إعادة صناعة الديكتاتوريات

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

21 أبريل/نيسان 2019
العربي الجديد
المؤلف: 

لم يلتفت الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، لما يدور حوله في المنطقة، وحركة تجدّد الانتفاضات الشعبية ضد الحكام المستبدين، وإسقاط اثنين منهما في تكرار لسيناريوهات ثورات الربيع العربي التي انطلقت في عام 2011. ولم ير أن هناك داعياً للاتعاظ بتجارب سابقة، أو اتخاذ أي خطوةٍ استباقيةٍ، تحسباً لانفجار شعبي مصري جديد في وجه النظام، ومضى في مخططه لتأبيد رئاسته "دستورياً"، عبر تعديل الدستور الذي كان أحد مكتسبات الثورة المصرية التي لا ينفكّ النظام ينقلب عليها. 
يبدو السيسي غير قلقٍ على حكمه وسلطته، وربما كان ينظر باستهزاء إلى التحذيرات من هبّةٍ شعبيةٍ ضده، أو الدعوات إلى احتواء أي غضبٍ قد ينجم عن تعديل الدستور. هو مطمئن إلى أن آلته القمعية أدت أكثر مما عليها لتكميم الأفواه التي لا تزال تطالب بالحفاظ على أي شكل من الديمقراطية، إضافة إلى أنه ساهم اقتصادياً في تدمير الطبقة الوسطى التي كان من الممكن أن تكون لبنة أي محاولةٍ لإعادة بناء وعي جمعي جديد، من الممكن أن يكون نواة انتفاضة جديدة. 
الأهم من ذلك كله حالياً أنه يفعل ذلك كله مدعوماً من دول غربية عديدة، في مقدمتها الولايات المتحدة التي باتت ترى في الحكم العسكري في المنطقة العربية الحل الأمثل لظاهرتي "الإرهاب" و"الهجرة غير الشرعية" إلى أوروبا أو القارة الأميركية، ومواجهة أي تقدم جديد لحركات الإسلام السياسي باتجاه الحكم. هذا ما يمكن أن نراه ليس في مصر فحسب، بل في دول عديدة في المنطقة التي تشهد حالة غير مستقرة على مستوى الحكم. هذا التوجه تدعمه، ترويجياً ومالياً، السعودية وشريكتها الإمارات العربية المتحدة التي لا توفر مناسبة للتحذير من تقدّم الإسلاميين، وتغذية التوجهات العسكرية لمواجهتهم. 
على هذا الأساس، يمكن فهم الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة اليوم للواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر في حربه على الحكومة المعترف بها دولياً. وكان لافتاً في الاتصال الذي جرى بين الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وحفتر التركيز على "محاربة الإرهاب"، وذلك بعد امتناع الولايات المتحدة عن تأييد قرار من مجلس الأمن لوقف إطلاق النار، الأمر نفسه بالنسبة إلى فرنسا وروسيا. فالدول الثلاث باتت متفقةً على دعم "الديكتاتور الجديد" في ليبيا، باعتباره الوحيد القادر على حسم الأمور ميدانياً في وجه التشتت السياسي والعسكري لمعسكر حكومة الوفاق. 
المؤشر نفسه يمكن النظر إليه في السودان حالياً، فالروس كانوا أول من دعم المجلس العسكري الانتقالي من بوابة الحاجة إلى إبقاء "قوة النظام" وقدرته على الحسم. ولا يمكن النظر إلى دعوات الولايات المتحدة تسليم السلطة للمدنيين باعتبارها دعوات جدية، فالمشكلة الأميركية مع المجلس العسكري اليوم هي عدم معرفتها بأعضاء المجلس، وعدم وجود علاقات مع الجيش السوداني، في ضوء العقوبات الأميركية التي كانت مفروضة على السودان. غير أنه من المرجح أن الإمارات والسعودية ومصر ستقوم بالتقريب بين المجلس العسكري وواشنطن، وخصوصاً بعد الدعم الذي منحته هذه الدول للمجلس، وهو دعم لا يمكن أن يكون من دون ضوء أخضر من الرعاة الغربيين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة. 
وعلى الرغم من أن المشهد في الجزائر لا يزال غير واضح، إلا أن من الممكن أن يتكرّر السيناريو هناك، وإخراج رجل من القوات المسلحة للترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، وخصوصاً في ظل العلاقات القوية التي تربط المؤسسة العسكرية الجزائرية بالدول الغربية، وفي مقدمتها فرنسا. 
المشهد العام اليوم، وربما في السنوات القليلة السابقة التي أعقبت الثورات العربية، أن الغرب لم يعد داعماً للتحول الديمقراطي في العالم العربي، كما كانت تفصح تصريحاتٌ على الأقل، بل بات مقتنعاً بتأبيد الحكم العسكري، وإعادة صناعة الديكتاتوريات التي تحظى برضى غربي.