إن تجزأت سورية، هل ستتجزأ لبنان أيضاً؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

26/6/2015
The Daily Star
المؤلف: 

(ترجمة السورية نت)

تفيد التقارير بأن إيران تسعى لتشكل دويلة ذات سيادة علوية في سورية تتضمن دمشق والساحل والمنطقة التي تصل بينهما، بما فيها حمص وحماة.

ضمن هذه الأراضي تنوي طهران حماية حكم الأسد وضمان وجود استمرارية جغرافية مع المقاطعات التي يسيطر عليها حزب الله في لبنان.

هذه الخطة، المعادلة للتقسيم، تُظهر الفكر وراء استراتيجية إيران في الشرق الأوسط. في العراق وسورية وحتى اليمن، والإيرانيون استفحلوا واستغلوا الانقسامات الطائفية، مع علمهم أن هذا هو سبيلهم الوحيد لضمان السيطرة في المجتمعات العربية ذات الأغلبية السنية. من المفارقة الساخرة أن هذه النية كانت تعتبر فيما سبق النية السيئة لإسرائيل، أي نشر الفرقة في العالم العربي ليصبح كيانات منهكة وتتمكن تبعاً لذلك من حكم المنطقة بشكل أفضل.

في العراق قام الإيرانيون، من خلال السياسيين الذين يدعمونهم وميليشياتهم الشيعية الوكيلة، بإعاقة تشكيل حرس وطني سني لمواجهة تنظيم "الدولة الإسلامية"، مسببين بذلك زيادة الخلاف الطائفي. في سورية ساعد الإيرانيون وحرضوا على التطهير الطائفي في حمص والقلمون، بينما قاموا أيضاً حسب التقارير بحث نظام الأسد على التخلي عن المناطق النائية ذات الأغلبية السنية التي لم يعد يملك النظام القوة البشرية الكافية للدفاع عنها.

هنالك إشارة استفهام حول مصير حلب. يبدو بأن النظام يريد المحافظة على وجوده في ثاني أكبر مدينة سورية، على الأرجح لقيمتها الرمزية. ولكن في حال كانت نوايا إيران قد فسرت بشكل صحيح فإن حلب ستكون إحدى الأماكن التي يجب التخلي عنها لأنها تسبب استنزافاً غير ضروري للجيش السوري. في الواقع، وحسب أغلب التوقعات، فإن حلب مع قطع خطوط إمدادها المارة عبر محافظة إدلب، ستسقط على الأرجح في أيدي الثوار خلال المستقبل القريب.

من وجهة نظر لبنان ما الذي تعنيه أفعال إيران والتغيرات في سورية؟ بالنسبة لبعض المراقبين فإن التقسيم الفاعل لسورية قد يقود إلى ديناميكيات مشابهة في لبنان. وإن اندفاع إيران لتفرقة المجتمعات كي تعزز من قوتها الخاصة أو قوة وكلائها سيؤدي فقط لتسهيل تحقيق نتيجة كهذه.

ولكن، قد لا تكون الأمور جلية إلى هذا الحد. لقد برهن لبنان على مرونة ملحوظة خلال الأعوام الأربعة الماضية، على الرغم من التداعيات الخطيرة للصراع السوري على سياساتها ومجتمعها واقتصادها. وفيما بدا بأنها بلاد مهيأة للانهيار تقريباً بسبب الحرب المجاورة، فقد بقيت موحدة نسبياً.

نوعاً ما. ربما قد نجد التفسير في واقع أن الوحدة في لبنان مختلفة عن الوحدة في أماكن كسورية والعراق. هناك، الأنظمة ذات القومية العربية قبعت سابقاً على كاهل مجتمعات مقسمة وفق الاعتبارات الطائفية والعرقية. ولكن، لم تشكل هذه الأنظمة مطلقاً عقوداً اجتماعية اعترفت بهذه الانقسامات وراعتها. عوضاً عن ذلك، فرضت هوية عربية قصرية على الجميع، مما أخفى الشقوق العميقة في المجتمع.

لبنان وحده في المنطقة الذي ميز انقساماته الطائفية وشكل اتفاقاً لأخذها بعين الاعتبار. لقد كان الميثاق الوطني لعام 1943 بعيداً كل البعد عن المثالية، ولكنه لم يكن تشكيلاً مصطنعاً يزعم الوحدة في بلد يدعي أنه جزء من أمة عربية كبرى. إن اتفاق تشارك السلطة المعترف بها في لبنان قد تعود جذوره إلى منصبي القائم مقام في عام 1842 ومن ثم إلى المتصرفية التي أنشأت في عام 1861. مع كل إخفاقاته، مثل النظام الطائفي انعكاساً دقيقاً نسبياً، نتيجة للتطورات السياسية في القرنين التاسع عشر والعشرين، وبغض النظر عن كل ما يقوله خصوم الطائفية العنيدون.

وبشكل متناقض، فإن قوات لبنان المتفرقة قد تشكل تماسكاً ضد تصدع سورية. بكلمات أُخُر، إن اندفاع الجماعات الطائفية المختلفة لتشكيل دويلاتها الخاصة قد يخفف منه على الأرجح واقع أن لبنان في هذا الخصوص يشكل بالفعل اتحاداً كونفدرالياً للطوائف. تدير المجتمعات شؤونها الخاصة بشكل مستقل عن الآخرين. وتبعاً للحرب الأهلية فإن هنالك أيضاً فرقة جغرافية واضحة، لذا فإن المناطق ذات التركز السني والشيعي، ومناطق الموارنة والدروز من السهل الإشارة إليها، حتى إن ضمت كلها أقليات بسيطة من الطوائف الأخرى. في المناطق المدنية، التعايش الطائفي أكثر شيوعاً، إلى حد أن العنف الطائفي قد يكون مدمراً ولكنه لن يكون حاسماً.

من وجهة نظر اقتصادية، قد يشكل تقسيم لبنان تحديات هائلة للدويلات اللاحقة. فإنها لن تحقق الاكتفاء الذاتي، ولا حتى المجتمعات، فمع كل خلافاتها، لم تعتد على العيش منفصلة عن بعضها. إن التفاعل الطائفي، لأسباب ثقافية وتجارية واجتماعية وحتى سياسية، راسخ في المجتمع ولا يمكن أن ينقض بعقود مصطنعة.

ولكن لا يجب التسليم بالثقة الزائدة. كي يتمكن لبنان من تحمل تقسيم سورية، كما قاوم التقسيم خلال حربه الأهلية الخاصة، على المجتمع أن يؤكد باستمرار على مبادئ التعايش الطائفي وتجنب استخدام النظام السياسي كوسيلة لتحقيق أجندات حزبية. كما بينت البوسنة وسورية والعراق، فإن الانفصال في الدول المختلطة يقود دوماً لعنف أوسع بينما يحاول كل مجتمع اقتطاع منطقة "نقية" لنفسه. وتستمر التبعات المفجعة بشكل ثابت تقريباً لعقود من الزمن.

على حزب الله أيضاً أن يكون حذراً. لقد خرق تقريباً كل قواعد اللعبة الطائفية خلال العقد الماضي، نفر المجتمع السني بشكل لا يمكن ترميمه. في الوقت ذاته يعلم الحزب أن الحرب الطائفية في لبنان ستدمر الجميع، وأن أي طموحات لديه للسيطرة على البلاد بأكملها ما هي إلا محض أوهام.

الرياح التي تهب من سورية لازالت ستعصف بنا، ولكن افتراض أن لبنان هو التالي يعد مبالغة بتقدير الأمور على الأرجح.

تعليقات