أميركا تسلّم روسيا ملفّ شرق الفرات

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

صحيفة العرب
المؤلف: 

التوافقات الأميركية- الروسية، والأميركية- التركية، غير بعيدة عن شرط تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا، ومنعه من إقامة ممر بري من العراق إلى لبنان، يمر عبر الجزيرة السورية.
انسحبت أغلب القوات الأميركية من شرق الفرات، عقب اتفاق تهدئة مع الحكومة التركية لمدة خمسة أيام، لإيقاف العملية العسكرية التركية “نبع السلام” مؤقتا، والتي حققت هدفها في مرحلتها الأولى، بالسيطرة على المنطقة الواقعة بين رأس العين وتل أبيض.

بدت الهدنة، التي انتهت الثلاثاء الماضي، كما لو أنها مرحلة انتقالية متفق عليها، لتتسلم روسيا من الولايات الأميركية ملفّ التفاوض مع تركيا حول المنطقة الآمنة وانسحاب قوات سوريا الديمقراطية حتى عمق 32 كيلومترا؛ حيث زار الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، مدينة سوتشي الروسية في نفس موعد انتهاء الهدنة، وأكمل التفاوض مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بعد أن كانت حكومته قد بدأت فيه التفاوض مع الأميركيين.

ويبدو أن هناك توافقات روسية- أميركية لا يرغب الطرفان في إعلانها، بدت واضحة مع تجول الصحافيين الروس بحرية في القواعد الأميركية، وفي تكتيك الانسحاب الأميركي المنظم من شرق الفرات، وتسليمه للروس، وللنظام بآلية منظمة، بعد أن كان ممنوعا عليهما تجاوز نهر الفرات من قبل، وقد تعرضت قواتهما للقصف أكثر من مرة لدى محاولة ذلك.

تنصّ مذكرة التفاهم الروسية- التركية، الموقعة في سوتشي في 22 أكتوبر الحالي، على أن تتولى الشرطة العسكرية الروسية وحرس الحدود التابع للنظام، خلال مدة 150 ساعة تنتهي الثلاثاء القادم، مهمة مراقبة انسحاب الميليشيات الكردية من المنطقة الحدودية.

وبالفعل أعلنت وزارة الدفاع الروسية، الخميس الماضي، عن إرسال كتيبتين من الشرطة العسكرية الروسية، تضمّان 276 من رجال الشرطة، إضافة إلى 33 وحدة من المعدّات العسكرية، وذلك في غضون أسبوع إلى المنطقة.

أقرّت موسكو بإبقاء الوضع الراهن في منطقة عملية “نبع السلام”، أي بأحقية سيطرة أنقرة، والفصائل السورية التابعة لها، على منطقة بطول 120 كيلومترا، والواقعة بين رأس العين وتل أبيض، وبعمق 32 كيلومترا، وهو ما أنجزته تركيا في عشرة أيام من عمليتها العسكرية خلال الشهر الجاري، قبل أن توقفها الولايات المتحدة، بوضع حدود للتوغل التركي، وبالتلويح بالعقوبات الأميركية ردا على تجاوز تلك الحدود؛ وكذلك منعها انتشار جيش النظام برعاية روسية من التقدم في اتجاه مدن تل تمر وعين عيسى وصولا إلى منبج.

لكن الإقرار الروسي بسيطرة تركيا على منطقة “نبع السلام”، ذات الغالبية العربية لا يتضمن القبول بمخططها حول إعادة جزء من 3.6 مليون لاجئ سوري إليها، يقيمون في تركيا؛ فيما تريد تركيا أن تكون تلك المنطقة على غرار منطقتي درع الفرات وغصن الزيتون. بقيت مناطق عين العرب/ كوباني ومنبج شمال شرقي حلب تحت السيطرة الروسية؛ حيث اتخذت روسيا منطقة بطول 19 كيلومترا وعرض خمسة كيلومترات شمال غرب منبج لحماية المنطقة.

بذلك أعطت روسيا لتركيا جزءا صغيرا من مطالبها، فيما تركت الجزء المتعلق بإتمام انسحاب وحدات حماية الشعب الكردية من المدن الرئيسية من الشريط الحدودي مع كامل أسلحتها، مرهونا بتوافقات تركية مع النظام السوري، بوساطة روسية؛ وهنا على أنقرة أن تقبل بتطويع المعارضة التابعة لها، والانسحاب من جنوب إدلب، وقبولها الحل الروسي القائم على تمرير بقاء نظام الأسد في دمشق، عبر تسهيل أعمال اللجنة الدستورية في جنيف، والتي من المفترض أن تبحث في إصلاحات دستورية تمر عبر قبة البرلمان السوري.

انسحبت قوات سوريا الديمقراطية من ست نقاط بين الدرباسية وعامودا بريف الحسكة عند الشريط الحدودي مع تركيا، وتم طردها من المنطقة الواقعة بين رأس العين وتل أبيض من القوات التركية، والفصائل السورية الموالية لها، خلال عمليتها العسكرية، فيما تشترط لإتمام الانسحاب؛ الإبقاء على الإدارة الذاتية، وبقاءها في المدن الرئيسية، والإبقاء على سيطرتها على آبار النفط والمعابر التي تدر عليها تمويلا ذاتيا، وأن تنسحب لمسافة 10 كيلومترات بدلا من 32، وأن تكون مفاوضاتها مع النظام برعاية أممية، للاستفادة من التعاطف الدولي، خاصة الأوروبي، مع دورها في محاربة تنظيم داعش.

كان النظام السوري قد أبدى تساهلا، خلال المباحثات السابقة، في ما يتعلق بالإدارة الذاتية للأكراد، وإدارتها للمدن الرئيسية، لكنه يريد هو والروس استعادة السيطرة على الموارد النفطية، الأمر الذي حسمته الإدارة الأميركية، بإبقاء بعض الجنود لحماية آبار النفط من احتمال سيطرة تنظيم داعش عليها. ويبدو أن منع روسيا والحكومة السورية من الاستفادة من الموارد النفطية والغاز سيبقى ورقة ضغط بيد الولايات المتحدة، للحفاظ على فعالية العقوبات الاقتصادية على النظام السوري، وضمان انسحاب الميليشيات الإيرانية من سوريا، ولتظل واشنطن الشرطي المتحكم في توزيع الأدوار بالمنطقة، رغم انسحابها، ونيتها بالانكفاء.

ستستكمل المفاوضات المعقدة لتركيا حول المنطقة الآمنة مع كلا الطرفين، الروسي والأميركي، كل على حدة؛ حيث تقررت زيارة إردوغان إلى واشنطن في 13 نوفمبر القادم، للقاء ترامب. بالتأكيد التوافقات الأميركية- الروسية، والأميركية- التركية، غير بعيدة عن شرط تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا، ومنعه من إقامة ممر بري من العراق إلى لبنان، يمر عبر الجزيرة السورية.

تركيا ما زالت تحتفظ بعلاقات قوية مع إيران، وتساعدها في التحايل على العقوبات الأميركية، وتقدم لها تسهيلات اقتصادية واسعة، لكنها بدت منزعجة من معارضة طهران لعملية “نبع السلام”، حيث لوّح المسؤولون الأتراك بإمكانية التخلي عن دعمهم لإيران.

وفي توقيت المفاوضات الجارية لتقاسم النفوذ في شرق الفرات، يلوّح النظام بجاهزيته لإكمال العملية العسكرية في إدلب.

وتعتبر زيارة الأسد للهبيط، على بعد بضعة كيلومترات من مناطق سيطرة المعارضة، وبدء القصف المحدود في بعض المناطق، رسالة قوية من روسيا إلى تركيا، بأن عليها التساهل في موضوع الضغط على المعارضة، لتسليم مناطق جنوب الطريق الدولي؛ اللاذقية حلب للنظام، والضغط على المعارضة للقبول بالحلول السياسية الروسية، وفرضها على المجتمع الدولي، وتمرير مشاريع إعادة الإعمار، وعودة اللاجئين.

يبدو أن التوافقات الروسية- الأميركية، حول سوريا، تقر بأحقية روسيا بالنفوذ في سوريا، بشرط منع الميليشيات الإيرانية من التوغل، وتحجيم النفوذ التركي، وهي غير بعيدة عن المساعي والرغبات الإسرائيلية. فيما سيكون العرب، الذين أدانوا التدخل التركي، عبر جامعة الدول العربية، ويدعمون تظاهرات العشائر السورية في دير الزور ضد التدخل الإيراني، راضين عمّا ترتبه الدول العظمى لسوريا.

 

 

تعليقات