إجراءات يطبقها نظام الأسد لتقييد سفر الشباب.. لماذا يجبرهم على التجنيد رغم هدوء المعارك؟

النظام اتخذ قرارات عدة للحد من سفر السوريين إلى الخارج
الثلاثاء 23 أكتوبر / تشرين الأول 2018

بات تقييد حركة من تبقى من الشباب في سوريا، سياسة ممنهجة وواضحة المعالم من قبل نظام بشار الأسد، الذي أصدر سلسلة من القرارات تهدف لمنع مغادرة الشباب دون علم النظام، وذلك لتسهيل مهمة القبض عليهم عندما تقتضي الضرورة، وزجهم عنوة في صفوف قواته التي لا يزال القتال معها يُقابل بإحجام من الشباب السوريين.

وفي الوقت الذي يبدأ فيه الشاب الذي يعيش في سوريا بالتفكير في إمكانية مغادرة بلده، سيجد نفسه عالقاً بين أوراق وأذونات، بدونها لن تطأ قدمه حدود الأراضي اللبنانية، التي تُعد الجهة الوحيدة والأخيرة للسوريين الراغبين في السفر.

صدمة للشباب

وفي بداية سبتمبر/ أيلول الماضي صدم نظام الأسد الشباب في سوريا، بقرار طبقّه دون سابق إنذار، فرض بموجبه ضرورة حصولهم على ورقة "إذن سفر" من شعب التجنيد، وهي أحد أكثر الأمكنة التي يخشى الشباب التوجه إليها في سوريا.

ويطلب القرار من كل سوري يتراوح عمره بين الـ17 و42 عاماً، الحصول على الورقة من شعبة التجنيد، وإلا فإن المركز الحدودي التابع للنظام لن يسمح لعدم حاملي الورقة بالعبور إلى لبنان ومغادرة الأراضي السورية.

إلغاء تأجيل آلاف الشباب

ولم يكن قرار النظام بشأن "إذن السفر" أقل وطأة من قرار أصدره في أبريل/ نيسان 2017، وتضمن إيقاف تأجيل كافة طلاب تأهيل التربوي من غير حملة الإجازة التخصصية التربوية، وثانيها إلغاء تأجيل كافة المكلفين المؤجلين سابقاً من حملة الشهادات غير التخصصية، واعتبارهم جاهزين للسوق.

وتضمن التعميم سوق حاملي الشهادات الجامعية نظام الأربع سنوات كصف ضابط مجندين، إذا كان الدبلوم لا يتناسب مع الإجازة الجامعية الأساسية، إضافة إلى شطب الشهادات الحاصل عليها المكلف في دبلوم التأهيل التربوي من سجلاتهم ومن الحاسب، وذلك لكل مكلف يحمل إجازة غير تخصصية.

وبقراره هذا منع النظام الآلاف من الشباب السوريين من النجاة والخروج من بلدهم تجنباً للقتال في صفوفه، إذ لم يُمنح حملة هذه التأجيلات أية مهلة تمكنهم من السفر، نظراً لكون الشاب الذي يتراوح عمره بين 17 و42 لا يمكن له المغادرة دون موافقة شعبة التجنيد.

وأحد الحلول التي لجأ إليها هؤلاء الطلاب، هو ما تحدث عنه الطالب الجامعي محمد في تصريح لـ"السورية نت"، حيث قال إنه "لا يجد سوى بديل واحد للابتعاد عن جحيم التجنيد، وذلك عبر التسجيل ضمن الماجستير في أحد الجامعات اللبنانية، وبذلك يستطيع الحصول على ورقة تمكنه من التأجيل، ثم السفر بعدها".

خوف من الكليات

وفي قطاع التعليم، اتخذ النظام إجرائين أحدهما أُعلن عنه بشكل واضح لتقييد حركة الشباب، الأول عبر بيانات نشرتها كليات جامعة دمشق، أعلنت فيها أنها ستوجه عقوبة الإنذار المسجل، للمتغيبين عن المراقبات الامتحانية والدوام في الجامعة، وأرادت بذلك إرغام الطلاب المؤجلين على عدم السفر من بلدهم.

وتضمن البيانات تهديداً واضحاً حين قالت: "توجه عقوبة الإنذار المسجل لكل من تغيب عن جلسات المراقبة الامتحانية، وسترسل القوائم الإسمية بالمتغيبين إلى رئاسة الجامعة وشعب التجنيد بسبب الغياب المتكرر"، وأشار البيان إلى أن كل من تغيب عن الدوام يعتبر مستنكف عن الدراسة، وسيخاطب شعب التجنيد بهذا الشأن بالنسبة للشباب".

أما الإجراء الثاني، فهو تصعيب مهمة النجاح على الطلاب في موادهم الدراسية، وهذا يشكل خطراً على المستنفزين، لأن النظام ألغى مؤخراً إجراء دورات التكميلي، وبالتالي فإن هؤلاء لا خيار أمامهم سوى البقاء في سوريا انتظاراً لتجنيدهم الإلزامي.

كما اشترط النظام مؤخراً ضرورة تأدية "الخدمة الإلزامية" للذين يريدون التقدم إلى الوظائف الحكومية.

لماذا يريد النظام المزيد من الشباب؟

واللافت أن الإصرار الزائد من النظام على محاصرة حركة الشباب السوري، يأتي في الوقت الذي هدأت فيه المعارك بسوريا، واستعاد النظام بمساعدة حلفائه، مساحات واسعة كانت تحت سيطرة قوات المعارضة.

وفسّر الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، أيمن دسوقي، الإجراءات التي اتخذها النظام، بقوله في تصريح لـ"السورية نت"، إن النظام حتى الآن لا يشعر بالطمأنينة والاستقرار رغم هدوء المعارك في سوريا، لأن احتمالاتها ما تزال قائمة".

 ورأى أن هدف النظام من زج أكبر عدد ممكن من الشباب في صفوف قواته، هو استغلال فترة الهدوء العسكري في سوريا، لترميم مؤسسته العسكرية المتهالكة وتقويتها ما استطاع، وذلك بعدما تعرضت لاستنزاف كبير خلال السنوات السبع الماضية، وأداته في ذلك التجنيد، وزيادة قوات الاحتياط.

ويريد النظام أيضاً وفقاً للباحث دسوقي أن يخرج من دائرة حصار حلفائه للقرارات العسكرية التي ينوي اتخاذها، وأوضح ذلك بقوله، إن تجنيد النظام للشباب، سيجعله أقل اعتماداً على حلفائه، وسيخرج من تحت رحمة الميليشيات التي يعتمد عليها، إذا ما قرر في المرحلة المقبلة فتح مواجهات جديدة.

كما يهدف النظام من وراء إجبار الشباب على الانضمام لصفوفه، إلى تقوية وجوده في المناطق التي سيطر عليها مؤخراً، مثل جنوب سوريا، أو ريف دمشق، حيث يفتقد النظام للعنصر البشري الكافي للإدارتين الأمنية والعسكرية في هذه المناطق، بينما تستغل إيران ذلك لتوسيع انتشارها تحت مسميات جديدة وتقوم بتجنيد الأهالي ضمن صفوفها.

استياء من القرارات

وجملة القرارات التي اتخذها الأسد لتقييد حركة الشباب، أثارت غضب الموالين للنظام والمعارضين له على حد سواء، فليس المناهضون للأسد وحدهم من يرفض القتال في صفوفه، كما ليسوا وحدهم يرغبون في مغادرة سوريا.

وفي تصريح لـ"السورية نت"، قال مصدر محلي من مدينة طرطوس - طالباً عدم الكشف عن اسمه - إن الموالين للنظام منزعجين من قرارات التجنيد، وقال إن الحاضنة الشعبية للنظام في هذه المنطقة تخشى من اندلاع معركة إدلب، لأنها تشعر بأنها استُنزفت وأن هذه المعركة ستكون بمثابة محرقة لشبابها.

وأضاف المصدر أن ما يقلق حاضنة النظام هو احتفاظه الطويل بالمقاتلين الذي يجندهم في صفوفه، وسط غياب أي أفق لتسريح المقاتلين الذين احتفظ النظام بهم لسنوات بعد انتهاء مهلة الخدمة الإلزامية.

ووفق المصدر نفسه وهو على اتصال بعائلات مؤيدة للنظام، فإنه يكاد لا يخلو بيت من الموالين للأسد، من مفقود، أو جريح جراء المعارك، أو مُحتفظ به من قبل جيش النظام، ما يؤشر إلى حالة الاستنزاف البشري الذي تعرضت له الحاضنة الشعبية للنظام في منطقة الساحل.

شائعات لامتصاص الغضب

وبينما يركز النظام اهتمامه على عدم خسارة الشباب بغية تجنيدهم في صفوفه، فإنه في المقابل يدفع بنشر شائعات الهدف منها امتصاص غضب الشارع السوري، لا سيما الحاضنة الشعبية للنظام.

وفي بداية الأسبوع الجاري، تداولت صفحات موالية للنظام شائعة عن أن النظام ينوي شطب قوائم الاحتياط، حيث يُقدر عدد السوريين المطلوبين للاحتياط بـ 800 ألف شخص، إلا أن هذا الأمر نفاه مسؤول بالنظام، اليوم الثلاثاء، وفقاً لما ذكرته مواقع مؤيدة للأسد.

وقال مصدر ثانٍ لـ"السورية نت" في منطقة يسيطر عليها النظام - طالباً عدم ذكر اسمه خوفاً على سلامته - إن الحاضنة الشعبية للنظام تشعر بأنها مسحوقة، سواء من ناحية وضعها الاقتصادي السيء، أو بسبب القرارات التي يصدرها النظام، بما فيها المتعلقة بالتجنيد.

وأشار إلى أن الشائعات من قبيل إيقاف الاحتياط أو تحديد مدة الخدمة العسكرية، لا تهدف إلا لامتصاص النقمة الشعبية، ومنح نوع من الطمأنينة للسوريين.

ومن جانبه، قال الباحث دسوقي لـ"السورية نت"، تعليقاً على هذه الشائعات، إنه يسبتعد في المدى المنظور أن يُسرح النظام قوات الاحتياط، أو يشطب أسماء المطلوبين، إلا في محافظة السويداء وضمن اتفاق محلي لمعالجة ملف "المتخلفين" عن الخدمة العسكرية، كما استبعد أن يُحدد النظام مدة الخدمة العسكرية بدلاً من جعلها مفتوحة الزمن.

وأشار دسوقي أيضاً إلى أنه حتى في حال أصدر النظام قراراً بتسريح الاحتياط، أو شطب أسماء المطلوبين، فإنه قادر بأي لحظة على استدعائهم مجدداً، وقد يتخذ حينها حجة "التعبئة العامة" تنفيذاً لذلك.

وختم حديثه بالقول، إن النظام عادة ما يلجأ للشائعات قبل إصداره للقرارات الهامة، فمثلاً "العفو العام" الذي أصدره الأسد مؤخراً عن المنشقين والمتخلفين عن "الخدمة الإلزامية" تم الحديث عنه منذ الشهر الثالث الماضي.

وأيضاً فيما يتعلق بزيادة الرواتب، كثيراً ما كان النظام يلقي الشائعات حولها لجس النبض قبل أن يحولها إلى قرار، مضيفاً: "النظام لا يأخذ قراراته إلا بعد أن يستشعر بأن ردود الفعل مواتية لذلك، وحينها يصدر قراراه، الذي يستهدف من ورائه تخفيف حدة السخط".

اقرأ أيضاً: أسماء الأسد وسرطان الثدي.. لماذا يتعمد النظام نشر صورها لإظهار مراحل مرضها؟

المصدر: 
خاص - السورية نت