أمريكا وآل الأسد: مطرقة تارة… وسنديان غالبا!

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

26/9/2014
القدس العربي
المؤلف: 

«الممانعون» العرب، رهط مؤيدي النظام السوري، المؤمنين بتكامل «مؤامرة» أمريكية/ صهيونية/ سعودية/ قطرية/ تركية، تستهدف «صمود» سوريا، وتعمل على سلخها عن محور «الممانعة» و»المقاومة… هؤلاء وقعوا في حيص بيص، لا يُحسدون عليه في الواقع، وهم ينصتون إلى إعلام النظام الرسمي يزكّي الغارات الجوية والضربات الصاروخية التي نفذّها تحالف تقوده الولايات المتحدة، وتشارك فيه خمس دول عربية، بعضها عضو منتسب إلى تلك «المؤامرة» الكونية، دون سواها. حال، لا تقلّ إرباكاً لأولئك «الممانعين»، صنعتها فلسفة وليد المعلّم، وزير خارجية النظام، حول «سيادة وطنية» لا تُنتهك إذا بادر المنتهِك (هذا التحالف) إلى استئذان المنتهَك (نظام بشار الأسد)، فصال في الأجواء السورية وجال، على هواه؛ ما دامت الغارات «تسير في الطريق الصحيح»، حسب تعبير صحافة النظام!

ولكن، من جانب آخر، لقد أسمعتَ لو ناديت حيّاً! فلو أنّ دفقة واحدة من حياة، أو حياء، تبقت لدى هذا الرهط، المهلل طيلة ثلاث سنوات ونيف لقاتل أطفال، ولنظام لم يتورّع عن استخدام الأسلحة الفتاكة كافة، بما في ذلك الكيماوي منها؛ لابتلع أفراده ألسنتهم، في أقلّ تقدير، أو أقصاه ربما، إذْ هيهات للمرء أن ينتظر منهم مراجعة للذات إزاء هذا الركوع الخانع أمام اغتصاب «السيادة الوطنية»، فكيف بوقفة حقّ أو اعتراض أو احتجاج، من أيّ طراز. على العكس، كما كان متوقعاً، تزاحموا بالمناكب لابتكار المزيد من نظريات المؤامرة، من جانب أوّل؛ وتجميل الصورة القبيحة، من جانب ثانٍ، واعتبارها انتصاراً للنظام في وجه خصومه، وتنازلاً من هؤلاء… خاصة وأنّ البنتاغون، كما هزجوا، «أبلغ» النظام بتوقيت الغارات!

بمعزل عن هذا كله، تحفظ ذاكرة السوريين سجلاً حاشداً لانخراط نظام «الحركة التصحيحة»، الأب حافظ مثل وريثه بشار، في جولات خنوع من هذا النوع؛ كان هدفها الأوّل، والثاني والثالث والعاشر أيضاً، هو منجاة النظام وحفظ بقائه، برعاية واشنطن وحليفاتها، صغيرات وكبيرات، من إسرائيل إلى البحرين. وللتذكير المفيد، مجدداً ودائماً، فإنّ علم السياسة، في فصوله التي لا تُعلي على خدمة المصالح أيّ اعتبار، كان يجبر واشنطن على إبقاء وضعية الشدّ والجذب مع النظام السوري عند حدود منضبطة، لها أن تذهب أنّى تشاء في اللفظ والبلاغة، كما الحصار والحرد والإيحاء بالعزل والمقاطعة… ولكن ليس لها أن تجازف بصبّ أيّ زيت على نار متقدة، حتى وإنْ كان اتقادها تحت الرماد فقط.

فأيّ مصلحة لواشنطن ـ التي كانت تحتلّ العراق، وما تزال تحتل أفغانستان، وتواجه اليوم مضطرة حصاد ما زرعت من «صناعة جهادية»، وجبهات خصامها مع الشعوب وشتى الأعداء لا تتقلص بقدر ما تتسع… ـ في أن تسرّع بإسقاط نظام متداع متفكك متآكل، ينطوي بطء سقوطه على منافع عديدة، وقد يفضي العكس إلى عواقب نقيضة؟ وإذا جاز القول إنّ النظام السوري ليس صديقاً لأمريكا، على غرار الصداقات الكويتية أو السعودية أو المصرية مثلاً، فهل يجوز الاستطراد بأنّ النظام عدوّ لدود للولايات المتحدة؟ كلاّ، أجاب على الدوام عدد من دبلوماسيي أمريكا المخضرمين، ممّن امتلكوا بعض الحصافة في قراءة خرائط الشرق الأوسط، لا سيما طبائع الحاكم والحكم، والاجتماع والعقيدة، والاستبداد والفساد.

حجج هؤلاء لم تكن بحاجة إلى نقاش حامي الوطيس، فالسجلّ أوضح، كما أنه أغنى بالوقائع، من أن يحتمل الإنكار: على العكس، ساجل هؤلاء، نظام «الحركة التصحيحة» أحد أفضل الأنظمة التي حكمت سوريا من حيث خدمة المصالح العليا الأمريكية؛ منذ «اتفاقية سعسع»، 1974، التي أدخلت اتفاقية فصل القوّات وجعلت الجولان منطقة هدوء قصوى للاحتلال الإسرائيلي، وأمان مطلق للمستوطنين؛ وصولاً إلى التعاون الأمني الوثيق بين الأجهزة السورية والأمريكية، في ما تسمّيه واشنطن «الحرب على الإرهاب»، وآخر وقائعه نقلها سيمور هيرش نفسه، المتعاطف مع الأسد، في «نيويوركر»، مطلع 2010؛ دون نسيان الانخراط العسكري الرسمي في عداد الجيوش التي شكّلت تحالف «حفر الباطن»، قبيل انطلاق عمليات «درع الصحراء»، 1991.

ومنذ مطلع 2002، وكان في السنة الثانية من توريثه السلطة، استقبل الأسد الابن وفداً من مجلس الشيوخ الأمريكي، وتناول الحديث مفاعيل 11 أيلول (سبتمبر) التي كانت ساخنة وطازجة، وكذلك طرائق محاربة الإرهاب. ونقلت وسائل الإعلام الرسمية قول الأسد إنّ «في إمكان الولايات المتحدة الاستفادة من تجارب الدول التي حاربت الإرهاب بنجاح، وخاصة سوريا». صحيح أنه لم يخصّ «تجربة» مجزرة حماة بالذكر، ولكنّ شبح الواقعة ـ سيما وأنّ ذكراها العشرين كانت على الأبواب ـ لم يغب عن الأذهان، إلا عند مَنْ تقصد عن سابق عمد تغييب واحدة من أبشع جرائم الحرب والعقاب الجماعي والإرهاب.

والحال أنّ «وصفة» النظام في محاربة الإرهاب اعتمدت على إرهاب الدولة ضدّ المواطنين، وخارج حدود الوطن، بوتائر أشدّ هولاً وعنفاً ودموية من أيّ إرهاب فردي. وأدرجت خيار الاغتيال، وأنماط القمع المفتوح المباشر لأيّ وكلّ تظاهرة احتجاج أو معارضة، وانتهجت عسكرة الدولة في مختلف المستويات، وإلغاء السياسة عن طريق التنكيل والاعتقال والطرد من الوظيفة، أو تفريغ الأحزاب، أو إفقار المجتمع بحيث يكون البحث عن لقمة العيش هو الهاجس الوحيد، واللجوء إلى الترهيب تارة، والترغيب طوراً، والتمييز بين المواطنين على أسس طائفية ومناطقية، وإشاعة ثقافة الولاء والطاعة والوشاية…

وفي ربيع 2007 قامت نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النوّاب الأمريكي آنذاك، بزيارة إلى سوريا، كانت في الواقع تعطي إشارة على اختلاف الحزب الديمقراطي مع مقاربة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن، في «الضغط» على النظام، من جانب أوّل؛ ولكنها تشدّد، من جانب ثانٍ، على درجة عالية من الثبات في تبنّي المطالب ذاتها، بحذافيرها، التي يشترطها البيت الأبيض لتحسين العلاقة مع النظلم السوري. وحين حرصت بيلوسي على الاجتماع مع كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية، قبيل انطلاق طائرتها إلى الشرق الأوسط؛ كانت، على نحو ما، تستلم لائحة الرسائل الشفهية التي سوف تبلّغها، تماماً كما فعل وزير الخارجية الأسبق كولن باول ومساعده ريشارد أرميتاج غداة اجتياح العراق، وكما فعل أعضاء الكونغرس من زائري دمشق منذئذ.

والأمر الرئاسي رقم 13338، الذي وقّعه بوش في أيار (مايو) 2004 وقضى بوضع «قانون محاسبة سورية» قيد التنفيذ، كان ذروة سياسة «الضغط» تلك، وما اقترن بها من «حصار» شكلاني شمل حظر تصدير الذخائر والموادّ ذات الاستخدام المزدوج، ومنع الطيران السوري من حركة الهبوط أو الإقلاع في المطارات الأمريكية، فضلاً عن إنهاء التعاملات بين وزارة الخزانة الأمريكية والمصرف المركزي السوري. وأمّا الجانب السياسي لذلك الـ»حصار»، فقد تكفّل بتفريغه من مضمونه عدد من كبار النوّاب الأمريكيين (جمهوريين وديمقراطيين على حدّ سواء)، كلّما اقتضت المصلحة العامّة (للولايات المتحدة، ثمّ إسرائيل)، أو المصلحة الشخصية لهذا النائب أو ذاك (السناتور الديمقراطي بيل نلسون، مثل السناتور الجمهوري أرلن سبكتر، دون أن نغفل الإشارة إلى جون كيري… المرشح الرئاسي في حينه، وزير الخارجية الراهن).
سياسة تراوحت حصيلتها بين ما تطرقه المطرقة، تارة، وما يسنده السندان، غالباً؛ وسط ضجيج لفظي محض، لا يغيب البتة عن خطاب النظام، حول «الممانعة» و»المقاومة» و»الصمود» و»التصدي»؛ حتى حين ينخرط آل الأسد في مفاوضات مع إسرائيل، سرّية أو علنية، مباشرة أو برعاية وسيط؛ ورغم، وربما أيضاً بعون من، جعجعة «الممانعين» وصراخ سادة «المقاومة»!