أية فوارق (أخلاقية؟) بين جلاد إسرائيلي وآخر عربي؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

04/ 08/ 2014
القدس العربي
المؤلف: 

بدلاً من مسلسل الثورات التي وعد بها الربيعُ العربي شعوبَه المظلومة، يتتابع مسلسل الكوارث الوطنية ليشكل كارثة قومية كبرى تنقضّ على المصير العام لأمة كاملة. هذه ليست نهاية للحرية التي تُقتل قبل أن تولد، بل هي إعلان حرب مجنونة يكاد يقتتل فيها الجميع ضد الجميع. واسرائيل صارت من هذه الجميع. كانت هي المدرسة الأولى لتربية ثقافة العنف بأوحش وأردأ خواصه ومظاهره، ثم أصبح آخرون عديدون من خريجي دوراتها المتوالية. والأنكى من هذا كله أن بعض هؤلاء الخريجين غدوا سريعاً أساتذة جدداً لجلاديها. فما الفرق اليوم بين فظائع يرتكبها طغاة الشام والعراق وليبيا والسودان وأقطار أخرى محكومة بالقمع الدموي الأخرس، وبين ملفات أحدث المهالك الإسرائيلية الراهنة في غزة الشهيدة الحية.

ألم يبدع جلادو سورية الأفظع والأوحش في موسوعة الإبادات الجماعية للبشر والحجر، ألم يشرّعوا اغتصاب أعراض النساء، وحتى الرجال. ويقطّعوا أوصال الأطفال وهم في أحضان أمهاتهم. ألم يستنفدوا أحدث أدوات القتل والحرق والتعذيب، حتى ينشروا الغازات السامة. ألم يمارسوا الأمسَ واليومَ مخططاتٍ التدمير للبيوت الآمنة، ثم لأحياء كاملة ، ثم لقرى وبلدات وحتى لمدن وصروح قائمة منذ بدابة التاريخ.. ثلاث سنوات مظلمة لم يكُفّ جلادو دمشق خلالها عن استعراض موسوعة الوحشيات البشرية، والتباهي في تشخيصها يومياً صفحة بعد أخرى، وتحت سمع وبصر العالم كله المذهول والمدهوش، والمشلول عن كل حراك إنساني تعرفه قوانينه الدولية.

لكن يظل فارق كبير وهائل بين كل من مدرسة اسرائيل للتعذيب والإبادة، وبين (مدارس) العرب. فالطغاة الصهاينة لا يقتلون شعوبهم بل يبرعون في تدمير الشعوب الأخرى الفلسطينية والعربية. أما جلادو العرب فلهم تفوقهم وتميّزُهم عن سفاحي الصهاينة، فهم يقتلون مواطنيهم بالنيابة عن أنفسهم، عن الصهاينة،وعن كل أعداء العرب ماضياً وحاضراً. هؤلاء تخطوا أساليب القمع التاريخية، استنفدوا كلَّ فعاليتها. واندفعوا إلى المرحلة العليا، التي صُنفت مستحيلة، حتى في عصور الهمجيات، لكنهم جعلوها ممكنة الى درجة الوقائع العادية؛ فجاءت تطبيقاً لمبدأ جهنمي يأمر باجتثاث الجماعات البشرية من جذورها، بتدمير مجتمعاتها كاملة، بمحْق بشرها. بمحْو معالمها، بإسقاط سقوف بيوتها على رؤوس أطفالها ونسائها.

(مدرسة) الفظائع السورية غير المسبوقة رائدة لحملة الإبادة الصهيونية الجديدة على غزة؛ فلم تكن تتجرأ الوحشية الإسرائيلية على استعراض شجاعتها عالمياً وإعلامياً في اصطياد أطفال الساحل الغزاوي، ومن ثم في دفن العائلات تحت حطام بيوتهم.. لم تكن لترفض كل تحذير من قصف مدارس (الأونروا) التي التجأ إليها ألوف مؤلفة من الجماهير المسالمة، لم تكن لتهزأ من شرعة الأمم ومن أجهزتها ومؤسساتها، من بيانات المسؤولين عن حقوق الإنسان فيها وحتى من تهديدها بمطالبة العالم محاسبة المرتكبين لأصناف (جريمة الحرب).

لم يكن قادة العدوان ليقفزوا فوق كل الخطوط الحمراء الدولية والإنسانية لولم تسبقهم المدرسة الإبادية العربية الى ابتكار وتعميم أعلى نماذج التفنن في التفظيع الهمجي، منصبةً بكل إرادة وتصميم على كرامة إنسان الوطن ولحمه وعظمه.
يسأل الأوربيون عمن صنع الإرهاب، عمن يأتي به وينشره، عمن يجعله أحدث عقيدة كاد يقترفها الكلُ ضد الكل في عالم عربي متفجر. كأنهم يتجاهلون المصنع الأول للإرهاب ومهندسيه وتجّاره، رُوادّه ومشرّعيه وحُماتِه منذ سبعة أو ثمانية عقود. فقد ولد الإرهاب وسط العالم العربي يوم ولدت اسرائيل من رحم العدوان والاغتصاب والاحتيال والعربدة. وتعلم من تجاربها رواد الديكتاتوريات العربية، ثم تحولت إلى تأسيس مدارس ومذاهب حاملة لأسماء زعمائها. اسرائيل جعلت الإرهاب من عاديات السياسة اليومية في المنطقة. تتلمذ أقطاب مركّب الإستبداد/الفساد على أيديها، ثم أصبح بعض زعمائه مؤسسين لمدارس إبادية خاصة بعبقرياتهم الدموية غير المسبوقة. فأهوال الجولة الأخيرة للإرهاب الإسرائيلي في غزة تطرح نماذجها كتنويع متسلسل من سابقاتها العربية. وخاصة منها تلك المقتلة السورية المستديمة منذ أربع سنوات. حتى يمكن القول أن محنة غزة قد تتوقف ولو لالتقاط النفس، بين الجلادين والضحايا معاً، لكن المَهْلكة السورية مستمرة، لن تنعم حتى بمهلة أيام بل ساعات.. إذا ما حُظيت غزة بهدنة ما، فهل ستكون مقدمة لحالة سلم ما، مع أنه لن يكون هناك نصر حاسم لأحد من الطرفين؛ فالمعتدي الإسرائيلي لن يكون خارجاً بأية حلول جذرية من أهدافه المعلنة أو المضمرة، بل سيكرّ عائداً إلى معسكراته بخفيّ حنين.

هذه المحصلة البائسة يقررها منذ الآن مختلف المراقبين المختصين اسرائيليين أو دوليين. وأما على الصعيد الفلسطيني فالمتفائلون يصرون على اعتبار خسارة اسرائيل لأهداف عدوانها بمثابة انتصار لغزة، ولحركة «حماس» تحديداً. فقد نجحت خطة الصمود التي قادتها هذه الحركة في الوقت الذي ذهبت فيه جهود الوحشية الإسرائيلية عبثاً في هزم المدينة الباسلة، ولكنها تفوقت في تظهير فظاعاتها؛ ما أثار رأياً عالمياً، أخيراً، بعد أن كان محايداً أو متجاهلاً. ثم أيقظته من خموله فظائعُ الإرهاب الإسرائيلي الفاضحة كما ادعى. ما أمكن القول أن إسرائيل وقعت هذه المرة فيما هو أسوأ من الهزيمة العسكرية، ليست هي الهزيمة الأخلاقية التي اعتاد العالم على عدم الاكتراث بأمثالها، ولكن اسرائيل ارتكبت ما يُصطلح عليه بصنف حرب الفضيحة التقنية ، إذ برهنت عن جهلها بقوة عدوها الجديدة، وبالتالي باءت كلَّ خططها الهجومية بالعجز التكتيكي بحيث حتّم هذا العجزُ ضياعَ بوصلة الإستراتيجية القائدة لسيرورة الحرب كلياً.

هل يمكن لغزة التمسك بالهدنة لتحويلها إلى مرحلة سلم؛ شعبها محتاج إليها لأسباب حياتية صرفة. كما أن العقل السياسي العام يحبذها كيما يُتاح لقادة الرأي والقرار مراجعة موضوعية وهادئة لدروس الحرب وأهوالها، واستخلاص نتائجها الإيجابية. فالأيام التالية على كل هدنة ستفتح ساحات كثيرة لصولات الدبلوماسية. والعدو سيضاعف جهوده في ميدانها تعويضاً عن خيبات ميادين القتال. وهنا لن تخوض إسرائيل وحدها معارك الكر والفر في التفاوض وأحابيله. سيكون أكثر من نصف قوى العالم الرئيسية إلى جانبها. أما غزة فلن تكون كذلك وحيدة إذا ما تابعت مسيرة العودة الخالصة إلى حضن الأم. إلى فلسطين ككل. فالمطلوب الضروري تاريخياً في اللحظة الراهنة هو وحدةُ الرأي السياسي لكل فلسطين.. إنه أم القوى التي ركّزت الصهيونية جوهَر جهودها دائماً على الغدر بوجودها. وعدوائُها الأخير كان سببه المباشر منعَ المصالحة بين شطري فلسطين. ما يثبت أن وحدة فلسطين هدف مركزي يسبق هدف إزالة الاحتلال. وبدون هذا الأول لن يأتي الثاني أبداً.

تخريبُ هذه العلاقة البنيوية بين تحقق الكيان المتكامل لفلسطين العربية وبين إنهاء الاحتلال، بل تحرير فلسطين كاملة من الاغتصاب الاسرائيلي والدولي، كان هو المحور الرئيسي لمسلسل كل الحروب والكوارث التالية على سقوط الوطن السليب وإقامة اسرائيل. والمعركة الغزاوية الأخيرة، هي الأولى في نوعها الخارجة عن قوانين هذا المسلسل المشؤوم. هي القفزة الفريدة مافوق حتميته القديمة المسيطرة؛ لكن لن يتاح لهذه القفزة الشروُع في إنتاج تاريخها الخاص القادم إلا تحت هالة تحرير فلسطين ليس كشعار فحسب، بل كحقائق يومية واقعية، مستمِدةً قوتَها من ينبوع المقاومة الراهنة، فريدة نوعها الذكي الواعي الذي قاد صمود غزة المدينة، كيما يتطور مستقبلاً إلى كيان دولة (كل) فلسطين.. هذا وعد، نكرر القول، كونه لم يعد أملاً مستحيلاً.