إغراق سورية لإبقاء اتفاق إيران عائماً

صورة لينا سيرجية عطار

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

11/9/2015
The Daily Beast

(ترجمة السورية نت)

في 10 أيلول عام 2013، ألقى الرئيس أوباما خطاباً حماسياً من البيت الأبيض رداً على الهجوم الكيماوي على الغوطة في ريف دمشق والذي أودى بحياة 1,400 سوري – خنقاً بسبب غاز السارين الذي أطلقه نظام الأسد في منتصف الليل على منطقة مدنية، معظم الضحايا كانوا أطفالاً، صورهم التي تبدو كالدمى شمعية الجلد، قد طاردت ضمير العالم.

 طلب أوباما من أعضاء الكونغرس والشعب الأمريكي أن يشاهد الفيديوهات التي تصور موت الأطفال السوريين على أرضية المشفى. ثم تساءل، "ما نوع العالم الذي سنعيش فيه إذا رأت الولايات المتحدة ديكتاتوراً ينتهك بوقاحة القانون الدولي بإطلاقه الغاز السام ونختار أن ننظر إلى الجهة الأخرى؟".

لقد مر حوالي عامين على هذا الخطاب، نحن نعيش اليوم في هذا العالم الذي وصفه الرئيس، عالم حيث يختار الأشخاص ذوي المناصب المهمة النظر إلى الجهة الأخرى، وتستمر مذبحة سورية اليومية، بالبراميل المتفجرة، وبقطع الرؤوس، ونعم بالأسلحة الكيميائية.

اليوم تقريباً أكثر من نصف تعداد سورية قد تم تهجيرهم نتيجة لوحشية نظام الأسد التي لا هوادة فيها وعنف داعش والقاعدة المروع، 11 مليون شخص لم يعودوا يعيشون في منازلهم، وأربع ملايين منهم هم لاجئون في الدول المجاورة، خلال العام الماضي، مئات من اللاجئين قد قرروا المخاطرة بحياتهم في سبيل مستقبل أفضل في أوروبا، منطلقين في "طرق الموت" المروعة عبر البحر والبر.

يوم الأربعاء، صورة أخرى مروعة من المأساة السورية انتشرت كالفيروس، هذه المرة كان طفلاً صغيراً، أيلان الكردي ذو الثلاثة أعوام، الذي بدا كطفل نائم، على شاطئ رملي في بودروم، تركيا، والأمواج تلتف من حوله، ألبسته أمه قميصاً أحمر لامع، وسروال بحري، وحذاءً قوياً – كان متهيئاً لرحلة إلى مستقبل أفضل في كندا. لكن كآلاف من اللاجئين السوريين الآخرين الهاربين من الحرب، أيلان الصغير وأخوه غالب ذو الخمسة أعوام ووالدتهما، ريهان، مع تسعة أشخاص آخرين كانوا في القارب نفسه لم يمنحوا ممراً آمناً.

نشرت امرأة سورية مؤخراً على الفيس بوك، "تحت البحر الأبيض المتوسط، في أعماق البحر، توجد سورية أخرى، مليئة بالحياة: أطفالٌ يلعبون كرة القدم، مراهقين يحلون واجباتهم، نساءٌ يقمن بالطهي، رجالٌ يعملون، وشيوخٌ يشربون القهوة، إذا زرت أعماق البحر، سوف تكتشف سورية أخرى"، حقاً يبدو كما لو أن السوريين ما عادوا ينتمون إلى هذه الأرض.

خلال الأشهر الماضية، كان اهتمام العالم منصب على أزمة الهجرة المتنامية التي تواجهها أوروبا، التقارير تبعت اللاجئين السوريين عبر البر والبحر، وهي تروي قصة مروعة تلو أخرى، في بعض الأحيان عن البقاء على قيد الحياة، وأحياناً أخرى عن البطولة، ومرات عديدة عن الموت. الروايات غالباً ما تُغفل الإجابة الصادقة عن السؤال: "لماذا هناك الكثير من اللاجئين السوريين؟"، كلمات مشوشة مثل "الحرب الأهلية"، "الهروب من العنف"، والأسوأ أن لوم داعش على الأزمة بأكملها لا يفسر ما حدث ويحدث في سوريا خلال أكثر من أربع سنوات.

اللاجئون السوريون ليسوا نتيجة لكارثة طبيعية، لا يمكنك تجريدهم في حزمة انسانية بحتة. كل لاجئ سوري هو لاجئ بسبب السياسة الدولية والقرارات والإخفاقات العسكرية التي تقوي وتختار نظام الأسد بدلاً من الشعب السوري.

اللاجئون السوريون ليسوا نتيجة لكارثة طبيعية، لا يمكنك تجريدهم في حزمة انسانية بحتة. كل لاجئ سوري هو لاجئ بسبب السياسة الدولية والقرارات والإخفاقات العسكرية التي تقوي وتختار نظام الأسد بدلاً من الشعب السوري.

في الأسبوع الماضي، قصة 71 سوري الذين اختنقوا حتى الموت في شاحنة مجرية تسببت بضجة في أوروبا أدهشت معظم السوريين. منذ أربع سنوات حتى الآن الملايين من السوريين كانوا يتساءلون، "أين العالم؟"، الآن أخيراً، شاهدنا الناس حول العالم يتحركون: من ألمانيا والنمسا وإيرلندا والنرويج وأيسلندا وغيرهم. الآلاف يفتحون أبوابهم ويرحبون باللاجئين في بلادهم، والآلاف يحتجون للمطالبة بمعاملة أفضل للاجئين، والآلاف عرضوا فيضاً من الكرم والرحمة للسوريين لم نشهده من قبل.

في كل أنحاء العالم، الناس يثبتون أن الإنسانية مازالت موجودة، لكن معظم قادة العالم لم يكونوا بهذه الشجاعة أو اللطف.

عرفنا في الأربعاء الماضي أيضاً أن الرئيس أوباما قد أحكم صفقته الإيرانية – وصفها بأنها "نصر عظيم للدبلوماسية" وأنها “خيار السلم عوضاً عن الحرب". كم هذا لطيف، وكم من الملائم أن مرور هذه الصفقة التاريخية تم الاحتفال به في نفس اليوم الذي جرفت فيه الأمواج طفلاً سورياً على الشاطئ؟

أحد أكبر شكاوى أنصار صفقة إيران حول منتقديها أنهم يعارضون الاتفاق من دون سبب حقيقي لكن فقط لمجرد المعارضة، ربما بالنسبة لبعض السياسيين، قد يكون هذا صحيحاً، في حين أن السوريين لا يستطيعون تحمل ترف المعارضة، هناك سبب واحد مهم جداً لمعارضة أي نوع من التنازلات مع إيران وهو: سورية. أي اتفاق يدعم النظام الذي يغذي نظام الأسد عسكرياً هو ببساطة اتفاق يكافئ الإبادة الجماعية والتدمير والتشريد الجماعي للناس الأبرياء.

في كل هاشتاج حماسي وصورة تم مشاركتها حول المأساة السورية، حقيقة واحدة يجب تكرارها مراراً: الأزمة هي عالمية انسانية، لكن مصدر الإرهاب والعنف والموجات الغير منتهية من اللاجئين يقبع في دمشق، كما شرح شاب سوري ذكي: "فقط أوقفوا الحرب ولن نحتاج للذهاب إلى أوروبا".

بالرغم من هذه الحقائق البسيطة، الاتفاق قد تم والخطوط الحمراء قد تم تجاوزها مرات عديدة لا تحصى ويبدو أن تصحيح المسار مستحيل، السوريون الأمريكيون يتوسلون الآن الحالة السورية إلى عدد كبير من المرشحين للرئاسة من كلا الحزبين – فعل يمثل فقدان كامل للثقة في إدارة أوباما، إدارة الأمل والتغيير، إدارة كان من المفترض أن تعرف كيفية إيقاف مشكلة من الجحيم.

حتى لو كان الرئيس التالي سيغير استراتيجية عدم وجود استراتيجية في سورية (وهو أمر مستبعد للغاية)، فهذا سيكون بعد 17 شهراً من الآن، 17 شهراً أخرى من مشاهدة الناس يموتون، 17 شهراً أخرى من البراميل المتفجرة، 17 شهراً أخرى من إرهاب داعش، 17 شهراً أخرى من جرف الأمواج للأطفال على الشواطئ.

من اليوم الأول للثورة السورية، واجهنا جميعاً خياراً بسيطاً: الوقوف مع الحرية أم القمع؟ العدل أم الوحشية؟ الكرامة أم الإهانة؟ كان لخياراتنا أثار مرعبة، ولكنها كانت واضحة.

مع ذلك، في هذا العالم من المصالح الجيوسياسية الساخرة، جادل البعض لسنوات أنه لا يوجد خيارات "حقيقية" أو "جيدة" قد بقيت في سورية، وأن الأمر بأكمله معقد للغاية، وأنه لا يمكن للولايات المتحدة والمجتمع الدولي فعل أي شيء من شأنه أن يحدث فرقاً، هذه بالضبط الطريقة التي يختار فيها الشخص أن ينظر إلى الجهة الأخرى – من خلال إقناع نفسك أنك لا تملك خياراً.

هناك خيارات بلا حدود أكثر صعوبة مما واجهه الرئيس أوباما في أي وقت مضى، خيار الأمهات السوريات اللواتي قررن أن القوارب المتهالكة التي كن سيصعدن إليها لم تكن آمنة بما فيه الكفاية للرضع ال16 ولذلك تركنهم وراءهن في مستشفى تركي، أو خيار والديّ أيلان، الذين حلما ببلد جديد ومستقبل جديد لطفليهما، والد أيلان، عبد الله، سوف يعيش دائماً مع اختياره الذي كلفه عائلته.

هناك خيارات مدمرة وغير إنسانية يُجبر السوريون على اتخاذها في كل يوم. بالنسبة للملايين من السوريين، الخيار الوحيد من بين الخيارات الباقية هو كيفية الموت: في المنزل، في الخيمة، في الشاحنة، أو بالقارب. في حالة هذه العائلة، الموت في عربة قطار في هنغاريا أفضل من العيش في مخيم.

ألم يحن الوقت لاتخاذ القرار الصحيح والعادل بالنسبة لسورية؟ ألم يحن الوقت لزعماء العالم لأخذ القليل من شعوبهم المتعاطفة والمطالبة ليس فقط بوجوب الترحيب باللاجئين والسماح بممر آمن إلى دولهم المتبناة، ولكن وجوب ايقاف مصدر أزمة اللاجئين فوراً كذلك؟ يجب ايقاف سقوط البراميل المتفجرة من طائرات الأسد، يجب قلع جذور داعش والقاعدة من سورية، يجب أن يُمنح المدنيين السوريين مناطق آمنة داخل سورية كي يستطيعوا إعادة بناء حياتهم في بلادهم.

إشاحة الوجه عن آلاف الأطفال السوريين الذين يقتلون في سوريا كان خياراً تم اتخاذه مقابل فصل ممتاز من السياسة الخارجية في إرث أوباما المستقبلي، لكن يجب أن يعرف الرئيس أن مصير أيلان الكردي هو أيضاً جزء من إرثه وإرث إدارته، لا يمكنك الحصول على أحدهما دون الآخر.

حان الوقت لاتخاذ خيارات جديدة في سورية، خيارات حقيقية، وليس هاشتا جات واعية، أو إدانات فارغة، وتأييدات واهية، الخيارات التي تكسر أخيراً دوامة العنف وتنهي الإبادة الجماعية. ليس في عام 2017، بل الآن، قبل أن ينضم سوريون آخرون إلى سورية الأخرى الموجودة في قاع البحر.

تعليقات