أوشفيتز في مخيم اليرموك… وسيناء

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

3/2/2015
القدس العربي

في الأسبوع الماضي، أحيا العالم الذكرى السبعين لتحرير معسكر أوشفيتز النازي الذي أصبح رمزاً للمستوى الذي يمكن أن تنحط إليه إنسانية الإنسان في التعامل مع إخوته في الإنسانية. لم تكن كبيرة أوشفيتز أنه كان مسرحاً لعمليات القتل الممنهج للمدنيين فقط، حيث شهد مقتل أكثر من مليون شخص، 90% منهم من اليهود. ولكن ما جعله يعيش في الذاكرة باعتباره أكبر فظائع العصر كان السادية التي طبعت كل ما يجري فيه، دون تفريق بين طفل وعجوز، أو بين رجل وامرأة. كان الإنسان يجرد من إنسانيته تماماً حتى قبل أن يصل إلى المعسكر، بدءاً بترحيل الضحايا إلى المعسكر في قطارات خصصت للسوائم، يكدسون فيها تكديساً بدون طعام أو شراب أو مرافق صحية، فكان هذا وحده يكفي لأن يموت العشرات في الطريق. وعند الوصول، يتم تفريق الأسر، وفرز المرضى والضعفاء لإرسالهم رأساً إلى أفران الغاز، وهي بدعة منكرة في القتل الجماعي. أما الآخرون، فيسامون سوء العذاب في السخرة وغيرها، حتى يحين موعد القضاء عليهم. ولم يكن يقدم لهم إلا أقل القليل من الطعام، فضلاً عن خطر القتل العشوائي في أي وقت.

وما زال مصدر العجب منذ ذلك الحين قدرة طائفة من بني الإنسان على ممارسة كل هذه السادية، وهو سؤال ظل يؤرق كل صاحب ضمير كلما تكررت هذه الفظائع، كما في رواندا، حيث قتل عدد يقرب من ضحايا أوشفيتز، ولكن في مائة يوم فقط وليس في ثلاثة أعوام، وباستخدام وسائل بدائية مثل الفؤوس والسواطير والعصى. وكان المرء يقتل جاره أو صديقه، وأحياناً أقرباءه، حتى الأطفال الرضع. ثم يعود إلى بيته في آخر النهار لينعم بحضن أسرته! وتكررت مشاهد مماثلة في يوغسلافيا والهند والعراق ودارفور، وغيرها كثير. فكيف يتحول أناس عاديون بين عشية وضحاها إلى وحوش تفتك بالأبرياء بدون تمييز؟

حاولت ومجموعة من الزملاء الباحثين الإجابة على هذا السؤال في كتاب أشرفت على تحريره وصدر الشهر الماضي عن دار بلومسبري في نيويورك. وملخص النظرية التي اعتمدت لتفسير هذا الفقدان المفاجىء للإنسانية هو أن مرتكبي الفظائع يكونون في حال ارتكابها في قبضة كوابيس تهاجمهم فيه الوحوش من كل جانب، ولا خلاص منه إلا بالقضاء على تلك الوحوش. ويأتي هذا نتيجة لتداول روايات كابوسية حول خطر الآخرين: اليهود يحكمون العالم ويسعون لتدمير الأمة الألمانية؛ التوتسي يريدون استعباد الهوتو إلى الأبد؛ المسلمون يجتاحون أوروبا (والهند)؛ الشيعة في العراق وإيران بصدد اجتياح السنة العرب واستئصال شأفتهم؛ السنة كلهم تكفيريون وسيمحقون الشيعة أو يعيدون حكم صدام في العراق، إلخ.

وقد كانت الذكرى السبعون لتحرير أوشفيتز مناسبة للتأمل، واستقاء العبر، وإعادة طرح السؤال عن تكرار مثل هذه الفظائع رغم العظات المتواترة. ولأن الشهر الماضي صادف عملية «شارلي إيبدو» الإرهابية في باريس واستمرار تمدد داعش وأخواتها في العالم العربي وافريقيا، فقد ركز شطر كبير من خطاب التذكر نحو هذا «الخطر» الجديد. وليس هناك شك في أن بشاعات الإرهابيين الجدد في داعش وبوكو حرام وغيرهما من جماعات الخوارج قد شوهت صورة الإسلام في عيون الكثيرين وكرست الخوف من المسلمين، وهو إثم عظيم يضاف إلى آثام هذه الجماعات المارقة. ولكن إذا كانت نظريتنا صحيحة، فإن «روايات الخوف والتخويف» من الإسلام هي الخطر الذي ينبغي الانتباه إليه، لأنه هو الأقرب إلى إعادة انتاج النازية ومخازيها. فالجماعات الداعشية هي فئات مارقة ومطاردة لن تلبث أن تندثر. ولكن أساطير التخويف هي التي تمهد لكبيرة الإبادة.

لا ينبغي أن تنسينا عبر التاريخ الواقع الماثل أمام أعيننا. فكما ذكرنا صاحب مدونة على موقع منظمة «أمنستي انترناشيونال» في كانون الثاني/يناير من العام الماضي، فإن ماضي أوشفيتز يعيش حياً بيننا في معسكر اليرموك في قلب دمشق. يكفي تأمل تلك الصورة الصادمة لاصطفاف سكان المخيم على مد البصر وسط خرائب المعسكر في انتظار عطايا المحسنين من طعام حرمهم منه حصار خانق دام أشهراً. وكانت صور الهياكل العظمية لأطفال وشيوخ هدهم أو أهلكهم الجوع قد ملأت الساحات، والعالم يتفرج كأن الأمر لا يهمه.
عندما احتدم الجدل حول أوشفيتز وبقية معسكرات الإبادة في ألمانيا وحولها، اعتذر الكثيرون بالجهل، رغم أن بعض من نجا من قبضة النازية استصرخوا العالم من أجل الضحايا. ومهما يكن فإن العالم كله كان قد توحد من أجل إسقاط النظام النازي. أما اليوم فلا عذر لمن يدعي جهلا بما يحدث في اليرموك وبقية معسكرات النازيين الجدد في دمشق وما حولها، لأن تلك الجرائم ثابتة بالصوت والصورة، حتى لو تغافلنا عن المعسكرات الحقيقية وراء الستار الحديدي في سجون النظام ومعتقلاته، والتي سينكشف من أمرها عقب الاجتياح الحتمي ما ينسي أوشفيتز وبركناو وغيرهما من مخازي النازيين القدامى.

ولأن النظام السوري لا يخيب الآمال، فقد اختار شهر سبعينية أوشفيتز لكي يقطع الماء عن مخيم اليرموك، وذلك في وقت اشتكت فيه المنظمات الدولية من أن من بقي في المخيم، وهم ثمانية عشر ألف نفس (حوالي عشر العدد الأصلي قبل الهجمة الأسدية على المعسكر)، بالكاد يحصلون على خمس احتياجاتهم من الطعام، ودائماً بشق الأنفس. هذا مع أنه حتى في أوشفيتز كان السجناء ينالون حصتهم القليلة من الغذاء بانتظام، وهو ما لا يسمح به نازيو دمشق، رغم أنهم لا يقدمونه هم.

اليرموك ليس إلا لقطة محدودة من صورة اكبر في سوريا وما حولها فاق فيها الإجرام كل الحدود. الفرق أن من تولى كبر جرائم الإبادة في ألمانيا النازية فئة محدودة من القوات الخاصة وكبار قادة النظام النازي، في حين كانت المعلومات خافية حتى على كثير من أنصار النظام، بل والضحايا قبل وصولهم إلى المعسكرات. أما اليوم، فإن الشركاء في الجريمة بالفعل والاستحسان، أو بالصمت والإنكار المتواطىء، أو بمجرد التجاهل، هم جل سكان العالم ومعظم العرب إلا من رحم ربك. ولو طبق عليهم حكم أصحاب السبت في نجاة من ينهون عن السوء وإهلاك الباقين، لما بقي على ظهر الكرة الأرضية إلا القليل. 

وكنا قد اسلفنا أن مرتكبي الفظائع يأتون ما أتوا وهم في غيبوبة تحت سطوة أوهام دون كيشوتية بأن عدوانهم على الأبرياء هو تخليص العالم من وحوش تعشش في خيالهم المريض. ونضيف هنا أمرين: أولهما إن كوابيسهم غالباً ما تتحقق من حيث لا يحتسبون. فقد حاق بصرب يوغسلافيا ونازيي ألمانيا وهوتو رواندا ما هو أسوأ مما تخيلوه في أبشع كوابيسهم. وثانيهما إن التعبير عن هذه الكوابيس ينبغي أن يطلق صفارة الإنذار حول قرب وقوع جرائم الإبادة الجماعية. وفي هذا الإطار، فإن تصريحات الرئيس المصري خلال اليوم الماضيين بعيد الهجمات الإرهابية في سيناء بأن مصر تواجه أخطر منظمة في التاريخ، وإعطاؤه الضوء الأخضر لمن يريد أن ينتقم من هذا العدو المبين الخفي، يشير إلى أن مصر التي لم تعد محروسة على حافة كارثة أوشفيتزية ستسير بخبرها الركبان. ولا نريد أن نسمع في المستقبل من يدعي أن الإنذار لم يبلغه. ألا هل بلغنا؟