إسرائيل أهم في موسكو من العالم العربي

صورة نيقولاي سوركوف

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

11/ 08/ 2014
العربي الجديد

مهما تبدو غريبة العلاقات بين روسيا وإسرائيل، فقد تمكن الرئيس فلاديمير بوتين من إقامة تعاون رابح مع تل أبيب.

معلوم أن هذه العلاقات الوثيقة تبدو لبعضهم غريبة، بل وغير طبيعية. ذلك أن موسكو على علاقات صداقة مع عدوي تل أبيب، سورية وإيران، وتبيعهما الأسلحة. ولفترة طويلة، كانت على علاقات صداقة مع نظام صدام حسين. كما أن الشركات الروسية تقوم بتحديث أسلحة الجيش المصري، وتؤسس لإنتاج راجمات قنابل في الأردن، غير أن ذلك كله لم يحل دون تطوير موسكو علاقاتها مع تل أبيب إلى أحسن حال.

وقد أعلن الرئيس بوتين أن "تطوير العلاقات البناءة والمتبادلة المنفعة مع إسرائيل في المجالات السياسية والاقتصادية والإنسانية وغيرها كانت، وستبقى، أولوية السياسة الخارجية الروسية". وهناك سبب وجيه لهذه الثنائية في السياسة الخارجية الروسية. فمن جهة، موسكو مهتمة بتعزيز مواقعها في العالم العربي، وزيادة صادراتها، والمشاركة في إنجاز المشاريع الكبرى هناك. ومن جهة أخرى، يدركون، في الكرملين، أن إسرائيل لاعبٌ مؤثر في المنطقة، ومقدراتها العسكرية والاقتصادية كبيرة. والأهم أن لتل أبيب نفوذاً لدى واشنطن. وقد سبق للولايات المتحدة الأميركية أن فرضت عقوبات اقتصادية مؤلمة على الاتحاد السوفييتي، بسبب عرقلة القيادة السوفييتية، آنذاك، هجرة ملايين اليهود إلى إسرائيل. إلا أننا يجب أن لا ننسى أن الاتحاد السوفييتي نفسه كان من أوائل الدول التي اعترفت بإسرائيل سنة 1948. علماً بأن اليهود السوفييت، أصحاب الخبرة القتالية، قاتلوا حينها في صفوف الجيش الإسرائيلي. وفي 1967، بعد حرب الأيام الستة، تم قطع العلاقات السوفييتية مع إسرائيل، وبقيت مقطوعة حتى استعادتها في 1991. ومنذ ذلك الحين، عاشت العلاقات فترات دفء، كما عانت أيام جمود. ومثالاً على الأخيرة، يمكن تذكر نهاية عقد التسعينيات، حين شغل يفغيني بريماكوف، المتعاطف مع العرب، منصب وزير خارجية روسيا، إلا أن التقارب الحقيقي بين البلدين لم يتم إلا في عهد الرئيس فلاديمير بوتين الذي زار متحف الهولوكوست في إسرائيل، وافتتح المتحف اليهودي ومركز التسامح في موسكو. ومعلوم أن حوالي مليوناً من السوفييت السابقين يعيشون في إسرائيل، وعلى الرغم من أن أحداً لا يقول إنهم وطنيون روس، إلا أنهم، مع ذلك، يحافظون على العلاقات الثقافية والعملية مع وطنهم السابق.

من الأمثلة القريبة على تعاطف القيادة الروسية مع إسرائيل، ردة فعل بوتين على مقتل الفتيان الإسرائيليين الثلاثة. حينها قال: "أساند كفاح إسرائيل حين تحاول حماية مواطنيها. سمعت عن عملية قتل الفتيان الثلاثة المروعة. هذا عمل لا يجوز السماح به، وأرجوكم نقل تعازيّ الخاصة لأسرهم". صرح بوتين بذلك في أثناء لقائه في موسكو حاخامات إسرائيليين.

ومما يلفت النظر، أيضاً، التقارب الشديد في المجال الاقتصادي بين موسكو وتل أبيب. فوفقاً لكلام نائب رئيس الوزراء الروسي، أندريه دفوركوفيتش، يبلغ حجم التبادل التجاري بينهما اليوم ثلاثة مليارات دولار، وتأمل موسكو رفعه إلى 3.5 مليارات دولار. علما أن التبادل التجاري مع أيٍّ من البلدان العربية لم يبلغ هذا المستوى. كما تُناقش، اليوم، الخطوات اللازمة لإقامة منطقة تجارة حرة، معفاة من الجمارك بين البلدين، فإسرائيل بالنسبة لروسيا بلد يستورد المواد الخام ومصادر الطاقة، ويورّد منتجات تكنولوجية متطورة، وتقانات مهمة خاصة في مجال الزراعة والإلكترونيات، وهي كذلك مكان واعد للاستثمار. ومما يذكر، هنا، العقود البالغة قيمتها 400 مليون دولار لتزويد روسيا بطائرات من دون طيار، الجيش الروسي بأمس الحاجة إليها.

في المجال السياسي، هناك أيضاً تفاهم متبادل. فعلى الرغم من أن روسيا تزوّد البلدان العربية بالأسلحة، فهي لا تمدها إطلاقاً بالمنظومات التي يمكن أن تغير ميزان القوى في المنطقة. فما أن يبدأ الحديث عن تزويد سورية بوسائط دفاع جوي متطورة، حتى يطير رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى موسكو للتشاور مع القيادة الروسية. ولذلك، لم يكن مصادفةً تخلي روسيا عن تزويد إيران وسورية بمنظومة صواريخ إس-300، كان يمكن أن تعيق جدياً عمل سلاح الطيران الإسرائيلي، في حال نشوب حرب معهما. وبالنتيجة، لم يحصل الإيرانيون سوى على صواريخ قصيرة المدى (تور)، والسوريون على (ستريليتس) التي لا تختلف إلا قليلاً عن الصواريخ المحمولة على الكتف المضادة للطائرات.

الأمر الأكثر بساطةً وإقناعاً لتفسير مثل هذه السياسة التي تنتهجها روسيا، هو براغماتية بوتين في سياسته الخارجية. فهو يعقد صداقاتٍ، حيث تكون المنفعة. وروسيا ترى في إسرائيل شريكاً اقتصادياً وسياسياً مهماً، بل أكثر أهمية بكثير من البلدان العربية. علماً أن أهمية إسرائيل عند روسيا تضاعفت بعد الأزمة الأوكرانية. ففي أثناء هذه الأزمة، امتنعت إسرائيل بعناد عن توجيه أي نقد لروسيا، وقدرت موسكو ذلك. إضافة إلى ذلك، في حال تشديد العقوبات على روسيا يمكن لإسرائيل أن تشكل بالنسبة إلى موسكو نافذة على الغرب. صحيح أن إسرائيل اضطرت إلى تجميد تعاونها العسكري - التقني مع روسيا، إلا أن جميع العقود في هذه المجال اكتمل تنفيذها. وهناك قطاعات أخرى مهمة غير السلاح.

ما سبق، لا ينبغي أن يقود إلى التفكير بأن علاقات موسكو مع تل أبيب سمن على عسل طوال الوقت. فمثلاً، في العام 2008، انزعجت روسيا من تزويد إسرائيل نظام ميخائيل ساكاشفيلي المعادي لروسيا بطائرات من دون طيار، ساعدته في توجيه الرمايات ضد الأهداف الروسية، في أثناء النزاع في أوسيتيا الجنوبية، إلا أن موسكو سرعان ما وجدت طريقة لوضع النقاط على الحروف مع شريكها الإسرائيلي. فقد نشّطت في الحال المباحثات مع طهران لتزويدها بمنظومة إس-300، وتزويد سورية بصواريخ "ياخونت" الجبارة ضد القطع البحرية. الأمر الذي جعل نتنياهو يطير، بصورة عاجلة إلى موسكو، ليحل سوء الفهم في أسرع وقت.

الوضع الحالي للعلاقات الروسية الإسرائيلية، وصفه جيداً رئيس لجنة العلاقات الدولية في مجلس الفيدرالية الروسي، السيناتور ميخائيل مارغيلوف، والذي زار تل أبيب مع برلمانيين روس، في ذروة العملية الإسرائيلية في غزة، فقال: "نتخلص من كل سوء فهم في أثناء المناقشات. نتحدث بالتفصيل مع شركائنا (الإسرائيليين)عن مناهجنا ومواقفنا. وحتى حين لا نوافق، وحين لا تتوافق وجهات نظرنا، فإننا لا ننزلق، في أي حال، إلى خطاب عدائي".