أغرب قصة انشقاق في الثورة السورية

في أول شتاء عام 2012، شهدت سوريا أغرب قصة انشقاق عسكري حسبما أعتقد. ليس لأن من يحكيها سجن نفسه لمدة سنة كاملة بعد انشقاقه في أكبر معاقل نظام الأسد بالساحل السوري، ولا علاقة لهذا الوصف بالطبيعة الطائفية المنتنة للجهاز العسكري الذي يخدم فيه صاحب القصة. ففي الرواية ما تقف على وقعه القلوب وتقشعر له الأبدان، وللمفارقة، قد يبكي المرء ويضحك في آن معاً.

"أبو مازن"، مساعد مجند (غير متطوع) في لواء مدرعات يقع قرب إحدى ضواحي العاصمة دمشق. تلقى أوامر في أوائل الشهر الخامس من عام 2011 بالتوجه مع كتيبته إلى مدينة الحارة بمحافظة درعا، لتخويف المتظاهرين في المدينة، وإطلاق الرصاص في الهواء لتفريقهم، كمهمة معلنة. يقول: "كنا نطلق الرصاص في الهواء أثناء المظاهرات، وتقوم قوات الأمن بالمداهمات والاعتقالات بعد ذلك.. لم يقحمونا في أي أعمال عنف، كنا نراهم يعتقلون الناس ويأخذون كثيراً من الممتلكات، لم نستطع فعل شيء.. إما أن ننفذ الأوامر أو نموت فداء للأسد" (قال عبارته الأخيرة ساخراً).

هناك في درعا، يحدثنا أبو مازن عن علاقته الحميمية بالأهالي: "كانت تأتينا وجبات الطعام إلى ثكناتنا ومقراتنا، من قبل الأهالي، بينما ما انفكت تنقطع معوناتنا القادمة من القيادة العامة للجيش". التقى أبو مازن وجهاً لوجه بمتظاهر أمام أحد مساجد الحارة، مزق قميصه، وقال بقوة: "أنا لست خائفاً منكم"، يقول أبو مازن: "قبلت يديه ورجوته أن يعود قبل أن تأتي قوات الأمن والشبيحة التي ستقتله لا محالة... الحمد لله... عاد قبل أن أٌقتل نفسي".

"عصفور"، عنصر مجند في صفوف قوات النظام، قبل مقتله بلغم أرضي، جرى حوار بينه وبين "أبو مازن"، في محاولة من الأخير إقناع الأول، بأن أهالي درعا ليسوا من اليهود. لم يقتنع "عصفور" في البداية، لأن ضباط التوجيه السياسي كانوا قد زرعوا في عقله وعقول زملائه "يهودية" المتظاهرين و"عروبية" الأرض التي ينتفضون منها، ولكنه اقتنع بعد تأكده من أن أهالي درعا يصومون رمضان.

بعد شهر ونيف عاد "أبو مازن" إلى قطعته العسكرية، بقي هناك أياماً عدة ليربح إجازة بقيمة 5000 ليرة سورية، قضى ثلثها فقط، إذ عاد بسرعة بناء على طلب قائده العسكري: "بو مازن.. بتعرف صاروخ المالوتكا؟.. بتركب الصاروخ وبتجي عالقطعة". عاش بعدها صديق قصتنا أشهرا عدة مستنفراً مع كتيبته إلى أن تم نقلهم إلى معسكر الطلائع في إدلب.

في شتاء 2011، عبرت أرتال عسكرية للجيش النظامي وسط سوريا باتجاه محافظة إدلب، لتستقر في نهاية المطاف في معسكر الطلائع، أكبر معسكر للقوات المختلطة بمحافظة إدلب، هناك حيث توضع الخطط وتدار المعارك، وتنطلق الحملات، وترفع الأوامر العليا. يقول أبو مازن: "هناك لا تستطيع الانشقاق... 14 حاجزاً يحيط بالمعسكر.. أفعلها ولكنني بحاجة إلى عربة بي إم بي، ورامي رشاش".

في تلك الأثناء قرر "أبو مازن" الانشقاق عن الجيش، مهما كلف الأمر، لاعتبارات كثيرة منها ما كان قد عاشه في درعا، فقد قص لي كيف أن امرأة استنجدت به خوفاً من الاغتصاب، يقول: "خلعت حجابها.. رمته بين يدي، وقالت لي: (أنا أختك).. كانوا يريدون اغتصابها ولكنني منعتهم بحكم رتبتي العسكرية... بعدها عدت إلى عربتي العسكرية واجهشت بالبكاء". وفي أحد الأيام اعتقلت قوات الجيش 12 شخصاً بينهم سعودي الجنسية، قتلتهم جميعاً، ونكلت بجثثهم أمام أعين صاحب القصة، قال لي: "كانوا يعلقون السعودي على فوهة الدبابة، يشنقونه بعد أن مات، يطلقون عليه الرصاص حقداً وخوفاً.. لقد كان مبتسماً.. حاولوا تغيير ملامحه بإطفاء السجائر بوجهه.. عبثاً حاولوا.. لقد أيقنت بشهادته وعرفت بأننا لسنا على الحق".

بدأ أبو مازن بتنسيق عملية انشقاقه مع بعض الكتائب في إدلب مع حلول الصيف، ولكنه فشل، فالانشقاق بلا "بي إم بي" ورفقة رامي رشاش، أشبه بالانتحار. عاد ليكثف اتصالاته من خلال السكايب مع قادات في الكتائب المعارضة، فوصل إلى من وعده بأخذه من أقرب نقطة في المنطقة الساحلية.

سنحت الفرصة الذهبية، فقد عزم ضابط رفيع المستوى، الذهاب في إجازة إلى منزله في اللاذقية، ولكنه كان بحاجة لمن يحمل مسروقاته، ووقع الاختيار على أبي مازن، فهو الشخص الموثوق به، لا يتحدث كثيراً، وابن البلد، وللكلمة الأخيرة كثير من الدلالات.

هبطت الطائرة المحملة بالأغذية في المعسكر المحاصر. أخذ أبو مازن مسروقات الضابط، وحمل بعض أمتعته، وسلاحه الفردي، وكثيراً من الذخائر الحية، وصعد بالطائرة بعد تفريغها. كادت آمال صديقنا أن تتحطم عندما هبطت الطائرة في مطار تفتناز العسكري بريف حماة، لولا أنها أقلعت مجدداً في اليوم التالي إلى مطار أبو الضهور، ثم إلى مطار حماة العسكري (المطار الذي يغذي كل مطارات الشمال السوري، وتصدر منه كل أوامر القصف والهجوم).

لم يصبر أبو مازن حتى تأتي طائرة أخرى لتنقله إلى مطار حميميم بمدينة جبلة. اتصل بسائق أجرة ليقله والضابط رفيع المستوى إلى اللاذقية بالساحل السوري. هناك وضع الضابط مسروقاته، وسحب سلاح صديقنا وذخيرته. وتواعدا باللقاء بعد 5 أيام أمام منزل الضابط، إلا أنهم لم يفعلوا.

فأبو مازن اتصل بالقائد الذي وعده بتسهيل عملية خروجه، إلا أنه تفاجأ باعتذاره.. خرج إلى الشوارع يبحث عمن يصدمه بسيارة، لم يسعفه الحظ بصدمة مفاجئة، يقول لي: "كأنني في باريس.. الكل يقف ويعتذر مني على رمي نفسي أمام سيارته!". اتفق مع "محبحبجي" (رجل يتعاطى الحبوب المخدرة) ليدهس رجله، إلا أنه لم ينجح بإقناعه في اللحظات الأخيرة. هنا كان أمام الرجل خياران، إما أن يعود إلى معسكره، فيقتُلَ ويُقتَلْ، أو أن يختبئ حتى تنتصر الثورة!

فعلاً، هذا ما فعله أبو مازن، توجه إلى أحد الأصدقاء القدامى، هناك باح بما في قرارة نفسه، وطلب العون. انتفض الصديق، عثر على منزل ناء في إحدى المناطق الهادئة، خبأه فيه، حتى اقتنع كل من يعرف أبو مازن بأنه مات أو اختطف. اختبأ سنة كاملة لا يرى الناس، ولا يقوى على اقتناء حذاء منزلي، أو دخول الحمام إلا في ساعات الذروة، كيلا يعرف بأن المنزل مسكون. اختفاء اختياري، لم يقابل فيه إنساً، إلا من كان يوصل له الطعام، ويخرج ما لديه من قمامة.

بعد عام كامل، وفي شتاء عام 2013. اتصال من صديق: "أبو مازن.. جهز حالك.. رح تطلع". جمع صديقنا أغراضه، ولملم ذكرياته التي استطاع العثور عليها. ودع من يستطيع توديعه. جاء من يقلله، صعد في حافلة الخضار المهترئة، وهنا بدأت حكاية أخرى.

هوية جديدة، أعطيت للعسكري المنشق: "احفظ اسمك واسم أبيك واسم أمك، ومكان وتاريخ الولادة، أنت كردي الآن". بدأت الرحلة. يقول لي صديقنا: "كادت الشمس تعمي بصري.. لم أعرفها جيداً.. كأنها غريبة عني".

300 متر فقط، هي المسافة التي قطعها أبو مازن في السيارة، قبل أن توقفه إشارات ضوئية من دورية أمن، يقول: "لقد تيبست كل السوائل في جسدي... وقفنا يمين الطريق.. الحمد لله .. كانت دورية جمارك". حبتان من اللوكستان (مهدئ عام) وإبريق من الشاي المحلى بعناية، هما السلاح الوحيد الذي حمله العسكري المنشق الذي نسي أن يحفظ اسمه الجديد، قبل المرور بأول حاجز عسكري مما أخضعه لمحاضرة تأنيب من قبل السائق المرافق.

بعد الخروج من مدينة اللاذقية، عبرت سيارة الهروب كل قرية وبلدة موالية للنظام يمكن لك تخيلها، حتى تلك القرى التي يخشى الموالون أنفسهم الاقتراب منها بسبب تطرفها الأعمى وقطعها الطرقات وسلب الممتلكات، كلها عبرها السائق، يقول الرجل: "هل من امرء عاقل في الدنيا يمر بقرى زاما، وعين الشرقية، وبيت ياشوط؟" (هذه القرى تعتبر من الخزانات البشرية الهامة للنظام، ويتميز سكانها بتطرفهم، وانغلاقهم على أبناء الطائفة). يتابع: "أحسست بأن في السائق أمراً ما، يقبل القرآن قبل كل حاجز، ويوزع علب السجائر على العناصر".

بعد عبور حاجز بيت ياشوط، وصلنا إلى حاجز حماة، هناك أنزل العسكري أبا مازن من السيارة، وطلب منه أخذ الهويات إلى غرفة "التفييش"، 4 أمتار أحسها أبو مازن 4000 متر، فهو، حسبما ظن، ذاهب برجليه إلى الموت. يقول: "ذهبت إلى الغرفة مرتعداً، شاهدت عسكرياً منشغلاً بالحديث على الواتس أب، أعطيته الهويات التي لم ينظر إليها، ثم قفز قائلاً: ليش مّا تردي علي ليش؟ (لماذا لا تجيبين؟)، ثم نظر إلى الهويات نظرة قرف.. دفعهم إلي.. قال: إذهب". أبو مازن لم يعرف كيف يعبر لي عن مشاعره في تلك اللحظة إلا بعبارة "أحببت تلك الفتاة التي يكلمها.. أحببتها من كل قلبي". قلت له: سأكتب العبارة التالية في القصة: الآن عرفت لماذا بيع الواتس آب بــ 19 مليار دولار.

64 حاجز عسكري تابع لقوات النظام وحلفائه، بعضها حواجز إيرانية، مر بها أبو مازن، إلى أن وصل قرب مورك بريف حماة، هناك وقف مع السائق أمام بعضٍ من شجر الفستق الحلبي، تبادلا النظرات. هناك رأى أبو مازن علم الاستقلال أمامه.. وعلم النظام خلفه. يقول: "كدت أبكي لولا أن خوفاً ما زال في داخلي، يدفع نحو العلم ذي الثلاث نجوم.. كبت مشاعري أمام السائق إلى أن عبرنا فوق تلة عالية... هناك كنا في المناطق المحررة بعيداً عن جنود النظام".

 بعدها تتابعت الحواجز العسكرية التابعة للجيش الحر والكتائب الإسلامية، ثم بدأت حواجز "الدولة الإسلامية في العراق والشام". هناك، في دارة عزة تحديداً، وقفت سيارة المنشق أمام رجل لحيته حمراء تصل أعلى بطنه، بدأ يسأل أبا مازن عن مواعيد الصلوات وعدد الركعات وما تبقى من طرق العبادات. نجح أبو مازن بشهادة تفوق، واستطاع تجاوز بقية حواجز "الدولة الإسلامية" حتى الوصول إلى إحدى المدن الكردية.

عندما وصل إلى عفرين، بشمال سوريا، حيث تسيطر الكتائب الكردية المعارضة، استطاع المرور بنجاح بفضل السائق ذي الأصول الكردية، وصل بيت أحد أصدقائه القدامى آخر الليل، احتفل به، وهنأه على شجاعته، انتظره حتى يستريح ليسأله مع من أتيت إلى هنا يا أبو مازن، يجيب أبو مازن بفخر: مع فلان.... هناك يبدأ ضرب الرؤوس وتحسس العقول وتبادل البكاء والضحكات..

يقول أبو مازن: "عندما أخبروني بأن الشخص الذي يقلني مختل عقلياً، وحاصل على شهادة جنون رسمية من الدولة السورية، عرفت حينها، بأن نظام الأسد زائل لا محالة، فمن يعبر 64 حاجزاً من حواجز النظام بهذه الطريقة الذكية، لا يمكن إلا أن يكون أذكى من النظام بأكمله".

قيم هذه المادة: 
فوق
105 users have voted.