إردوغان والأسد: حسابات خاطئة وتقديرات غير صحيحة!

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

25/8/2016
الشرق الأوسط
المؤلف: 

من غير المستبعد، لا بل المؤكد، أن الرئيس رجب طيب إردوغان، بحكم اهتماماته الرئيسية، وبحكم انخراطه في العمل السياسي مبكرًا، يعرف أن الرئيس سليمان ديميريل، عندما زار دمشق في عام 1993، سأل حافظ الأسد: «لماذا تدعمون التمرد الكردي الذي يقتل كثيرًا من أبناء تركيا؟».
وكان جواب حافظ الأسد: «إننا لا نعرف عن هذا الشخص شيئًا، ويبدو أنَّ هذه المعلومات مصدرها جهات معادية لسوريا بسبب مواقفها القومية وتوجهاتها التقدمية»، وكان رد ديميريل: «إننا متأكدون من معلوماتنا، وهذا هو رقم هاتف أوجلان، وهذا عنوان بيته في دمشق».

لكن حافظ الأسد أصر على ما قاله، وذلك مع أن حزب العمال الكردستاني - التركي (بي كا كا) كان يشارك في حكم سوريا في تلك الفترة من عقد تسعينات القرن الماضي بصلاحيات من الرئيس السوري السابق نفسه، وفقًا لتاجر السلاح مروان زركي الذي توفي في عام 2010، والذي كان يتولى ترتيب شؤون أوجلان، وكانت تربطه علاقات تعاون مع قدري جميل الذي احتل لاحقًا منصب رئيس الوزراء السوري، ويحسب الآن على المعارضة السورية!!

لقد كان حزب العمال الكردستاني - التركي، الذي تأسس في عام 1978 بمبادرة من المخابرات السوفياتية (كي جي بي) والمخابرات السورية كما يقال، قد أصبح قوة تعدادها أكثر من عشرة آلاف مقاتل، ولها معسكرات تدريب في منطقة البقاع اللبناني المسيطر عليها سوريًا، وهذا بالإضافة إلى قواعدها على الحدود السورية – التركية، ولها أيضًا قسمٌ في سجن «عذرا» السوري كانت تخصصه للمناوئين لهذا الحزب ولزعيمه.
كان أوجلان في تلك الفترة قد أصبح شخصية مرموقة، وكان يستقبل في بهو (صالون) بيته في دمشق، الذي كانت تزين جداره الرئيسي صورة كبيرة لحافظ الأسد وهو باللباس العسكري، الكثير من القيادات الكردية من تركيا والعراق وإيران، وبالطبع من سوريا، كما كان يستقبل السفراء المعتمدين في العاصمة السورية، وكل هذا بالإضافة إلى بعض القيادات الفلسطينية، وبعض قيادات «حركات التحرر» العربية وغير العربية، وكان أيضًا دائم الحركة بين دمشق وبيروت وموسكو، وبين هذه العواصم وبعض العواصم الغربية.

وهكذا، فإن سليمان ديميريل لم يجد بُدًا، بعدما سمع من حافظ الأسد ما سمعه خلال زيارة دمشق الآنفة الذكر في عام 1993، وما بقي يسمعه بعدها، من أن يوجه إنذارًا قاطعًا مانعًا، خلال افتتاح إحدى دورات البرلمان التركي في عام 1998، بأنه إن لم يسلِّم نظام دمشق عبد الله أوجلان إلى تركيا، فإن أنقرة ستكون مضطرة للدفاع عن نفسها. وهنا، فإن ما أعطى هذه الرسالة التي وجهها الرئيس التركي الأسبق إلى الرئيس السوري السابق بُعدًا تهديديًا هو حشد قوات تركية كبيرة على الحدود بين البلدين.

وحقيقة أن الأمور لم تقف عند حدّ هذا الاستنفار العسكري، بل تعدته إلى تهديد حازم باجتياح سوريا أبلغه ديميريل إلى العاهل الأردني الراحل الحسين بن طلال، وإلى الرئيس المصري حسني مبارك، فما كان من حافظ الأسد إلا أن أذعن واستجاب لهذا التهديد، وبادر إلى طرد أوجلان من دمشق في عام 1998، حيث تم إلقاء القبض عليه في العاصمة الكينية نيروبي في عام 1999، وجرى نقله إلى إسطنبول، وحُوكم بتهمة الخيانة العظمى، وصدر بحقه حكم بالإعدام، تحول لاحقًا إلى السجن المؤبد في سجن «إمرالي».

والمهم أن ما يجب أن يتوقف عنده الرئيس رجب طيب إردوغان، ورئيس وزرائه بن علي يلدريم، مليًا وهما يطلقان هذه التصريحات التي تطفح تفاؤلاً إزاء كلِّ هذه المستجدات بين تركيا ونظام بشار الأسد، التي هي مجرد انعكاس تلقائي للمصالحة التركية – الروسية، التي يمكن تشبيهها بما يسمى بـ«زواج المتعة»، هو أنَّ أوجلان كان قد أطلق تصريحًا، عندما كان يعيش في دمشق، قال فيه: «إن كردستان سوريا هي الأخ الأصغر الذي يجب عليه التضحية في سبيل الأخ الأكبر، إذ إن الأولوية في عملية تحرير كردستان هي للقسم التركي الذي سيحرر بدوره الأقسام الأخرى تلقائيًا».

وحقيقة أن هذا يشكل ردًا من المفترض أن يكون حاسمًا على رئيس الوزراء بن علي يلدريم، الذي في غمرة كل هذه التطورات أطلق تصريحًا تحدث فيه عن أنَّ «سوريا فهمت أن الأكراد يشكلون تهديدًا لها». واللافت أن هذا التصريح قد جاء بعد الغارات الجوية الروسية على الحسكة، مما يعني أن كل هذا التاريخ القريب ربما غاب عن الـ«آركاداش» يلدريم غيابًا كاملاً، وأنه لم تخطر بباله ألاعيب الأمم قبل أن يطلق هذا التصريح.
كان على يلدريم قبل أن يطلق هذا التصريح أن يعرف أن غارات طائرات بشار الأسد على الحسكة هي مجرد وصلة في مسرحية طويلة كانت قد بدأت مع بداية ثورة الشعب السوري، وأن رئيس ما يسمى حزب الاتحاد الديمقراطي صالح مسلم هو حليف قديم لهذا النظام، وأن حربه مع «داعش» كانت هي أيضًا مجرد مسرحية لتمرير لعبة كَوْنه ذراع نظام دمشق في الساحة الدولية، والواضح أنه نجح في هذه اللعبة القذرة، والدليل أن الأميركيين، إما لغبائهم أو لتآمرهم، قد اخترعوا حكاية «سوريا الديمقراطية» هذه، وقد اختاروه زعيمًا لهذه الـ«سوريا الديمقراطية».

ثم إنه كان على يلدريم قبل أن يذهب بخياله بعيدًا، ويقول إن «سوريا قد فهمت أن الأكراد يشكلون تهديدًا لها»، وهو يقصد صالح مسلم وجماعته وحزبه، أن يتذكر أن مجموعة القياديين الذين برزوا في الواجهة بالنسبة لحزب العمال الكردستاني – التركي، بعد اعتقال عبد الله أوجلان، قد تخلوا عنه، وانحازوا في تحالف معلن مع بشار الأسد، وأنهم استنادًا إلى هذا الانحياز قد رفضوا أي علاقة مع المعارضة السورية (المعتدلة)، كما أنهم رفضوا التعاون مع الأحزاب الكردية المنضوية في إطار هذه المعارضة، ورفضوا أيضًا أي علاقة مع الزعيم الكردي الكبير مسعود بارزاني.

ربما يسمع بشار الأسد الأتراك كثيرًا من الكلام المعسول، إما من قبيل «التقَّية»، أو من قبيل التلاؤم مع التوجهات والمناورات الروسية التي من المفترض أنها مكشوفة معروفة، لكنه في كل الأحوال سيلعب حتمًا مع رجب طيب إردوغان ورئيس وزرائه بن علي يلدريم اللعبة نفسها التي حاول أبوه لعبها مع سليمان ديميريل، فيقطع علنًا العلاقة مع حزب العمال الكردستاني - التركي، لكنه في السر يبقي على التعاون الاستخباراتي معه، وهو بالتأكيد سيساعده على زرع خلاياه السرية في معظم المدن والمناطق التركية، فمصلحته - أي الرئيس السوري - ومصلحة فلاديمير بوتين تقتضي أن تبقى تركيا منهكة مستنزفة منشغلة بأوضاعها الداخلية، وكل هذا وفقًا لمقولة تنسب إلى لينين، يقول فيها: «عليك إنْ أوقعت خصمك أرضًا، ألا تدعه يقف، لأنه إن وقف، سيوقعك أرضًا».

تعليقات