محللون اقتصاديون لـ"السورية.نت": هذه أبعاد و تفاصيل "مُبادرة الحيتان" لدعم الليرة السورية

رجال أعمال موالين للنظام في اجتماع لدعم الليرة في فندق شيراتون- المصدر: الصحفي الاقتصادي وائل الدغلي
الاثنين 30 سبتمبر / أيلول 2019

 

في قاعة كبيرة بفندق "الشيراتون" وسط العاصمة دمشق اجتمع ليل السبت 28 سبتمبر/أيلول الجاري، كبار رجال الأعمال السوريين، وهم "حيتان" المال والأعمال، في الاقتصاد السوري المتهالك بعد ثماني سنوات من الحرب. الاجتماع غير المُعلن عنه مُسبقاً، جاء بالتزامن مع تدهورٍ حاد وغير مسبوق، في سعر صرف الليرة السورية، وسط عجز من قبل "مصرف سوريا المركزي"، والذي بات عاجزاً عن التدخل، على خلفية فقدانه لكافة المقومات والأدوات التي من الممكن أن يستخدمها في هكذا ظروف.

الاجتماع جاء بشكل مفاجئ، وبعيد عن تغطية الإعلام الرسمي التابع لنظام الأسد، وقيل إنه لدعم الليرة السورية، وجاء بالتزامن أيضاً، مع حملة الفساد التي أعلنت عنها حكومة نظام الأسد في الأيام الماضية، واستهدفت كخطوة أولى وزير التربية السابق، هزوان الوز، والذي يجري الحديث عن حجز أمواله المنقولة وغير المنقولة، إلى جانب عدة شخصيات بينها رئيس الاتحاد الرياضي السابق، محمد فادي الدباس.

وفتحت مزاعم حكومة الأسد، عن بدء حملةٍ لمكافحة الفساد في سورية، مؤخراً، مع تطبيق الحجز الاحتياطي على أموال متنفذين في النظام، ورجال أعمال موالين له، باب التكهنات، حول حقيقة و سر توقيت تلك الحملة، وتنوعت التحليلات حول المسألة، إذ اعتبر محلّلون، بأن هدف نظام الأسد من "الحملة على الفساد"، إيصال رسالة لرجال الأعمال وأصحاب الثروات، بأنهم يجب أن يدفعوا كلفة ما خسره النظام من الموارد خلال السنوات الأخيرة، هذا فضلاً عن حاجة نظام الأسد إلى الأموال، في ظل الحديث عن شح القطع الأجنبي في البلاد، فيما لم يستبعد آخرون، أن ما يقوم به نظام الأسد من "حرب على الفساد"، ليس إلا "فقاعة إعلامية" يكررها النظام باستمرار.

وكان البنك الدولي، قد أصدر تقريراً في أبريل/نيسان 2016، قال فيه إن المصرف المركزي السوري، بدد الاحتياطي ليصل إلى 700 مليون دولار، بعدما كان في خزينته 17 مليار دولار عام 2011، وهو ما نفاه البنك المركزي السوري فيما بعد، واعتبر أنه "توجد قطيعة مع البنك الدولي وبالتالي فلا يتم تزويده بالمعلومات".

 تأثيرٌ في المدى القصير

من بين رجال الأعمال السوريين الذين حضروا اجتماع فندق "الشيراتون"؛ سامر فوز والمدرج اسمه على لوائح العقوبات الأمريكية، ورئيس مجلس إدارة غرفة تجارة ريف دمشق وسيم قطان، إضافةً إلى رجل الأعمال محمد حمشو، ورئيس غرفة صناعة دمشق سامر الدبس، إلى جانب شخصيات أخرى بينها براء قاطرجي.

وذكر موقع "الاقتصادي" المحلي في تقرير له، الأحد 29 سبتمبر/ أيلول الجاري، أن الاجتماع بين رجال الأعمال وغرف الصناعة والتجارة وحاكم مصرف سورية المركزي، حازم قرفول كان مغلقاً، وجاء كحملة لدعم الليرة السورية، وقال الموقع إن رجل الأعمال السوري سامر فوز أعلن في الاجتماع عن إيداع 10 ملايين دولار في صندوق الحملة، كدفعة أولى.

وقال الفوز للموقع، إن "الجميع سيدفعون لدعم الليرة السورية، ونتوقع تحسن سعر صرف الليرة قريباً، لكن نأمل من المركزي والفريق الاقتصادي في الحكومة مواكبة تدخلنا الإيجابي، ومنع إجازات الاستيراد للمنتجات المصنعة محلياً، لتخفيف الضغط على القطع الأجنبي".

وفي حديث لـ"السورية نت" يقول المحلل الاقتصادي الدكتور فراس شعبو، إن الاجتماع الذي تصدر اسمه "مبادرة دعم الليرة السورية" يمكن أن يؤثر على سعر صرف الليرة السورية، لكن لفترة معينة "لأن الاقتصاد السوري يعاني من خلخلة في الاستقرار وخلخلة في المكونات، كونه فقد المقومات الأساسية بينها النفط والغاز والموارد الزراعية والجمركية والضريبية والتي تشكل جوهر الحياة الاقتصادية".

ويضيف شعبو:"لذلك تأتي المبادرات كداعمة وإسعافية وليست علاجية، لذلك يمكن أن تؤثر بشكل مبدئي، لكن على الفترة المتوسطة أو القريبة سوف يعاود سعر الصرف إلى التدهور من جديد".

وكانت الليرة السورية قد شهدت في الأيام الماضية، هبوطاً قياسياً، في قيمتها أمام العملات الأجنبية، وسجلت سعر 691 ليرة أمام الدولار الأمريكي الواحد، حيث يعتبر أسوأ سعر لها منذ عام 2011.

وشهدت الليرة السورية منذ 2011 تراجعاتٍ مستمرةٍ بشكل تدريجي، تخللتها فتراتٌ قليلةٌ من التحسّن، سرعان ما تراجعت بعدها، لتبلغ ذروة انهيارها عام 2016، حين وصل سعر صرف الليرة مقابل الدولار إلى 645 ليرة.

وبحسب شعبو، فإن الغاية من المبادرة "الضغط على رجال الأعمال السوريين، لأن البنك المركزي فقد القدرة الكاملة على التدخل، وهذا يعطي مؤشر على أن رجال الأعمال السوريين يتدخلون لدعم الليرة السورية، وفي المقابل المصرف المركزي يقف عاجزاً".

ويوضح المحلل الاقتصادي أن "ما سبق يعتبر مؤشر على ضعف الاقتصاد السوري، والتدهور الحاصل لدى مكوناته، إلى جانب شلل المصرف المركزي، والذي يفتقد لأي أداة من أدواته، وبالتالي فإن رؤوس الأموال والميليشيات هي من تتلاعب وتتحكم بالليرة السورية".

حلٌ يسكن الألم فقط

عقب اجتماع رجال الأعمال السوريين، تحدثت مصادر موالية لنظام الأسد، على أنه من المتوقع أن يهبط سعر صرف الدولار مقابل الليرة بشكل جيد، وبحسب ما رصدت "السورية نت" اليوم على موقع "الليرة اليوم" بلغ سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأمريكي إلى 634 للمبيع و631 للشراء.

ويرى المحلل الاقتصادي، فراس شعبو، أن مبادرة رجال الأعمال "يمكن أن تُعطي ارتياحاً مؤقتاً، لكنها ليست حل علاجي ودائم، ويمكن إطلاق لقب عليها كَمُسَكن ألم، وقد تُساهم في تخفيض الليرة السورية قليلاً وتخفيف الاحتقان الشعبي، لكنها ليست علاج طويل الأمد قد يساهم في دعم واستقرار الليرة السورية".

ويشير شعبو إلى أن "المُشكلة أكبر من المبادرة"، فالمشكلة في هيكلية الاقتصاد والسطوة الأمنية والجبروت الأمني الموجه على الاقتصاد.

وربط المحلل الاقتصادي الاجتماع، بحملات الفساد التي تحدثت عنها حكومة نظام الأسد، في الأيام الماضية، ويعتقد أن الاجتماع "أكبر من مبادرة شخصية من قبل رجال الأعمال، ولو أنها كذلك لجاءت مع الأيام الأولى لتدهور الليرة السورية".

ويشير المحلل إلى أن رجال الأعمال الذين حضروا الاجتماع هم "بيادق وليسوا أصحاب نفوذ، وكانت حكومة الأسد قد أوهمت أنها تستطيع القبض على أي مسؤول إذا لم يساهم في دعم الليرة والاقتصاد"، لافتاً إلى أن "هكذا أنظمة تقوم على الفساد، الحديث عن محاربة الفساد أمر غير واقعي.. ما يتم الحديث عنه بمثابة زوبعة إعلامية".

مبالغ لا تَسدّ العجز

المبلغ الذي أُعلِن عنه عقب اجتماع "الشيراتون"، هو 10 ملايين دولار، و أعلن عنها رجل الأعمال سامر فوز، مؤكداً في حديثه لموقع "الاقتصادي" أن "الجميع سيدفع لدعم الليرة".

وفي ذات السياق السابق يرى المحلل الاقتصادي يونس الكريم، أن مبادرة رجال الأعمال السوريين "هي اسمية وإعلامية أكثر من حقيقية".

ويقول في حديث لـ"السورية نت" إن المبلغ الذي تم الحديث عنه (10 ملايين دولار) بسيط، مقارنة بحجم الأموال التي حصلها رجال الأعمال خلال السنوات الثلاثة الماضية، من ارتفاع سعر صرف الدولار، مشيراً إلى أن سامر فوز كان قد حصل على قروض من "بنك سوريا الإسلامي"، وأثر في سعر الصرف آنذاك، فيما استثمر رجل الأعمال وسيم القطان في عدة مجمعات تجارية(مولات)، وكان لدوره أثر كبير أيضاً في سعر الصرف.

ويضيف الكريم أن "الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها، أن سعر الصرف يحتاج لـ6 مليارات دولار لكي يستقر، ولا يتوفر منها سوى عشرات الملايين، لذلك في حال هبط السعر حالياً فإنه سيكون غير فعال".

وكانت "غرفة تجارة دمشق" قد أعلنت في 24 سبتمبر/ أيلول الجاري، عن الإجراءات التنفيذية لمبادرة قطاع الأعمال السوري، لدعم الليرة السورية، وبموجب المبادرة يجب أن يتم إيداع مبالغ نقدية بالدولار في حساب مبادرة قطاع الأعمال في المصرف التجاري السوري، على أن يتم سحب ما تم إيداعه بالليرة السورية، وفق وسطي سعر صرف فترة الإيداع، وفقا لما نشرته صحيفة "الوطن" السورية.

ونصت الإجراءات على أن يتم إيداع المبالغ النقدية بالدولار على دفعات، وفق القوائم المعتمدة، وضمن المدة التي يحددها "مصرف سوريا المركزي"، ويقوم مفوض "مصرف سوريا المركزي" بتحريك الحساب المفتوح بالدولار، كما يقوم "المصرف التجاري السوري" بتزويد "مصرف سوريا المركزي" بإشعارات الإيداع والسحب بشكل يومي أصولاً.

ويشير المحلل الاقتصادي، يونس الكريم، إلى نقطة أساسية في اجتماع "الشيراتون" وهي أنه جمع "أمراء الحرب" الحاليين مع "الحرس القديم" كأمثال محمد حمشو وسامر فوز ووسيم القطان، وهو أمر يدلل على حجم التخبط في الاقتصاد السوري، ما يدفع النظام لاتخاذ خطوات كثيرة.

ويقول المحلل الاقتصادي إن الهدف من الخطوة التي أقدم عليها رجال الأعمال السوريين، تأتي كمحاولة "لإيقاف تدهور سعر الصرف"، وبوجهة نظره "لا يوجد تدهور أكثر من ذك، لأن أمريكا لا تريد خسارة مؤسسات الدولة، وكذلك الاتحاد الأوروبي، وأكبر دليل على ذلك وصول شاحنات نفط إلى السواحل السورية، رغم العقوبات المفروضة".

ووفق الكريم فإن "سعر الصرف لن يؤثر فقط على الدخل والمعيشة بل على الموازنة القادمة، وبالتالي الناتج المحلي الإجمالي، الأمر الذي يقود إلى إيقاف الحياة الاقتصادية والدخول بحالة العجز بالمديونية".

المصدر: 
خاص: السورية نت