المنكرة في سوريا والعراق".

مع إعادة انتخاب أوباما لولاية ثانية نهاية عام 2012، قام هو والدائرة الحديدية من المستشارين المحيطين به بإعادة إحياء استراتيجيته المحورية في الشرق الأوسط والتي تدور حول إيران، وقد استعان بفريق من الدبلوماسيين والخبراء كما أصبح معلوماً لإجراء جولات سرية من المفاوضات مع الإيرانيين وجهاً لوجه قبل وبعد انتخابه لولاية ثانية مهّدت للاتفاق المبدئي الذي يعرف باسم (JPOA) نوفمبر 2013، والّذي كان المفتاح لإعادة الصعود الإيراني.

لقد كان للدائرة الضيقة المحيطة بأوباما دور كبير في هذا السياق، وهؤلاء كما سنرى لاحقاً هم من المتعاطفين على ما يبدو مع إيران، أو من المتأثرين بها بفعل العديد من العوامل كما سنرى. هذه الدائرة ضغطت على أي رأي يخالف معتقدات أوباما فيما يتعلق بطريقة إدارة العلاقة مع إيران، فكل رأي مختلف كان يتم إقصاؤه، بما في ذلك رأي الوزراء في حكومة  أوباما، وهو الأمر الذي اشتكى منه عدد كبير منهم معتبرين أن مدى قوة ونفوذ هؤلاء المستشارين يخالف الشكل المعهود ويتخطى الصلاحيات.  وتضم دائرة  أوباما الحديدية ممن يعتمد عليهم في استراتيجيته الإيرانية كل من:

1) "فاليري جاريت": وتعرف على أنّها بمثابة خزنة أوباما السرّية ومرافقته الدائمة، وهي المستشار الأرفع للرئيس أوباما ومساعدته أيضاً في شؤون العلاقات الحكومية الدولية. "فاليري" هذه من مواليد مدينة شيراز في إيران وهي ترافق أوباما تقريباً منذ العام 1991 حين تعرّفا على بعضها البعض في ذلك الوقت عبر ميشيل "خطيبة  أوباما". "فاليري"، تتكلم اللغة الفارسية، ولديها شبكة علاقات قوية في إيران، وتشير معلومات ضيّقة إلى أنّها كانت النقطة الأساس في مفاوضات سريّة أمريكية مع النظام الإيراني في عدد من البلدان للتوصل إلى الصفقة المنتظرة، رغم إنكار الإدارة الأمريكية أن يكون لها أي دور.

2) "دينيس ماكدونوغ": شغل مناصب عديدة سابقاً منها على سبيل المثال منصب زميل في مركز (CAP) وهو كما سيعرف فيما بعد له روابط قوية مع  أوباما، ثم أصبح في العام 2008 مستشاراً  للسيناتور أوباما لشؤون السياسة الخارجية. وبعد انتخاب أوباما رئيساً، انضم إلى الإدارة الأمريكية في منصب رئيس الاتصال الاستراتيجي في مجلس الأمن القومي، ثم كبير موظفي مجلس الأمن القومي.

شغل "دينيس" منصب نائب مستشار الأمن القومي من العام 2010 وحتى يناير من العام 2013، ثم انتقل بعدها إلى موقع كبير موظفي البيت الأبيض، ولايزال في هذا الموقع حتى اليوم. المهم في سيرة "دينيس" لناحية الموضوع الذي نناقشه هو أن كثيرين لا يعلمون أنّه عمل مساعداً لـ "لي هاميلتون" أثناء إعداد تقرير "مجموعة دراسة العراق" الذي صدر في نهاية عام 2006 ويعرف أيضا باسم تقرير "بيكر- هاملتون".

إذا ما عدنا إلى توصيات تقرير "بيكر- هاملتون" هذا، سنجد أنّه بمثابة الكتاب المقدّس لأوباما في سياساته الخارجية تجاه الشرق الأوسط. فالتقرير طرح آنذاك أربع توصيات رئيسية هي: سحب القوات الأمريكية من العراق، زيادة القوات الأمريكية في أفغانستان، تنشيط عملية السلام العربية- الإسرائيلية، والأهم من كل ذلك "التفاوض مع نظام الملالي ونظام الأسد بشأن المنطقة". إذا ما قارنّا هذه التوصيات بما جرى ويجري اليوم سنلاحظ أن أوباما طبّقها بحذافيرها، وليس من المستهجن بعدها أن نفهم عملية التفاوض الجارية مع إيران والتسويات التي حفظت الأسد حتى الآن.

3) "بنجامين رودز": ولن نستغرب أيضاً إذا ما علمنا أن نائب مستشار الأمن القومي الأمريكي الحالي "بنجامين رودز" كان قد عمل سابقاً مساعداً لـ "لي هاميلتون" لمدة خمس سنوات ساعده خلالها في كتابة تقرير "بيكر- هاملتون" السابق الذكر وكذلك في إخراج توصياته.

"بنجامين رودز" هذا عمل مع  أوباما أيضاً عندما كان لا يزال سيناتوراً في العام 2007، ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم، يعمل أيضاً كاتباً لخطابات الرئيس الأمريكي أوباما، وما علينا إلا أن نراجع خطب أوباما بشأن إيران لنرى كيف يفكّر خاصة أنّه يوصف من قبل كثيرين بأنّه من أنصار المدرسة الواقعيّة.

في شهر أوكتوبر 2014، نشرت "فري بايكن" تسجيلاً سرّياً لـ "رودز" يتحدث فيه عن صفقة مع إيران. كلام رودز يعود إلى يناير 2014، ويقول فيه أن الصفقة مع إيران ستكون على الأرجح أهم شيء يقوم به أوباما على الإطلاق خلال ولايته الثانية، فالأمر مهم جداً بالنسبة له كما هو الأمر بالنسبة إلى ملف "الرعاية الصحية" داخلياً. مضيفاً بأنّهم يعملون على إبقاء الكونغرس بعيداً عن الصورة تماماً، وأنّهم سيتجاوزونه بحيث لا يكون هناك حاجة إلى موافقته على الصفقة مع إيران.

4)  "سوزان رايس": وطبعاً لن ننسى سوزان رايس مستشارة الأمن القومي الأمريكي حالياً، وهي كانت قد عملت سابقاً أيضاً مع أوباما في العام 2006. وعلى الرغم من أنّه لا يوجد الكثير عن موقفها من إيران سابقاً، فإن بعض التقارير تقول إنها لعبت دوراً في المفاوضات السرية مع إيران، إلا أن الأمر لا يتعلق بهذا الموضوع بقدر ما يتعلق بعدم كفاءتها كما يقول البعض، بالإضافة إلى موقفها المعارض بقوة لانخراط الإدارة الأمريكية في الملف السوري ضد الأسد.

هذه المجموعة من الأشخاص القريبين جداً من أوباما، والذين يشكلون الطوق الحديد حوله، ساعدت إيران بشكل مباشر أو غير مباشر على الصعود الإقليمي من جديد. هؤلاء حرصوا على إبعاد أي مسؤول أمريكي يمكن له أن يقترح أي شيء يعارض مسارهم تجاه إيران، كما حرصوا على إبقاء خططهم الأساسيّة سريّة في الغالب، وعملوا في الظل ودفعوا أي مسؤول يتحدّاهم أو يحاول أن يقترح ما لا يرونه صحيحاً أو متوافقاً مع نظرهم ومع نظرة  أوباما إلى الاستقالة. بمن فيهم هيلاري كلينتون وجيتس وبانيتا، وقد ظهر هذا الموضوع إلى العلن مع استقالة وزير الدفاع الأمريكي هيجل.

بالإضافة إلى هؤلاء يوجد شخص آخر قريب جداً من أوباما ورايس. في تصريح رسمي له في مارس 2013، قال: "أنا فخور بالإيرانيين- الأمريكيين الموجودين في عائلتي الخاصة، وممتن للطريقة التي أغنوا بها حياتي". من هذا؟! جون كيري، وزير خارجية الولايات المتّحدة وقائد الأوركسترا الرسمية الأمريكية من المفاوضين العلنيين لإيران في الملف النووي.

ابنة جون كيري وتدعى "فنيسا" تزوجت من إيراني يدعى "بهروز ناهد"، بهروز يحمل الجنسية الأمريكية ويقيم في الولايات المتّحدة ولكن عائلته الكبرى في إيران ويذهب لزيارتهم هناك، وقد أشارت بعض التقارير بالفعل إلى أنّهما ذهبا إلى إيران لزيارة عائلته بعد فترة قصيرة من الزواج، وأنّ مواقع إيرانية رسمية نشرت صوراً لهما، لترسل رسالة ربما بأنّها تعلم بالموضوع. لكن، ألا يثير مثل هذا الوضع تساؤلات حول وضعية كيري كمفاوض وحقيقة صلة القرابة مع الإيرانيين؟.

من المعروف أن دوائر الاستخبارات والأمن القومي لا تسمح عادة بهكذا مواقف لأن من شأنّها أن تؤدي إلى حالات من الابتزاز أو الاستغلال أو الولاء المزدوج، فما بالك في مهمة حساسة جداً كالتي يقوم بها كيري؟ يقول البعض أن هذا ليس طارئاً، إذ هناك العديد من التقارير التي نشرت في العالم 2005 وتشير إلى علاقات كيري بإيرانيين، وعدد كبير منهم مقرب من هاشمي رفسنجاني، وأنّ كيري عمل لوقت طويل مع مجموعات تهدف إلى رفع العقوبات الأمريكية عن إيران.

عموماً، من الواضح أن هذه الترسانة من أصدقاء إيران داخل الإدارة الأمريكية غير مسبوقة على الإطلاق، وهي تحدّت وتتحدى مصالح حلفاء الولايات المتحدة التقليديين في الشرق الأوسط بشكل غير  مسبوق وغير منطقي في سبيل الوصول إلى صفقة مع إيران، وسنرى قريباً ما إذا كانت ستخرج بشكل مكتوب وموثّق أم لا.