أميركا والدور السعودي بعد عاصفة الحزم

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

15/4/2015
العربي الجديد

بعد توصل دول مجموعة 5 +1، وأبرزها الولايات المتحدة، مع إيران، إلى اتفاقية إطار حول المشروع النووي الإيراني، طالب الرئيس الأميركي، باراك أوباما، في مقابلةٍ صحافية، أجراها معه الصحافي توماس فريدمان، العرب باستبدال الخوف من إيران، وبأن يقفوا ضد جرائم بشار الأسد، ووجّه كلامه لدول الخليج، خصوصاً، بأن أكبر تحد لهم هو الداخل. وتضمنت لغة أوباما رسائل غامضة ومتناقضة، ثم خرج نائب مستشار الأمن القومي، بن رودس، في تصريحات مليئة بالثناء والتطمينات، تناقض بعض ما قاله أوباما. وتالياً، قال وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، إن الولايات المتحدة تتابع بقلق إمدادات إيران عبر الطائرات إلى اليمن، وأضاف "لا نريد مواجهة، ولكن لن نقف مكتوفي الأيدي، عندما تهدد إيران أمن المنطقة واستقرارها".

في هذه الأثناء، كانت السعودية قد صممت على القيام بعملية عاصفة الحزم العسكرية، بعدما استخدمت قوتها الناعمة في انتزاع موافقة الولايات المتحدة على هذه العملية، من دون أن تعرف الأخيرة بتفاصيل دقيقة عديدة. وقبل أن تبدأ بترتيبات "عاصفة الحزم"، كانت الرياض قد درست الواقع الجيوستراتيجي المحيط بها بدقة، واعتبرت أن هناك عدة أعمدة في المنطقة، جميعها مهمة، لأنها لا تريد تمحوراً واستقطاباً، في المرحلة الجديدة التي عبرت إليها السعودية، والبعيدة عن المرحلة السابقة التي تلت ثورات الربيع العربي، وهذه الأعمدة هي دول الخليج ومصر وتركيا وباكستان وبقية الدول العربية المهمة، خصوصا المغرب والأردن والسودان.

بدأت السعودية، قبل عاصفة الحزم، بترتيب البيت الخليجي، خصوصا أن ورقة الإخوان المسلمين قسمت دول الخليج، فقد دعمت الإمارات مصر في مواجهة ما اعتبرته خطراً إخوانياً، بينما اتخذت قطر موقفاً مغايراً. أما السعودية فاعتبرت أن "الإخوان" ليسوا جميعهم في كفة واحدة، وهناك فقط مجموعة صغيرة تبايع المرشد، مثل الجماعة الشيعية التي تؤمن بولاية الفقيه، هؤلاء هم أعداء للوطنية، وإذا حملوا السلاح وانضموا للمليشيات، فهم مقاتلون يجب قتالهم. ولم تتخلّ السعودية عن مواقفها الاستراتيجية تجاه مصر. وأقنعت قطر والإمارات بتجاوز الخلاف بشأن قضية الإخوان المسلمين، من أجل التعامل مع بقية القوى الإقليمية في المنطقة، وهي قوى مهمة، ثم أقدمت السعودية على قيادة عملية عاصفة الحزم التي تنافست دول على الانضمام إلى تحالفها، فأعلنت تركيا وباكستان ومصر الدفاع عن أمن السعودية، وعن أمن دول الخليج، ولم تود الولايات المتحدة التخلف عن هذا الدفاع، بل سارعت إلى دعمه، بتقديم الذخيرة والأسلحة المطلوبة لعاصفة الحزم، مع تأكيد أوباما بقوله "سنقف بجانب أصدقائنا العرب عندما يصل الأمر إلى العدوان الخارجي".

وقد استبقت عاصفة الحزم انعقاد القمة العربية في توقيت دقيق، حتى أنها استطاعت فرض عاصفة الحزم على القمة، وأفرغت القمة من محتواها، وتولت السعودية قيادة تحالف عربي إقليمي إسلامي، أي أنها تحررت من أن تكون أسيرة محاور أو تحالفات مستقبلياً، ليست هي من صاغتها، وقد فرضت السعودية عاصفة الحزم على القمة، حتى لا يدور الجدل حولها بين العرب المنقسمين بين عدد من المحاور. وأثبتت السعودية، ومعها دول الخليج، أنها القوة الوليدة القادمة، خصوصا وأنها ثالث دولة في الموازنة العسكرية، بعد الولايات المتحدة بـ 581 مليار دولار، والصين بـ 130 مليار دولار، ثم تأتي السعودية بـ81 مليار دولار. ولذلك، لن تسمح السعودية لأي دولة بابتزازها أو ابتزاز دول الخليج الأخرى، بعدما نجحت في تنسيق مواقف دول الخليج تجاه أي قضية أو تجاه أي دعم يتم تقديمه، ولم يتبق لدول الخليج سوى إعلان اتحادها الذي يعزز من قدرته الجيواستراتيجية والجيوسياسية.

كما أن عاصفة الحزم استبقت، أيضاً، توقيع اتفاقية الإطار حول المشروع النووي الإيراني مع الدول الست، بل وساهمت في إنجاز تحقيق هذه الاتفاقية، بعدما فرضت واقعا إقليميا تمنع فيه إيران من التوسع الإقليمي، وفي الوقت نفسه، إرسال رسالة لإيران بأن مصير المليشيات التي تدعمها إيران في المنطقة، إن حذت حذو الحوثي المدعوم إيرانيا، سيكون مثل مصير الحوثيين. وستتجه السعودية إلى تقوية الجيوش لمواجهة هذه المليشيات التي تشرف عليها إيران، مثل دعم الجيش اللبناني بأربعة مليارات ونصف مليار دولار، الذي يمنع احتكار حزب الله القوة في لبنان، بذريعة محور المقاومة، وكذلك دعم تشكيل جيش عراقي، يمنع هيمنة المليشيات المدعومة إيرانيا على المشهد العراقي.

وبالعودة إلى مقابلة أوباما والرسائل المبهمة والمتناقضة فيها، قد تكون إحدى الرسائل تخوف الولايات المتحدة من زيادة الدور السعودي، بعد تشكيله تحالفاً ممتداً من أواسط آسيا من أذربيجان وأفغانستان وباكستان وتركيا ومصر والمغرب والأردن، ودول الخليج الشريك الأساسي في عاصفة الحزم عدا سلطنة عمان، وكانت رسالة أوباما أن التحديات الداخلية أكثر خطرا من إيران.

بعدما ضمن أوباما وضع اسمه في سجل التاريخ، بأنه توصل إلى اتفاق نووي يساهم في استقرار المنطقة، كما فعل الرئيس الأسبق، ريتشارد نيكسون، عندما انفتح على الصين، وتوصل بوش الأب مع الاتحاد السوفييتي إلى إنهاء الحرب الباردة، الأمر الذي أدى إلى تفكك الاتحاد السوفييتي. بعد ضمانه هذا الأمر، من الطبيعي أن يثني أوباما في لقائه على إيران، لكن مشكلته في تبرير أفعال إيران، كما أن كيري أوضح أن الولايات المتحدة قلقة لما يحدث في اليمن، وهي تراقب إمدادات آتية من إيران إلى هذا البلد، غير أنها لا تريد مواجهة، لكنها ستقف مع الدول المهددة من إيران.

في الوقت نفسه، قد يحض أوباما العرب على الانتقال إلى المرحلة الثانية، وهي التخلص من بشار الأسد، قد تكون رسالة مهمة جداً لترتيب أوراق المنطقة تجاه الاستقرار، وهذا لا يمكن أن ينتهي، إلا إذا دخلت السعودية، ومعها دول الخليج وتركيا في عاصفة حزم ثانية في سورية، وهما دولتان ترفضان أن يبقى الأسد في أي مرحلة انتقالية، خصوصا بعدما تمكنت السعودية من إضعاف تنسيق روسي مصري يدعم حلاً سياسياً في سورية، يتضمن بقاء الأسد في المرحلة الانتقالية.

وقد شهدت المنطقة زيارات مكوكية متلاحقة، منها زيارة ولي ولي العهد وزير الداخلية السعودي، محمد بن نايف، تركيا قبل أن يتوجه أردوغان إلى طهران، بعد أن دعم عاصفة الحزم، وطالب طهران بوقف التمدد في المنطقة العربية، وزيارة وزير الدفاع المصري باكستان، ولقاؤه رئيس الأركان العماني في طريقه، إلى جانب لقاءت عديدة. وقد فرض هذا الحراك الدبلوماسي على إيران أن تجدد طلبها للحوار مع الرياض حول اليمن بوساطة عمانية، فيما ترى الرياض أن اليمن شأن خليجي، لا دخل لإيران فيه.

ويمكن القول إنه بدأ، مع عاصفة الحزم التي تقودها السعودية، مسار سياسي عربي وإقليمي وإسلامي بالتشكل، يصعب رسم صورته النهائية حالياً، أو التكهن بحجم هذه التحالفات التي يمكن أن ترسو عليها. وقد تمكنت السعودية من تشكيل فضاء سياسي يمتد من تخوم آسيا الوسطى، أي يلامس الجغرافيا السياسية للمجال الحيوي الروسي، باعتباره مجالا حيويا إسلاميا أيضاً، حتى المحيط الأطلسي في المغرب، ومضيق باب المندب في الجنوب، من أجل الوقوف بوجه سياسة التوسع الإيرانية ومحاصرتها، ووقف اختراقات موسكو في المنطقة العربية، من أجل ملء الفراغ، بعد التراجع الأميركي في المنطقة، واختلاف أولويات أوباما.