إيران تحاول حماية الأسد من الإدانة باستخدام الأسلحة الكيميائية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

12/3/2015
Foreign Policy
المؤلف: 

(ترجمة السورية)

لقد قضت إيران عقوداً وهي تحث العالم على منع استخدام الأسلحة الكيميائية، مستشهدة بالآلاف الذين فقدتهم عندما قام صدام حسين باستخدامها ضد القوات الإيرانية خلال حرب إيران مع العراق، لكن عندما يأتي الأمر إلى سورية، تقوم طهران بكل ما تستطيع لحماية بشار الأسد من المحاولات الغربية لمعاقبته على استخدام الأسلحة المميتة ضد شعبه.

إن الدلالة الأخيرة على استعداد طهران لحماية حليفها كانت يوم الثلاثاء، عندما حاولت إيران صد حركة قامت بها الولايات المتحدة وروسيا لتقديم تصريح بسيط للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية كان سيعبر عن "قلق جدي" حيال الاستخدام المرجح للكلور كسلاح في سورية. كان الإجراء سيقدم أيضاً لمدير المراقبين الضوء الأخضر لتقديم التقارير لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حول تحقيقات وكالته فيما يتعلق باستخدام الكلور في المعارك السورية، وهو ما رفض القيام به إلى الآن.

لطالما سعت سورية وحلفاؤها إلى منع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ــ الذي لديه السلطة لفرض العقوبات والتصريح باستخدام العمل العسكري ضد دولة عضو في الأمم المتحدة ــ من التدخل في شؤونها الداخلية. يوم الجمعة، ومجدداً يوم الأربعاء، اعترض وفد طهران في مقرات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي على التصريحات الروسية والأمريكية، التي حازت على دعم الأعضاء الآخرين للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية البالغ عددهم 39.

في الأحوال العادية، كان ذلك سيكون كافياً لإلغاء الإجراء في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، التي تحاول عادة اتخاذ كل قراراتها بالإجماع، مقدمة لكل دولة تصويتاً فاعلاً، لكن وفي خطوة غير مسبوقة، أجبرت الولايات المتحدة المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية على التصويت علناً على التصريح، مسببة بذلك إبعاد طهران. التصويت الذي تلا جهوداً دبلوماسية مكثفة من قبل الولايات المتحدة وحلفاء هامين، أدى لسحب البساط من تحت الوفد الإيراني، مبيّنين أن طهران لن تكون قادرة على حماية سورية في لاهاي.

ومع ذلك، فإن مقامرة إيران تبيّن دور إيران كالداعم السياسي والعسكري الأهم للأسد، متفوقة على موسكو كالدولة التي يعتمد عليها للحماية الدولية، وقد أشارت أيضاً إلى الصعوبات التي تواجهها الولايات المتحدة في تسخير تحالف دبلوماسي عالمي لمعاقبة الأسد، لما تعتقد واشنطن أنه استخدام مستمر للأسلحة الكيميائية.

إن هذا الجدل يجري في الوقت الذي قد أعلنت فيه منظمة حظر الأسلحة الكيميائية نجاحها في القضاء على معظم برنامج سورية للأسلحة الكيميائية. في تصريح هذا الأسبوع، قال المراقبون إن المجتمع الدولي قد دمر 98 بالمائة من ترسانة سورية المعلنة من الأسلحة الكيميائية، بما فيها مخازن من غاز الخردل وميثيل ديفلورايد – الذي هو مكون هام لغاز الأعصاب السارين – التي تم تدميرها على متن سفينة تابعة للبحرية الأمريكية. في أواخر الشهر الماضي، دمرت سورية منشأة تحت الأرض كانت تحوي سابقاً مصنعاً للأسلحة الكيميائية، وقد كانت هذه هي الأولى من 12 منشأة من المزمع تدميرها. وبينما تبقى الشكوك حيال إن كانت سورية قد خبأت بعض الأسلحة الكيميائية في أماكن سرية، إلا أن الدبلوماسيين وخبراء التحكم بالأسلحة يقولون أن معظم قدرة الأسد على استخدام الأسلحة الكيميائية قد تم إنهاؤها.

على الرغم من مثل هذه الجهود، إلا أن الأسد لازال يجد طرقاً لاستخدام الكيماويات لقتل شعبه، فسلاحه الأحدث هو الكلور، الذي هو عنصر كيميائي صناعي شائع يعرف كمنظف للملابس والمسابح. على العكس من غاز الخردل والسارين، فإن الكلور ليس من المواد المحرمة دولياً، على الرغم من أن استخدامه كسلاح كيميائي محظور باتفاق عام 1993 للأسلحة الكيميائية، مما يمنع التصنيع، والتخزين، واستخدام الأسلحة الكيميائية ومواد تصنيعها. ولكن الكلور ليس مصنفاً على لائحة الاتفاق للمواد المحظورة.

في شهر نيسان الماضي أعلن أحمد أوزومجو المدير العام لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية خططاً لتشكيل مهمة بحث للتحقيق بالتقارير المتعددة التي تقضي باستخدام الأسلحة الكيميائية في المناطق التي يسيطر عليها الثوار في حماة وإدلب وريف دمشق. وقد تعرض محققو منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لهجوم مسلح خلال زيارتهم الوحيدة إلى المنطقة في شهر أيار الماضي، مما جعل إمكانية جمعهم للأدلة على استخدام الكلور من هذه المناطق أمراً مستحيلاً.

ومع ذلك فقد قالت منظمة حظر استخدام الأسلحة الكيميائية إن المقابلات أجريت خارج سورية مع عشرات شهود العيان، وعاملي الطوارئ، والأطباء، والممرضات وقدمت لهم أدلة شاملة على استخدام الكلور على أرض المعركة، وفقاً لأحد التقارير المتعددة التي قدمها الفريق. في تقريرها الثالث، الذي تم إصداره في شهر كانون الأول، توصلت البعثة إلى أنها "واثقة إلى حد كبير بأن الكلور قد استخدم كسلاح".

منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، التي لا تملك أي تفويض لتقرر مسؤولية هجمات الأسلحة الكيميائية، لم تقم بلوم أي من الطرفين لاستخدام الكلور، ولكن المسؤولين الأمريكيين وغيرهم يقولون بأن الأدلة التي جمعها المحققون الدوليون – وخاصة مع واقع أن الغاز السام قد تم إيصاله عبر طائرات الهليكوبتر، التي تستخدمها الحكومة السورية فقط – تشير بإصبع الاتهام مباشرة نحو الأسد.

عملت الولايات المتحدة لأشهر على إقناع أوزومجو كي يقدم رسمياً نتائج تحقيق بعثة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى مجلس أمن الأمم المتحدة، الذي هو الهيكل العالمي الوحيد الذي يملك السلطة لمعاقبة بلد ما على استخدام الأسلحة الكيميائية.

ولكنه تردد، مشيراً إلى غياب التفويض وإلى اعتداد منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وثقتها التامة بعملها، وفقاً لمصادر دبلوماسية. وقد طلبت الولايات المتحدة أيضاً من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، الذي يتلقى التقارير من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، أن يقوم بتحويلها إلى مجلس الأمن، ولكن الولايات المتحدة سحبت ذاك الطلب لاحقاً، وفقاً لمصدر دبلوماسي.

في الثلاثين من شهر كانون الأول، تجاوزت الولايات المتحدة أوزومجو وبان كي مون مع سبع أعضاء آخرين في مجلس الأمن وقدمت ثلاثة تقارير رسميةً من بعثة تحقيق منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى المجلس مع طلب أن تنشر علناً. روسيا، التي حاولت كثيراً حماية سورية من تهديدات مجلس الأمن، اعترضت على هذه الخطوة في اجتماع مغلق في مجلس الأمن بداية الشهر الفائت، ولكن في الأسابيع الأخيرة، اتفقت الولايات المتحدة وروسيا على عرض سيسهل على قائد منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تحويل أي تقارير مستقبلية حول استخدام الكلور إلى المجلس، ولكن هذا لن يؤثر على التقارير الثلاثة التي انتهت بالفعل، ولكنه يعني أن العالم سيكون بإمكانه أن يواجه الأسد في حال استخدم السلاح مجدداً.

مثّل الاتفاق وحدة نادرة بين الولايات المتحدة وروسيا حول سورية، وقد قال الدبلوماسيون الذين يتابعون القضية أنه لا زال من غير الواضح إن كانت روسيا قد دعمت الخطوة كي تزيد من الضغط على سورية لتمتنع عن استخدامها للكلور على أرض المعركة أو أنها أرادت فقط الحد من الخسائر. ربما وبعد فشل موسكو في حجب التقارير عن الدول الخمسة عشر التي في المجلس، أصبحت مساندتها التصريح لترك القرار بيدي أوزومجو، لا للدول الأعضاء، إن أراد مشاركة نتائج تحقيقات منظمته مع المجلس في المستقبل. لكن وحتى إن سلم المراقبون أدلة ظرفية مقنعة تبين أن الأسد قد استخدم الأسلحة الكيميائية، فإن القليل من أعضاء مجلس الأمن يعتقدون بأن موسكو ستكون مستعدة لفرض عقوبات على سورية.

أما بالنسبة للولايات المتحدة فإنها تجد أن المبادرة الأمريكية الروسية المشتركة لإدانة استخدام الكلور وتسهيل تقارير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية حول الهجمات المستقبلية بالأسلحة الكيميائية ترسل إشارة قوية للأسد.

"إن تبني المجلس التنفيذي لهذا القرار يعكس إدراك ضرورة استجابة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لهذا التهديد الأساسي للمعايير الدولية ضد استخدام الأسلحة الكيميائية المنصوص عليها في اتفاقية الأسلحة الكيميائية"، حسبما قال مسؤول من وزارة الخارجية في بريد إلكتروني لـ  Foreign Policy. "لم يكن لبعثة تحقيق منظمة حظر الأسلحة الكيميائية التفويض لتسمية المسؤول عن استخدام الكلور، ولكن لتأكيد وقائع استخدامه، وإن التقارير تتوصل إلى أن الكلور قد استخدم كسلاح، منهجياً ومراراً، ضد ثلاث قرىً معارضة في سورية بين شهري نيسان وآب من عام 2014".

جادل الوفد الإيراني بأن مواجهة سورية باستخدامها للكلور لازال سابقاً لأوانه، ولذا فإنه لن يستطيع دعم الاتفاق الروسي الأمريكي، وقد أخبر حامد بابائي المتحدث باسم الوفد الإيراني إلى الأمم المتحدة Foreign Policy عبر البريد الإلكتروني أن طهران "تعتقد أن الإصرار على تبني القرار من قبل المجلس التنفيذي يخدم ببساطة أهداف دول معينة ولا يعالج الموقف بشكل ملائم".

وسط الجدل الدبلوماسي، عانى السوريون – بشكل مؤلم وقاسٍ – من هجمات الكلور في كافة أنحاء البلاد.

في شهر نيسان الفائت، سمع سكان بلدة كفر زيتا صوت سقوط البراميل المتفجرة من السماء مع صفير حاد، يحاكي صوت هجمة الطائرات النفاثة قبل أن ترتطم بالأرض مع جلجلة مكتومة، ثم انطلقت غيمة من غاز أصفر وأخضر علت مآذن المدينة، وفقاً لبعثة تحقيق منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. كانت هذه هي الهجمة الأولى بالكلور من أصل 17 هجمة روعت القرويين خلال عدة أشهر. خلال ثوان، توفي الحمام والدجاج في الساحات، وتلته الخراف والماعز والعجول بعد دقائق، بينما بقيت الأبقار البالغة لعشر ساعات، وذبلت أوراق الأشجار والنباتات، وقد نجا طفل كان يقف قرب نقطة السقوط من جروح الشظايا المروعة التي تحملها القنابل المعتادة، ولكنه اختنق على أي حال، ولم يكن وحده. قالت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أن 12 شخصاً آخر على الأقل توفوا من هجمات الكلور في ثلاث قرى، بينما أصيب حوالي 480 آخرون.