"أغلى حلم بالعالم"

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

13/11/2014
السورية نت
المؤلف: 

يحلو لبعض السوريين طرح أسئلة على أنفسهم وعلى الآخرين عن طبيعة نظام حكمهم بالحديد والنار والإفساد والفساد أكثر من أربعين عاماً، ومن هذه الاسئلة على سبيل المثال: هل كنت تتصور أن يصل النظام في إجرامه إلى حد تدمير المدن السورية؟ أو مثل: هل كنت تعتقد أن الثورة ستصل إلى ما وصلت إليه من انحراف عن أهدافها، وعن الشعارات التي رافقتها في السنة الأولى لانطلاقتها؟ أو: هل كنت تتخيل أن يقدم نظام "الوحدة والحرية والاشتراكية" على قتل الناس بالبلطات والسكاكين والبراميل المتفجرة؟

كانت أغلب الإجابات تقول إن أصحابها كانوا عاجزين عن تصور حالات العنف التي قد يلجأ إليها النظام لإجبار السوريين على التخلي عن ثورتهم والقبول بالعودة إلى بيوتهم. وكان نموذج حماة ١٩٨٢ في ذهن القادة الأمنيين: تدمير المدينة كاملة، لو اقتضى الأمر، وذبح كامل سكانها، وكان درس حماة نفسه في عقل السوريين الذين خرجوا ضد هذا النظام، هاتفين في مظاهراتهم: "الموت ولا المذلة"، رغم قناعاتهم أن النظام لن يصل، حقيقة، إلى درجة قتلهم جميعاً، فالوضع عام ٢٠١١ غيره عام  التي١٩٨٢، والظروف التي سمحت لحافظ الأسد أن "يقايض" دول العالم على دماء السوريين، في ذلك الوقت، لم تعد نفسها مع حلول موسم الربيع العربي عام ٢٠١٠، لكل ذلك ظن السوريون أن ثورتهم، قد تكون أصعب قليلاً من ثورة تونس أو مصر أو اليمن أو ليبيا، ولكنها في النهاية ستنتصر وتسقط النظام مع بعض الخسائر البشرية الإضافية مقابل استرجاع "الكرامة" المفقودة منذ أكثر من أربعين عاماً، فهل كان تقدير السوريين صحيحاً، وفي مكانه؟

لا بدّ من الاعتراف أولاً أن خيال السوريين كان عاجزاً عن وضع سيناريو قريب من حقيقة ما جرى ويجري حتى الآن على الأرض، ولا يمكننا لومهم على ذلك، إذا كانت طليعتهم السياسية والثقافية عاجزة عن فعل ذلك، لأنها ببساطة كانت لا تقرأ حقيقة ما يحدث من تدمير ممنهج للمجتمع السوري، وإذا كانت قد قرأته فإنها لم تستخلص العبر منه، إما خوفاً أو جهلاً.

وفي الحالات القليلة التي وصل فيها أحدهم إلى الاستنتاجات الحقيقية التي كشفت طبيعة نظام الأسد، كان مصير أصحابها الموت، مثل الباحث الفرنسي "ميشيل سورا" الذي كتب كتابه عن دولة حافظ الأسد وسماه "الدولة البربرية أو الدولة المتوحشة"، فدفع حياته ثمن استنتاجاته عام ١٩٨٦، والصحافي الكبير "سليم اللوزي" رئيس تحرير الحوادث اللبنانية الشهيرة حتى عام مقتله ١٩٨٠، إثر مقال له عن مشروع حافظ الأسد الطائفي الهادف، في نهاية الأمر إلى إنشاء دولة علوية في حال فشل مشروع حكمه لكل سورية.

وقد يكون لذلك، ولما كان يتسرب من داخل سجون النظام عن المعاملة المهينة التي كانت تُمارس ضد المساجين، والتي كانت تصل إلى حد القتل بحق الإسلاميين، قد جعلت كافة القوى السياسية والثقافية تضع حدوداً لنفسها، ومراقباً داخلياً في عقلها يرسم لها الخطوط الحمر التي لا يجب تجاوزها في الكتابة أو الكلام أو ممارسة ما تبقى من السياسة في المجتمع، في حال بقاء شيء منها.

كل ما سبق ذكره، وأشياء أخرى كثيرة، دعت السوريين إلى عدم التدقيق في روايات الإسلاميين عن السجون مثل هبة الدباغ، أو في روايات اليسار السوري التي صورت فضائع النظام مثل رواية "القوقعة" لمصطفى خليفة، أو كتابات ياسين الحاج صالح ووائل السواح وفرج بيرقدار عن تجاربهم في السجن، فقد تم فعلاً تجاهل هذه الأصوات والشهادات وغيرها لأسباب كثيرة منها الطائفي ومنها المعايير الثقافية المفتعلة، ومنها الخوف الحقيقي، ومنها الصراع السياسي بين ما تبقى من الأحزاب، ما ساهم في خلق "مملكة الصمت" الذي استطاع حافظ الأسد بناءها، على حد تعبير رياض الترك.

ولو كان المثقف والسياسي السوري جاداً في اكتشاف السيناريو الذي يمارسه النظام منذ أربع سنوات وحتى الآن لكان يكفيه أن يعرف بعض الحالات التي في السجون كي يدرك أن نظاماً كنظام الأسد قادر على فعل ما لم تفعله أنظمة العالم الاستبدادية سابقاً، وللتدليل على ذلك سأورد قصة سجين سياسي أمضى ١٢ عاماً في سجون الأسد لمجرد أنه رأى حلماً، وقد أورد القصة الشاعر فرج بيرقدار، الذي أمضى ١٤ عاماً من حياته في السجن، في كتابة المنشور تحت اسم "خيانات اللغة والصمت"، حيث يروي للقارئ كيف أن الشاب مازن قد رأى في أحد الأيام "حلماً ضبابياً مشوشاً فيه ما يشبه جنازة لمسؤول، أو عملية اغتيال، وربما انقلاباً عسكرياً، وباختصار حلم داخل ببعضه". وأنه كان قد روى لصديق له هذا الحلم قبل عدة أيام من اعتقال هذا الصديق، الذي اضطر تحت التعذيب أن يقول لهم عن الحلم الذي رواه له صديقه غير السياسي، فما كان من المخابرات إلا اعتقاله واعتبار الحلم "دليلاً على أني أضمر نوايا معادية للحكومة"، مما دفع أحد السجناء في صيدنايا إلى اعتباره "أغلى حلم في العالم"، فقد دفع الرجل ١٢ عاماً من حياته لقاء هذا الحلم.

ولو كان العقل السياسي السوري حراً في استنتاجاته ونزيهاً في قراءاته لكان عرف الأجوبة على الأسئلة التي يطرحها السوريون الآن عن الحدود التي يمكن أن يذهب إليها نظام الأسد في قمعه للشعب السوري لمجرد بقاء الحاكم على كرسيه.

إن النظام الذي يسجن إنساناً لمجرد أنه رأى حلماً، لهو نظام قادر على أن يقتل الشعب السوري كله، ويدمر سورية عن بكرة أبيها. والحل الوحيد أمام السوريين هو في اتحادهم وتضامنهم، فبغير ذلك لن يستطيعوا إنهاء هذا الكابوس المرعب.