ألم تكن فرقة اغتيال أجدى وأقل ثمناً؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

19 أبريل/نيسان 2019
العربي الجديد
المؤلف: 

يفتح منظر الطفلة الدمشقية المدمنة على المخدر، الباب أمام رياح السؤال عن ثورة السوريين وثوارها الذين استشهدوا، أو تعفنوا في سجون الأسد، أو ماتوا في البحار، ومن القهر في عواصم غريبة، لكنهم في النهاية، وأيا كانت المصائر التي انتهوا إليها، تركوا ما بقي من لحمهم في فم الضباع. تلك نتيجة، وهي تمثل الواقع الحقيقي، وما سواها ليس سوى أحلام، ويتّسع هامش النتائج، ليشمل ما تؤكده المنظمات الدولية عن وجود ثلاثة ملايين طفل سوري خارج المدرسة، وأن الجامعات والمدارس السورية تحولت إلى سوق لتجارة المخدرات التي يصنعها حزب الله في القصير، فضلاً عن إفقار السوريين عقودا مقبلة، وتبخر مدخراتهم وانمساح الطبقة الوسطى، وتغيير ديمغرافية المجتمع السوري مع تهجير الملايين.

هذه أفعال بكل تأكيد ارتكبها نظام الأسد، وهو مسؤولٌ بالكامل عنها. ولكن أليست هذه نتيجة مرغوبة بالنسبة له؟ إن لم يكن بغرض ضمان استمرار سلطته، فللانتقام من البيئات التي ثارت ضده. وهذه بنظره، ونظر مؤيديه، استراتيجية ردع رائعة. في المقابل، كيف كانت استراتيجية السوريين في مواجهته؟

في بداية عهد بشار الأسد، برزت ظاهرة المنتديات الفكرية، ذات الهدف السياسي. جمعت تلك المنتديات نخبة السوريين، من مثقفين وسجناء سياسيين ونشطاء يطمحون إلى التغيير. يومها أجرت تلك النخب مناقشات معمقة بشأن الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني والانتقال السياسي السلمي. ويومها انبهرنا بهذا النموذج الرائع، واعتبرناه تطوراً وقفزة نوعية للذهنية السياسية السورية التي يبدو أنها في بداية إطلاق استراتيجية ناجحة لتفكيك الاستبداد وتحقيق حلم الدولة العادلة والديمقراطية، عبر الهدم الناعم لأركان الاستبداد. ولكن لم يدم الأمر سوى شهور، وكان أغلب أعضاء تلك المنتديات في السجون، أو فارين من وجه مخابرات الأسد.

 

في بداية عام 2011، وبعد انطلاق الثورة، بهرتنا ديناميكتها وفعالياتها المتنوعة. يومها أيضاً تهامسنا بإعجاب أن الثورة أوجدت فكرةً ستدوّخ النظام وتستنزفه وتسقطه من الإعياء، فالثورة بلا رأس، والنظام لن يعرف من سيضرب. ولم تمض شهور، حتى بدأ النظام بضرب كل المناطق التي خرجت منها التظاهرات، بمختلف صنوف الأسلحة، بما فيها الصواريخ بعيدة المدى والقاذفات الإستراتيجية والأسلحة الكيميائية في عملية إبادة علنية!

تُرى، ألم يكن في وسع النخب، تلك التي اختبرت نظام الأسد، وعرفت بنيته وذهنيته وتركيبته، اختراع ما هو أكثر نفعا وجدوى من "ربيع دمشق" و"الثورة السورية"؟ ألا تبدو تلك اختراعات خائبة لمواجهة منظومةٍ كهذه؟ ومن اخترعها؟ السجناء السياسيون الذين أذلّهم النظام إلى أقصى درجة، المثقفون الذين كانوا يعرفون كل تفاصيل نظام الأسد وطرائق تفكيره، النشطاء الذين كانوا على علمٍ بالتعقيدات التي يواجهونها، لو أرادوا إقامة مجرد ندوة ثقافية عادية؟ ماذا كانت رهانات هؤلاء عشية الثورة؟ سيسقط بشار في بحر الدم الغزير الذي سيسفكه! أم أنهم اعتبروا الربيع العربي فرصةً لإسقاط بشار كما سقط زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر؟

لماذا لم يفهم السوريون السياق الخاص لبلدهم، تركيبة الحكم، علاقاته الاجتماعية، وعلاقاته الإقليمية، والاختلاف بينه وبين الأنظمة الأخرى التي أسقطها الثوار في تونس ومصر؟ لماذا لم يفهموا أن هذا النمط من الاعتراض ليس ملائماً ضد منظومة لصوص، لديها قاعدة اجتماعية، اصطفتها من جميع المكونات، تطابقها في وعيها وسلوكها، وتشكل مع بعضها واحدا من أشكال المافيا الرثّة التي يصعب معها قيام ثورة ضدها بالأدوات الحديثة، المظاهرات والاعتصامات وسواها من هذه التعبيرات!

الحقيقة المرّة التي اكتشفناها متأخرين أنه لم يكن يليق بنظام الأسد أن تقوم ثورة ضده، فهذا نظام مافيوي، من الصعب جلبه للتفاوض، والتفاوض بالنسبة له ليس خياراً وارداً، فليست لديه هوامش، يمكنه التنازل عنها، لإتمام أي عملية تفاوض مع المجتمع الثائر ضده، كما ليست لدى بيئته والفئات التي وقفت معه، مصالح مهمة تتفاوض من أجلها. استثمارها الحقيقي هو استمرار النظام، ورأسه بالتحديد، وسيعوضها بقاؤه عن كل خسائرها التي ستتكبدها في مواجهة الثورة.

لذلك، الحل الوحيد والممكن في مثل هذا الوضع المعقد كان إزاحة رأس النظام، إزاحة مادية، بمعنى قتله، فقط. كان هذا الحل سيجبر النظام وبيئته، على المساومة والتفاوض. كل السوريين يعرفون أن تأهيل رأس للنظام ليس أمرا سهلا، استغرق تأهيل باسل الأسد عقدا، وتأهيل بشار الأسد استمر سبع سنوات، وبذلت جهود وطاقات كبيرة، تفرّغت أغلب الأجهزة الأمنية لإتمام عملية التأهيل، ولولا الدعم الإقليمي والدولي الذي تلقاه لما استطاع إدارة الحكم في سورية.

لم تكن مهمة إزاحة بشار الأسد تستدعي ثورات ولا منتديات ومنابر، استهلك السوريون عقودا طويلة في تجريب طرق ووسائل للتخلص من أقسى نظام استبدادي. ضاعت حيوات آلاف الرجال والنساء في السجون، وانتهت سورية إلى كارثة لن تقوم لها قائمة منها عقودا طويلة، كانت فرقة اغتيال قادرة على إنجاز هذه المهمة بأرخص الأثمان.

اليوم، وحيث تداهمنا عشرات التقارير والصور عن الكارثة السورية التي تصفعنا صبح مساء، وتدمي قلوبنا، يثور السؤال الذي لا يرغب أحد بطرحه: ماذا فعلت الثورة؟ حرّكت عش الأفاعي ضد الناس، وتركتهم لمصائر مجهولة؟ ضربنا الأفعى على ذيلها، وتركنا الأطفال تحت رحمتها؟

كانت الثورة السورية عملا عظيما لشعبٍ عبّر من خلالها عن أشواقه للحرية، ورفضه العبودية، مئات آلاف الشباب قدّموا أنفسهم على مذبح الحرية بكل سخاء، لا ملامة، بل سيظل ذلك مصدر فخر وإلهام، لكننا نتحدث عن النتائج. كل غصة ألم لنا يعتبرها مؤيدو الأسد درسا كي لا نثور ضدهم لعقود. كان يجب إزاحته لوضعهم في مأزق مشابه لما نحن عليه اليوم، قضيتنا إزاحة بشار الأسد، قبل ذلك يستحيل أزمةً سوريةً طالما التوازن مفقود.

اليوم وغدا وفي كل لحظة، فرقة اغتيال تستطيع إنجاز المهمة أفضل بكثير، حينها، لن يستطيع النظام الحديث عن مؤامرة، إذ لن يعود ذلك مجدياً، ولن تستطيع روسيا وإيران الحديث عن تكفيريين، سيجدون أنفسهم أمام واقع مربك وسيكونون مجبرين على التفاوض والتنازل.