إعادة الانتخابات في إسطنبول.. الرواية والرواية المضادة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

11 مايو/أيار 2019
عربي 21

 

يشهد المجال العام في تركيا تدافعاً بين الرواية والرواية المضادّة فيما يتعلق بقرار الهيئة العليا إعادة الانتخابات في إسطنبول. وبغض النظر عمّا إذا كان البعض يرى صحّة أو عدم صحّة القرار، إلاّ أنّه أصبح حقيقةً مثبتة يجب التعامل معها في نهاية المطاف. لكن من المهم بمكان أثناء المضي قدماً في الموضوع أن يتم كذلك فهم المقدّمات والسياقات التي أدّت إلى هذا القرار، وهو أمرٌ غالباً ما تحجبه عناصر من قبيل الانتماء الأيديولوجي أو الاستقطاب السياسي أو المصلحة الذاتية أو حتى انتفاء المعرفة الصحيحة.

 

أصل الخلاف

لنعد بالذاكرة قليلاً إلى الوراء. في ليلة 31 آذار (مارس) الماضي، كان التنافس على أشدّه بين بينالي يلديريم وأكرم إمام أوغلو، وقد تقدّم الأوّل على الثاني قبل أن يتقلّص الفارق بينهما بشكل سريع. وقبيل الانتهاء من الفرز الكامل للأصوات، توقّفت وكالة الأناضول للأنباء ـ الجهة الوحيدة المخوّلة بتغطية حصيلة عمليات الفرز ـ عن نقل النتائج أولاّ بأوّل، ثمّ خرج بينالي يلديريم ليعلن انتصاره وفوز حزب العدالة والتنمية برئاسة بلدية إسطنبول.

هناك من يعتبر أنّ هذا الموقف يتضمن سلسلة من التجاوزات الصريحة، إذ لا يجوز أن يخرج أحد الطرفين لإعلان انتصاره قبيل انتهاء الفرز خاصّة أنّ الفارق بينهما كان ضئيلاً جداً. لم يتحدّث المرشّح الذي أعلن فوزه آنذاك عن وجود عمليات تزوير واسعة النطاق أو انتهاكات جسيمة ومنظّمة للانتخابات، فقط عندما أعلنت الهيئة العليا فوز المرشّح الآخر، بدأ الحزب في إعداد ملف عن وجود تزوير وإنتهاكات شابت العملية الانتخابية. هذا المنطق يعكس ـ عن قصد أو دون قصد ـ أولويّة الاهتمام بالفوز وليس بأي شيء آخر.

في جميع الأحوال، كان يحق للطرفين الطعن في تلك المرحلة، وقد استخدم حزب العدالة والتنمية حقّه القانوني، وبناءً عليه، جرى إعادة فرز الأصوات مرّة أخرى، فحصل كلا المرشّحين على أصوات إضافية وبقي مرشّح تحالف المعارضة هو المتفوّق في النتيجة النهائية. مع ذلك، لم يستسلم حزب العدالة والتنمية، وتابع اعتراضاته وانتقاداته، وفي هذه المرحلة بالتحديد بدأ الحديث عن ضغوط سياسيّة تمارس على الهيئة العليا للانتخابات من قبل الحزب الحاكم.

 

ضغط سياسي

يعود للهيئة في نهاية المطاف الحق في تقرير ما إذا كان هناك انتهاكات توجب الإعادة أم لا، لكن استمرار التصريحات والتصريحات المضادة ـ من قبل السلطة والمعارضة ـ والمتعلّقة بدور الهيئة والقرار الذي يجب أن تأخذه لم يعكس تسليماً بدورها الحصري في تقرير مصير الانتخابات بقدر ما عكس ضغوطاً سياسية ومخاوف من ضغوط سياسية لدى الطرف الآخر. الإيمان بالدور الحصري للهيئة كان يستلزم سكوت الطرفين وانتظار النتيجة وليس العكس. تصريحات الرئيس المتكررة، لاسيما تلك التي يطالب بها اللجنة بإعادة الانتخابات باسم الشعب، والتي أدلى بها قبل يومين من قرار الهيئة النهائي، فُهِمَت على أنّها ضغط سياسي واضح على الهيئة من قبل رئيس الجمهورية حتى لو لم يكن المقصود بها ذلك.

هناك من يناقش الأمر من زاوية أنّ حزب العدالة يجب أن يتجاهل الانتهاكات "الخطيرة" حال وجودها وأن يتّبع منطقاً براغماتياً سيما أنّ مصلحة الحزب السياسية الكبرى تقتضي أن يتجاوز عن الأخطاء حال حصولها. لكنّ النقاش ليس حول هذه العناوين حقيقةً، فإذا كان هناك انتهاكات من أي نوع، فمن حق الحزب قانونا مراجعتها، لكن الخلاف هو على ماهية الأخطاء والمعايير المتّبعة والضغوط السياسية.

 

مبررات إعادة الانتخابات

على سبيل المثال، استند قرار الهيئة في إعادة انتخابات إسطنبول على أمرين أساسيّين هما: مخالفات تتعلق برؤساء صناديق الاقتراع وبدرجة ثانية مخالفات تقنية تتعلق بالأظرف واللوائح. وهنا وجب التعليق على هذه المعطيات من زاويتين. الأولى تتناقض مع الادّعاءات القائلة بوجود عمليات تزوير ممنهجة أو واسعة النطاق ارتكبتها المعارضة. فقرار الهيئة لا يشير من قريب أو بعيد إلى عمليات تزوير. فضلاً عن ذلك، فإنّ المسؤول عن هذه المخالفات ليس المعارضة، وإنما هيئة الانتخابات التي تعمل في ظل سلطة الحزب الحاكم، فالمعارضة لا تعيّن رؤساء الصناديق الانتخابية ولا تحضّر كذلك متطلّبات العمليّة الانتخابية.

أمّا الأمر الثاني فهو أنّ هذه الانتهاكات (المتعلقة برؤساء الصناديق أو المخالفات التقنيّة المتعلقة بالأظرف واللوائح)، ليست استثنائية، إذ تكاد لا تمر انتخابات تركيّة دون وجود شكاوى حول هاتين النقطتين بالتحديد، لكن جرت العادة على أن يتمّ إهمالها لسببين غالباً، الأوّل هو أنّ من يتقدّم بها هو المعارضة وليس الحزب الحاكم، وثانياً أنّ الفارق عادة ما يكون كبيراً، فلا يؤثّر على النتيجة. في الاستفتاء الذي جرى في العام 2017، انتصر المعسكر المؤيّد للتعديلات الدستورية التي تحوّل النظام إلى نظام رئاسي. الفارق كان ضئيلاً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أنّ الاستفتاء يجرى على مساحة الدولة وليس في بلدية (حوالي 1% عن النسبة المطلوبة، علماً بأنّ نسبة الأصوات التي تمّ إبطالها كانت تساوي حوالي 1.7%).

في هذه الحالة على سبيل المثال، كان هناك شكاوى واسعة النقاط حول عدد من التجاوزات القانونية لعل أبرزها استخدام عدد غير محدود من الأظرف غير المختومة بشكل رسمي في الاستفتاء، قدّرت بنحو 1.5 مليون صوت. الظاهرة كانت منتشرة لدرجة أنّ الهيئة العليا اجتمعت وأصدرت قراراً تقول فيه أنّه سيتم قبول الأظرف غير المختومة رسميا! المفارقة أنّ أحد أسباب إعادة انتخابات إسطنبول التي جرت في 31 آذار (مارس) الماضي وفقاً لقرار الهيئة العليا للانتخابات هو وجود أظرف غير مختومة بشكل رسمي (حوالي 5 آلاف).

يعتبر البعض أنّ مثل هذه الازداوجيّة في تطبيق المعايير هي التي تثير التساؤلات والشكوك دوماً والكلام عن وجود ضغوط سياسية، سيما وأنّها تميل دوماً باتجاهٍ واحد. لو لم تكن موجودة، لما كان بالإمكان إثارة الشبهات حولها، أو على الأقل لما استندت الشبهات إلى أي شيء حسّي أو مادّي في هذا الصدد. هناك من يتساءل: إذا كانت المشكلة في ممثلي الصناديق، فلماذا قامت الهيئة العليا بإلغاء نتائج انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى فقط، علماً بأنّ الناخب يضع في هذا الصندوق ـ الذي يشرف عليه بشكل غير قانوني شخص غير مؤّهل ـ ثلاثة أصوات أخرى لرئاسة بلدية المنطقة وأعضاء المجلس البلدي والمختار أو عمدة الحي؟ لماذا يكون الصوت المتعلق فقط برئاسة بلدية إسطنبول الكبرى هو الملغى؟

الجواب المعتمد هو أنّه لا يوجد فارق صغير في النتائج الأخرى وبالتالي لا داعي لإعادتها. لكن مثل هذا الجواب يفيد بأنّ الانتهاك الحاصل ليس خطيراً، بدليل أنّه لا مشكلة إذا تمّ تعيين شخص غير مؤهّل من الناحية القانونية ليشرف على الصندوق إذا كان الفارق في الأصوات بين المرشحين المتنافسين كبيرا! بغض النظر عن الموقف الشخصي من مثل هذه المحاجّة، إلاّ أنّها بالتأكيد غير مقنعة بالنسبة لكثيرين.