أميركا ومن يدفع فواتير الحرب

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

1/10/2014
العربي الجديد

يقف العالم على حافة الجنون، لا أحد ينتظر أحداً، الكل في سباق محموم نحو الحرب ومتعلقاتها، هذا أوان الجد. وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) تقول إن الحرب، هذه المرة، سوف تطول أكثر من ثلاث سنوات. الزمن يتوقف عند بوابة البيت الأبيض، والمحللون وضيوف قنوات الأخبار يطيلون المدة إلى عشر، إلى خمس عشرة، أو خمسين سنة. تكلفة الحرب تقدر بمئات ملايين الدولارات يومياً. وقدّر المسؤول السابق لموازنات الأمن القومي، جوردون آدم، التكاليف بـ 16 مليار دولار سنوياً.... الاستثمار عالٍ، والربح غير مضمون!

إنها الحرب العالمية الثالثة، ميدانها الأساس بلاد العرب من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر، أربعون دولة وأكثر تشارك في الحرب على داعش، بقيادة أميركية. العرب يشتركون فيها بطائراتهم وآلاف من جنودهم، وتستقبل شعوبهم أكبر كمية من الضربات الجوية، لكن هذا ليس مهماً، فعدد مواطني الدول العربية يقترب من 400 مليون، أكثر من نصفهم لا تتوفر له مقومات الحياة الأساسية، وربما تبدو الحروب فرصة سانحة لإنقاص عددهم إلى حد تسمح به مواردهم، ليعيشوا بكفاية!

معادلات دولية انقلبت رأسا على عقب. هذه المرة لم يطلب الأميركيون الحرب، الدول العربية طلبت النجدة، تريث أوباما قبل اتخاذ قراره. قبل شهور، كان مستشاروه يعتبرون "التنظيمات الجهادية" تنظيمات صديقة ما دامت تعمل على تقويض "الأنظمة المارقة" والمصالح الإيرانية في العراق وسورية. لكن، عندما اقتربت النار من عاصمة العراق الشمالية، أربيل، التي تستضيف أكبر مركز استخباراتي أميركي في المنطقة، تحرك أوباما، ثم انتفض، بعد قطع داعش رأسي صحفيين أميركيين. لسنا وحدنا في هذا الرأي، الخبير الاستراتيجي الأميركي براهما تشيلاني قال ذلك أيضا، وخلص، ونحن معه، إلى أن الحرب سوف تتحول إلى حرب دائمة، وربما تؤدي إلى ظهور تنظيماتٍ أكثر تشدداً على مستوى العالم.

إنها "الغطرسة الأميركية"، بحسب تشيلاني التي تجعل الأميركيين لا يرون أبعد من أرنبات أنوفهم، ويرفضون الاعتراف بأنهم كانوا سبباً في ظهور مثل هذه التيارات الهجينة، وهم لا يوفرون الحماية في المنطقة لغير آبار النفط وإسرائيل، وفي كل حروبهم السابقة واللاحقة يركضون وراء هذا الهدف.

هل يتذكر الحكام العرب كيف تخلى الأميركيون عن شرطيّهم، شاه إيران، عندما شعروا بأن صلاحيته انتهت، وأحجموا عن مساعدة حسني مبارك، عندما أدركوا أن ساعته أزفت، وأرغموا نوري المالكي على التنازل عن عرشه، عندما قرروا تغيير قواعد اللعبة؟

ولأن العرب لا يقرأون، فقد انضموا تحت عباءة باراك أوباما، من دون أن يقدموا شروطاً، أو يطلبوا ثمناً. قال بريجينسكي، يوماً، "مشكلة العرب أنهم يقدمون خدماتهم لنا من دون أن يطلبوا مقابلاً عنها". إنه الكرم العربي الحاتمي. أما إيران فقد كانت أكثر حنكة ودهاءً، فقد ألقت شعار "الشيطان الأكبر" جانباً، لتعلن أنها مستعدة للمشاركة في التحالف الدولي ضد داعش، بشرط أن يضمن لها الغرب الحصول على بطاقة الدخول إلى النادي النووي، وإسرائيل تجد نفسها في مقدمة المستفيدين من الحرب، من دون أن تطلق رصاصة، والروس يقدمون رجلاً، ويؤخرون أخرى، ويكتفون بطلب الأمان لأصدقائهم في المنطقة.
 
أما المواطنون العرب العاديون، وهم أول ضحايا حروبٍ كهذه، فقد شرعوا يسألون عن شروط اللجوء والهجرة إلى بلاد الله، للفرار من الجحيم، وهم يقضون لياليهم ونهاراتهم يندبون حظوظهم العاثرة، ويمارسون أحلام اليقظة. يتذكر العراقيون صدام حسين "نعم كان ديكتاتورا، لكنه لو كان على رأس السلطة اليوم لما تجرأت داعش أن تحفر بأقدامها على أرض الموصل".

والسوريون سقطوا في "نوستالجيا" ديمقراطية الخمسينيات التي وأدت تطورها سلطة العسكر، والمصريون يذكرون عبد الناصر بالخير، وقد اخترعوا صورة السيسي، لكن الصورة لا يمكن أن تكون كالأصل، والخليجيون يضعون أيديهم على قلوبهم، فهذا زمن النذالات التي لم يألفوها من قبل، واليمنيون يراقبون أقدارهم، بعدما طال سفر العرب، من دون أن يبلغوا صنعاء، فتقدم الإيرانيون لملء الفراغ من دون استئذان من أحد!

هكذا تبدو الخارطة مشوشة، كما أرادها الأميركيون، وقد دخلوا، ومجلس الأمن وراءهم، في حربٍ قد تلد حروباً أخرى، والتكلفة سوف تكون أكبر وأكبر. لكن، من سيتحمل دفع الفواتير. زلماي خليل زاد، رجل أميركا في أفغانستان والعراق، قال بعد إسقاط صدام حسين والتمدد الايراني إلى قلب بغداد "كان علينا أن نرسل فواتير الحرب إلى طهران لتدفعها". هذه المرة يتعين على الأميركيين إرسال فواتير الحرب إلى داعش.