إسرائيل والفوضى العربية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

24/ 08/ 2015
العربي الجديد

 

في خضم الفوضى التي تجتاح الوطن العربي، يمكن تلمس الموقف الإسرائيلي، وفهم طبيعة اندفاعه نحو صب مزيد من الزيت على نار الفتن المتنقلة، على امتداد الخريطة العربية. لا يمكن لإسرائيل أن تقف مكتوفة الأيدي أمام ما يحصل عربياً، وهي على الدوام كانت تبادر بالعمل في الساحات العربية، لحماية كيانها الغاصب، وكان هذا العمل، وما زال، يجري ضمن مستويات مختلفة، سياسية وعسكرية واستخباراتية، بحسب الظروف والإمكانات، لكن المهم، أن الدور الإسرائيلي لا يغيب عن الساحات العربية، وإن كانت مقاربته تتضمن تهويلاً كثيراً، أحياناً، وخصوصاً عندما تكون الساحات العربية مفتوحة على مصراعيها للعملين، الأمني والاستخباراتي، كما نرى في أيامنا هذه.

مع انتفاضة الجماهير العربية، وانطلاق الربيع العربي في بلدان عربية عدة، كانت الصدمة الإسرائيلية كبيرة، عكس ما يروجه مرتدّون إلى التفسير المؤامراتي للثورات العربية (وقد ارتد أكثر هؤلاء إلى اعتبار الثورات مؤامرات استخباراتية غربية، بعد الثورة في سورية)، إذ يعتبرون البصمات الإسرائيلية والأميركية واضحة في الربيع العربي، متناسين ثلاثة أمور رئيسة: الأول، الإشكالات الكبرى التي كانت قائمة في دول الربيع العربي، وتتمثل، أساساً، في تآكل شرعية هذه الأنظمة. والثاني، أن الوضع العربي لم يكن سيئاً لإسرائيل، وأميركا من خلفها، لتعملا على تغييره، بل إن أنظمة، مثل نظام حسني مبارك، وفّرت الكثير من الدعم للتوجهات الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، ولم يكن إيجاد بدائل لهذه الأنظمة أمراً يستحق المغامرة.
الأمر الثالث، هو الصدمة الكبيرة في الكيان الصهيوني التي انعكست في تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، وتحليلات كتاب الصحف الإسرائيلية، الخائفة من التغيير في الوطن العربي، والمنزعجة من خسارة كنز استراتيجي، مثل نظام مبارك، والمترقبة ما يمكن أن يحدث من تغيير في الدور المصري، ومصير اتفاقيات السلام مع إسرائيل. وكان الدور المصري يتخطى حالة السلم مع إسرائيل، ليصل إلى مرحلة التحالف معها، وسادت حالة من عدم اليقين في الأوساط الصهيونية، إذ بدت المسألة مفاجئة ومربكة إلى حد كبير. 

شكّلت الأحداث في مصر وسورية أهمية استراتيجية للصهاينة، حيث التغيير في البلدين الكبيرين، المتاخمين لفلسطين، ينعكس بشكل مباشر على الكيان الصهيوني. في مصر، شكّل وصول الإخوان المسلمين قلقاً للإسرائيليين في البداية، إذ كان التخوف قائماً من شعارات كان يرفعها "الإخوان" قبل وصولهم إلى الحكم، وقام الإسرائيليون بالضغط على الأميركيين لضبط الأمور في مصر، وقد اعتبر الأميركيون مصالحهم في مصر مرهونة باستمرار اتفاقية كامب ديفيد، وهي الاتفاقية التي كان يُخشى، أميركياً وإسرائيلياً، من دهسها تحت عجلات الحالة الثورية، لكن الإخوان المسلمين طمأنوا الأميركيين بأن الاتفاقية لن تُراجع، وهو ما عبّر عنه التزام الرئيس محمد مرسي بالاتفاقيات الدولية "التي وقع عليها المصريون بإرادتهم الحرة".

حاول الإسرائيليون اختبار "الإخوان" مرات، منها حرب غزة 2012، وفي كل مرة، لم يكونوا ليقودوا تغييراً ثورياً في سياسات مصر تجاه إسرائيل، ولم ينكر الرئيس مرسي أن التعاون الأمني بين إسرائيل ومصر في عهده أفضل بكثير مما كان في السابق، وقد عزا ذلك إلى وجود ندية متبادلة في عهده (مقابلة الرئيس مرسي في قناة الجزيرة مع خديجة بن قنة- 21 /4 /2013). بعد تنحية مرسي، قفز الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تعاون أمني أكبر مع إسرائيل، تُرجم في زيادة عملية هدم الأنفاق، ومحاصرة غزة، وخصوصاً في حرب عام 2014، التي زايد فيها السيسي على الإسرائيليين في عدائه حماس.
وفي سورية، كان الترقب سيد الموقف في الأشهر الأولى، وكانت هناك تصريحات متفاوتة حول الموقف من نظام الأسد، لكن الإسرائيليين بعد تحول الحالة إلى حربٍ أهلية، دخلوا على الخط، وهم اليوم ينسقون مع فصائل مُعارِضة في الجبهة الجنوبية، بمستويات مختلفة، ويوفرون العلاج حتى لجرحى جبهة النصرة، الفرع السوري لتنظيم القاعدة، وهم يفكرون في أن هذه الفصائل تفيدهم في إيجاد جدار عازل في الجولان، يحميهم من انتقال الفوضى في سورية، ويبعد عنهم خطر حزب الله وإيران اللذين يتهمهما الصهاينة بمحاولة إنشاء بنية تحتية "للإرهاب" في الجولان، على حد تعبير وزير الحرب الإسرائيلي، موشيه يعالون. وفي الوقت نفسه، تستفيد إسرائيل من الفوضى والاحتراب الحاصل في سورية، وترغب في استمرار هذه الحالة، وهي تتدخل، بين فترة وأخرى، لتنفيذ ضربات جوية على أهداف محددة. 

لم تنجح الحالة الثورية العربية التي أربكت إسرائيل، في البداية، في إفراز قوى قادرة على تغيير دفة السياسة العربية تجاه إسرائيل، خصوصاً في مصر، فيما غرقت سورية في الاحتراب الأهلي، بما يخدم المصلحة الإسرائيلية، وإن كانت الفائدة الإسرائيلية في الجولان غير مؤكدة، إذ هي محل صراع. المؤسف أن الحالة العربية، اليوم، سيئة بالمعنى السياسي، ولا يمكنها استثمار القدرة العسكرية على هزيمة إسرائيل التي ثبتتها تجربة المقاومة في لبنان وفلسطين، وقد كنا في زمن سابق، نشتكي من ضعف القدرة العسكرية، على الرغم من وجود إرادة سياسية بالمواجهة. 

تعليقات