إيران الغائب الحاضر في الحرب على داعش

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

16/9/2014
العربي الجديد

لا يبدو أنه سيكون لإيران حظ في الحرب الدولية التي تعتزم الولايات المتحدة، وحلفاؤها، شنها على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، فلقد أعلن وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، وفي ختام زيارته أنقرة، أنه من المستبعد دعوة إيران لمؤتمر باريس المقبل، لوضع آلية مواجهة داعش، مبيناً أن إيران متورطة في دعمها نظام بشار الأسد، وبالتالي، إن دعوتها غير منطقية.

الاستبعاد الأميركي لإيران قابله، في الوقت نفسه، رفض إيراني وتشكيك بهذا التحالف الدولي، حيث أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن التحالف الدولي، الآخذ في التشكل ضد تنظيم "الدولة الإسلامية"، تكتنفه نقاط غموض شديدة. وقالت المتحدثة باسم الخارجية، مرضية أفخم، في حديث نقله التلفزيون الإيراني: إن "ما يسمى التحالف الدولي لمحاربة جماعة الدولة الإسلامية تكتنفه نقاط غموض شديدة، وهناك شكوك قوية في عزمه على التصدي بإخلاص للأسباب الجذرية للإرهاب".

الحرب الدولية على داعش باتت أمراً مقلقاً لإيران، فطهران تدرك جيداً أن الولايات المتحدة لا ترمي فقط القضاء على هذا التنظيم، فوفقاً لإحصائيات الاستخبارات الأميركية، لا يتجاوز عدد مقاتلي داعش 30 ألفاً، منتشرين على مساحة جغرافية تعادل مساحة بريطانيا، وبالتالي، من المفترض أن يكون القضاء على تنظيم بهذا العدد، على الرغم مما يمتلكه من عتاد غنمه من الجيش العراقي، لا يستدعي كل هذا الحشد الدولي. تدرك إيران، أيضاً، أن للولايات المتحدة أجندتها الخاصة، وأن داعش شماعة أميركية، لتنفيذ مخططات على الأرض، ربما ستكون إيران بين أكبر الخاسرين منها.

حليف إيران ، بشار الأسد، من أهم الأهداف التي تعتقد إيران أنها قد تكون هدفاً لضربات دولية، على الرغم من أن الولايات المتحدة، ومعها فرنسا، أكبر الحلفاء الأوروبيين المتحمسين لقتال داعش، لم يصرحا بكلام كثيرٍ عن ذلك، غير أن تسريباتٍ خرجت من دار الرئاسة العراقية أعقبت لقاء الرئيس فؤاد معصوم بالرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، ذكرت أن الأخير أبلغ معصوم بضرورة إبلاغ نظام الأسد أن الضربات الجوية ستطال التنظيم في سورية، أيضاً، من دون أخذ موافقة دمشق، وأن يصل إلى الأسد تحذير مباشر بضرورة عدم التقدم إلى المناطق التي يسيطر عليها التنظيم، لأن ذلك سيعرض قوات الأسد للقصف أسوة بداعش.

الأكيد أن معلومة كهذه وصلت إلى طهران قبل دمشق، الأمر الذي زاد من وتيرة التشكيك الإيراني، وبالتالي، لإيران سبب وجيه للتحفظ على هذا التحالف الدولي والتوجس منه خيفة. بالإضافة إلى ذلك، تخشى إيران أن يكون لدى الولايات المتحدة خارطة طريق جديد لحديقة طهران الخلفية، بغداد، ونظامها السياسي، فواشنطن أدركت، وإن مؤخراً، أن الهدوء لن يعود إلى برميل النفط العالمي، العراق، إلا عبر نظام سياسي أكثر تماسكاً، وهو أمر لا يمكن له أن يتحقق إلا بمشاركة فاعلة لكل الأطياف العراقية، شيعة وسنة وأكراد، وهو أمر يعني بالنسبة إلى طهران، خسارةً كبيرة، قد تصيب تماسكها الداخلي بمقتل، فمعلوم أن إيران تعتاش منذ سنوات على النفوط العراقية، وأيضاً، الأموال العراقية المهربة، وبهما واجهت طهران حصاراً دولياً خانقاً. عملياً، وفي الميدان وعلى الأرض، إيران موجودة وبقوة في الحرب على داعش، وكانت سباقة في خوضها، فمنذ سيطر التنظيم على مدن عراقية كبيرة في العاشر من يونيو/حزيران الماضي، ألقت إيران بكل ثقلها خلف حكومة نوري المالكي السابقة، ودخلت قوات إيرانية، بلغ تعداد بعضها خمسة آلاف مقاتل، للقتال إلى جانب القوات العراقية، وأظهرت صور، بثتها مواقع عراقية، قادة في الحرس الثوري الإيراني، وهي تقاتل في بلدات عراقية.

كما أن لدى إيران نفوذ أكبر مما قد يتخيله بعضهم داخل المؤسسة العسكرية والسياسية العراقية، وهو ما قد يهيئ لها الأرض، لتسد أي فراغ تتركه داعش، بفعل الضربات الأميركية، فمن حيث المنطق، لا يمكن أن تمنع أميركا مثل هذه القوات والميلشيات من التوغل والإمساك بالأرض، فليس لدى واشنطن أية قوة على الأرض، وكل ما تملكه طائرات تنفذ ضرباتٍ جوية، أما الفعل على الأرض فسيكون من نصيب القوات الحكومية المسيطر عليها إيرانياً، وأيضاً الميلشيات الشيعية التي تدين بالولاء المطلق لإيران. في المقابل، إن عملية إرضاء السنة التي تقوم بها الولايات المتحدة بالضغط على رئيس الوزراء العراقي الجديد، حيدر العبادي، ماضية على قدم وساق، وكان آخرها إعلان العبادي وقف قصف المدن السنية، ما يعني أيضاً أن الولايات المتحدة قد تخطط لتقوية شوكة السنة في العراق، بتسليح العشائر لقتال داعش، فواشنطن تعلم أن الحاضنة الشعبية لداعش هي العامل الأكثر قدرة على الحسم في الحرب ضدها، وبالتالي، فإن لزاماً عليها أن تقنع تلك العشائر بمقاتلة التنظيم وطرده، وذلك لن يتحقق إلا عبر ضمانات، وهو ما لمسناه في تصريحات الشيخ علي حاتم السليمان، أمير عشائر الدليم في الأنبار، والذي أعلن عن استعداد العشائر السنية في العراق للقتال ضد داعش.

ولدى إيران، الخائفة والمتوجسة من خطط الولايات المتحدة، القدرة على عرقلة الحرب على هذا التنظيم من خلال أدوات عديدة تملكها، وهو أمر تعلمه واشنطن جيداً، وبالتالي، إن أمر إرضاء إيران قد لا يكون أمراً هيناً، فإيران لاعب ذكي، يدرك جيداً كيف يقتنص الفرص، لتحقيق المكاسب، وهنا، تتداخل المصالح وتتشابك، بطريقة صعبة الانفكاك. لا تريد إيران أن تفتح الباب واسعاً أمام أميركا، لتتصرف في هذه المنطقة، من دون أن يكون لها نصيب من ذلك، وهو ما تسعى إليه تركيا أيضاً، في حين سيبقى أصحاب القضية، في سورية والعراق، آخر الفاعلين في صراع الأجندات الدولية.