أكاذيب طاغية: رأي الغارديان بمقابلة بشار الأسد على الـ BBC

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

12/2/2015
The Guardian
المؤلف: 

(ترجمة السورية)

ربما لم تكشف المقابلة الأخيرة لبشار الأسد على الـ BBC أموراً جديدة حيال رأي القائد السوري بالوضع المأساوي في بلاده أو في المنطقة، لكنها أظهرت رجلاً يحمل سخرية شديدة وثقة مروعة بالنفس.

تقترب الأزمة في سورية من ذكراها الرابعة. ففي شهر آذار عام 2011 بدأت ثورة شعبية سلمية ضد الأسد، وتحولت بعد ستة أشهر إلى حرب أهلية بعد أن بدأ النظام باستخدام القناصة والمسدسات والدبابات ضد الحشود. يتجاوز تعداد الموتى الآن حوالي 210,000، وهناك حوالي 3 ملايين لاجئ في الدول المجاورة، وحوالي ثلث السكان البالغ عددهم 12 مليون سوري، نزحوا داخل البلاد وهم يحاولون الفرار من القتال.

إن مشاهدة الأسد وهو يعلق بطريقة متعجرفة وبشكل اعتيادي تقريباً حول هذه الكارثة المستمرة بدا كمشاهدة تمرين على الإنكار. لم يكن هناك أية كلمات متعاطفة مع السكان الذين ذبحتهم قواته والتي تركت مدناً بأكملها، بما فيها حمص وحلب، في حالة من الخراب تذكر بأهوال القرن العشرين مثل Guernica or Dresden. الآلاف وربما عشرات الآلاف من السوريين تم اعتقالهم وتعذيبهم، وبعضهم عذب حتى الموت في زنزانات الأسد. وراء اللقطات السلسة للمقابلة في القصر الرئاسي، تتم التضحية ببلد بأكمله بشكل منهجي عديم الرحمة لأجل مصالح سلالة حكم الأسد. وراء ذلك قائد يشعر، أو يريد أن يبدو وكأنه يشعر، أن بإمكانه مناقشة السياسات الإقليمية مثل أي قائد إقليمي. هذا الانطباع إشكالي ومعيب.

إنه معيب لأن الأسد يكذب. على سبيل المثال، فيما يتعلق بأمور وُثقت كاستخدام البراميل المتفجرة، والتي تعد سلاحاً فعالاً للدمار والإفساد والمكرس لقتل وترويع المدنيين. ويعد إشكالياً لأنه يستمر بعرض مدى نقص فعالية السياسات التي تعتمدها أمريكا والغرب والحلفاء العرب في التحالف ضد "الدولة الإسلامية"، للقيام بأية خطوة من شأنها حل المعضلة.

لكن ما هو أسوأ من ذلك كله أن الأسد يظهر بامتياز سياسي؛ فبينما يركز التحالف المعادي لداعش على حالات القتل المروعة مثل التي حدثت للطيار الأردني معاذ الكساسبة، تترك الاستراتيجية العسكرية للتحالف الأسد يقوم بما يريد، لا يوجد ما يقف بوجه استهدافه للمناطق المدنية ولما تبقى من المعارضة المعتدلة، التي تستفيد حسبما يفترض من برامج التدريب الأمريكية التي تدار من قبل تركيا والأردن. إن تفادي الأسد لذكر عملية جنيف التي تهدف للتوصل إلى "انتقال سياسي" في سورية خلال مقابلته على الـ BBC يكشف أن هذه المحادثات انتهت، مثل الدعوات الغربية لتنحي الأسد. وأثناء ذلك، تقدم روسيا الواجهة الدبلوماسية عبر تنظيمها لجولات المحادثات التي لا تضم أفراداً بارزين من المعارضة السورية.

تستمر الولايات المتحدة بالمجادلة بأنها لن تعيد علاقاتها الطبيعية مع الأسد، ولن تتحالف معه ضد "داعش"، ولكن الانطباع الضمني يشي بأن قضية الأسد بأكملها أهملت، وكأن ذلك سيحقق نصراً أسرع على "داعش". يظهر ذاك السياق الجهد العسكري ضد "داعش" في سورية والعراق كأنه قتال ضد التطرف، إلا أن هذا التطرف كان قد غذاه الأسد متعمداً منذ البداية، وذلك عندما أفرج عن السجناء المجاهدين من سجونه، ومن ثم تفادى استهداف "داعش" في أماكن مثل الرقة، معقل "داعش" في الأراضي السورية. بإمكان الأسد أن يتنعم بزعمه القائل بأن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة يقدم لقواته معلومات منتظمة عن الغارات الجوية، من خلال طرف ثالث.

عندما بدأت المحنة في سورية، تفاعل الأسد معها بالإعلان عن أنه سيجر الشرق الأوسط بأكمله إلى حالة من الفوضى، وقد استمر بالقيام بذلك، وها هو ينجو بفعلته هذه. الجميع يعلم أنه لا يوجد، وقد لا يوجد أبداً، حل سهل، ولكن أن يضع المرء رأسه في الرمال ثم يأمل أن تجلب الحرب على "داعش" السلام لسورية فهذا هو الوهم. لن يساعد المدنيين السوريين افتقار الغرب لاستراتيجية واقعية واكتفائهم بتنفيذ الغارات الجوية على "داعش"، والسماح بإيصال المعلومات الحربية إلى نظام الأسد. لن يقتنع السنة الذين من المفترض أن يحشدهم التحالف ضد "داعش" بفعالية هذه الاستراتيجية إن كان يسمح للأسد، الذي تدعمه إيران وروسيا، بعرض نفسه كجزء من التحالف.

الأسد، وكما كان دوماً، جزءٌ من المشكلة، وليس من الحل.