أميركا - داعش.. استراتيجية حرب أبدية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

8/12/2014
العربي الجديد
المؤلف: 

تخفي الإشارات، التي أطلقها المسؤولون الأميركيون، قبل وبعد شن التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية غاراته على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، في طياتها، دلالات كثيرة على ما يرمون إليه من إطالة حربهم في المنطقة. كذلك، عاد المسؤولون الأميركيون، وخصوصاً منهم وزير الدفاع الأسبق، ليون بانيتا، ورددوا تصريحات، رموا منها التأكيد على حرب طويلة ستبقى مستعرة في الشرق الأوسط، منطلقين في ذلك ومستندين، ليس على المعطيات المتوفرة بين أيديهم حول القدرات الهائلة التي يتمتع بها تنظيم داعش، وصعوبة دحره، بقدر استنادهم إلى استراتيجيتهم الجديدة التي وضعوها للعالم، في القرن الحادي والعشرين، والتي أطلقوا عليها: "مشروع عام 2000 للقرن الأميركي الجديد". المشروع الذي صاغه المحافظون الجدد، وشرع الرئيس الأميركي السابق، جورج بوش، في تنفيذ خططه عبر حربه على أفغانستان والعراق، بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، علاوة على حروب أخرى غير معلنة، تشنها الطائرات الأميركية بلا طيار على باكستان واليمن وغيرها.

يتلخص فحوى هذا المشروع في عقيدة الحرب الجديدة، المسماة "حرباً بلا حدود"، والتي ترمي إلى فرض الهيمنة الأميركية على العالم، عبر حروب متزامنة يخوضها الجيش الأميركي، في مناطق عديدة من العالم، وتحقيق نصر حاسم فيها، لدرء تهديدات يمكن أن تطال الولايات المتحدة والمجتمع الدولي. وطبعاً، تندرج جميع هذه الحروب تحت مسمى ومسعى مكافحة الإرهاب. لذلك، رأينا عدم إعارة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، أية التفاتة لمطالبات المعارضة السورية المتكررة له، منذ بدء دورة العنف في سورية، للتدخل ضد النظام السوري وضربه، أو حتى لفرض مناطق حظر جوي، أو حتى لتسليح الجيش السوري الحر. وقد يكون أحد أسباب امتناعه ذاك هو عدم مطابقة الأعمال التي يقوم بها الجيش السوري لمعاييره حول الإرهاب، الأمر الذي يمكن أن يعرضه لانتقادات لتدخله في ما يعتبره الغرب حرباً أهلية. حتى أن استخدام الكيماوي ضد المدنيين، واتهام النظام السوري بذلك، لم يستجلب هذا التدخل، على الرغم من انتهاكه الخط الأحمر الذي وضعه أوباما نفسه. فقد انتظر حتى نضجت الظروف، أو المبررات التي ساهم في إنضاجها ذبحُ تنظيم داعش الصحافي الأميركي، جيمس فولي، وحصول استياء داخلي وعالمي بسبب هذه الجريمة، وتبدي الإرهاب في أكمل صوره، وتناقل أخباره عبر جميع شاشات تلفزة العالم وجرائده. فأُعطيَ التدخل الأميركي صفة أخلاقية، ولم يتلقّ أية ردة فعل، أو معارضة تذكر، على عكس ما جرى لدى شن الحروب الأميركية السابقة على أفغانستان، في عام 2001، وعلى العراق، في عام 2003.

قد يقول قائل إنه ليس من مصلحة الولايات المتحدة إطالة الحرب على داعش. لكن، عدم كفاءة الضربات الجوية التي تشنها ضد التنظيم، وعدم تأثيرها على قوته وسرعة تحركه، لا بل إحرازه انتصارات في غير منطقة، تؤكد عدم جديتها، أو حتى عدم نيتها، القضاء عليه، في فترة قصيرة، وهو ما يؤكد سعيها إلى إطالة أمد الحرب، حيث أنها انطلاقاً من مشروعها، "مشروع عام 2000 للقرن الأميركي الجديد"، ربما تخطط لإقامة قواعد جديدة، تضاف إلى تلك الموجودة في غير مكان من المنطقة العربية، بهدف تحقيق أحد بنود المشروع، وهو تطوير شبكة قواعدها العاملة خلف البحار، لاستخدامها الاستخدام الأمثل في إطار عملياتها الحربية، وتعزيز شبكتها التجسسية على العالم أجمع.

إن استخدام الطائرات من دون طيار كأحد مقومات هذه الاستراتيجية أمر لا شك فيه. فعبر هذه الطائرات تخفض الولايات المتحدة من تكاليف حروبها إلى حد كبير، جراء انخفاض تكاليف تشغيلها، والتكلفة الضئيلة للصواريخ التي تحملها، مقارنة بتكلفة تشغيل الطائرات المقاتلة وصواريخها باهظة التكلفة. تضاف إلى هذا الأمر الفاعلية التي تتميز بها الطائرات من دون طيار، نظراً إلى دقة اختيارها أهدافها، بفضل قاعدة البيانات الضخمة المزودة بها، والتي تساعدها على التعرف على هدفها، وتحديده بدقة هائلة، سواء كان هذا الهدف عربة مقاتلة، أو قاعدة أو مبنى، أو حتى شخصاً راجلاً، أو راكباً. فهي تتعرف على الشخص من بصمة صوته، أو بصمه عينه، إن أجرى اتصالاً هاتفياً، أو نظر عالياً إلى السماء، حيث توجد الطائرة في المدى الذي ينظر إليه. وتملك الولايات المتحدة أسطولاً ضخماً من هذه الطائرات، تعدى الثمانية آلاف طائرة، منتشرة في جميع قواعدها حول العالم.

يستغرب المرء أن هذه الاستراتيجية استمرت موضع التنفيذ في عهد الرئيس الأميركي الحالي، أوباما، الذي ركب على حلم التغيير، الشعار الذي رفعه في طريقه إلى البيت الأبيض. لكن عهده، وعلى العكس، كان استكمالاً لما شرع به الرئيس السابق، جورج بوش، في شن الحروب على ما أسموه الإرهاب، مع فارق واحد أن أوباما استغرق به الأمر، بعد تسلمه منصبه في البيت الأبيض سنة 2009، أسابيعَ قليلة فحسب، لشن حرب غير معلنة على الشعب الباكستاني، حين أوعز للجيش الباكستاني القيام بعمليات عسكرية ضد "طالبان" في شمال وزيرستان. وهو ما استكمله في غارات الطائرات الأميركية من دون طيار على هذه المنطقة، وعلى منطقة بلوشستان، الغارات التي لا تزال تُشن حتى هذا اليوم حاصدة أرواح أبرياء كثيرين. في حين استغرق الأمر ببوش ما يقارب العام قبل شن حربه على أفغانستان في عام 2001.

كائناً من كان المقصود من الهجمات الأميركية على اليمن أو الصومال أو باكستان، أو حالياً العراق وسورية، إلا أن الملاحظ أن هذه الهجمات توقع ضحايا كثيرين بين المدنيين. وعلى عكس ما تتطلع إليه الإدارة الأميركية من محاربة الإرهاب والتطرف، فإن هذه الحرب، غالباً، ما تستطيل سنوات لا يعرف لها حد، وتستجلب مزيداً من التطرف بين سكان المجتمعات المستهدفة، وتجعل الولايات المتحدة ودولاً كثيرة على قائمة المنظمات والأشخاص المستهدفين.