إيران تعود إلى بيتها متأخرة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

17/12/2015
العرب اللندنية

لن يقتصر عمل التحالف العربي الإسلامي الذي اقترح على تسميته “الناتو السني” على الوقوف في وجه ومحاربة التنظيمات الإرهابية المتطرفة والتي يقف تنظيم داعش في مقدمتها، لكن دوره الحيوي سيمتدّ ليحدّ من الغطرسة والتوسع الإيراني في المنطقة في ظل غياب شبه كامل لأي وجود فعلي قادر على لعب هذا الدور، وخاصة في ظل تواطؤ نظاميْ دمشق وبغداد معها، وانعدام الحيلة بالنسبة للبنانيين بسبب مصادرة القرار اللبناني من قبل ميليشيا حزب الله الإيرانية.

وإذا كان التحالف العربي بقيادة الرياض قد أنجز، تقريباً، ثلاثة أرباع مهمته اليمنية واستطاع تقليم أظافر الحوثيين وإعادتهم إلى حجمهم الطبيعي، الذي اضطرهم للقبول بالمفاوضات التي كانوا يرفضونها ويتعالون عليها، فإن الرياض نفسها مطالبة داخليا وخارجيا بلعب دور مؤثر أيضاً في المنطقة بشكل عام، وألا يقتصر دورها على جوارها الخليجي، وخاصة في ما يتعلق بواحد من أكثر الملفات سخونة وخطورة وهو الملف السوري، والذي كانت الرياض في واجهة المشتغلين فيه، بل وقد حققت مؤخراً خطوات سياسية تحسب لها، بعد أن تمكنت من توحيد المعارضة ضمن كيان واحد دون مسمى محدد، واستطاعت جسر الهوة بين المختلفين، حيث تم تشكيل وفد تفاوضي سيخطو، كما هو مؤمل، خطوات إلى الأمام، في حال بدأ “الناتو السني” عملياته ضد تنظيم داعش، وسواه من التنظيمات الدخيلة على الساحة السورية، والتي يجمع المراقبون على أنها ساهمت في إطالة عمر النظام، وزيادة المعاناة السورية والنزيف المستمر منذ قرابة خمس سنوات.
ولعل قيادة التحالف الجديد لم تضع على جدول أولوياتها ضرب حزب الله والميليشيات الطائفية الأخرى التي تنشط في الساحة السورية، لكن جميع تلك التنظيمات وفي مقدمتها قيادات الحرس الثوري الإيراني تدرك أنها لن تكون قادرة على مواجهة جيش تقف خلفه أربع وثلاثون دولة، وستفضل الانسحاب بصمت من الميدان قبل أن تتكبد خسائر إضافية، وخاصة أنها في الآونة الأخيرة قد تعرضت لخسائر كبيرة، وباعتراف طهران نفسها التي نعت وعبر مواقعها الرسمية عددا من كبار قادتها العاملين في سوريا، وما زال مصير الجنرال قاسم سليماني غير معلوم حتى الآن بعد إصابته الجسيمة في المعارك قبل أسابيع.

ولأن طهران حريصة كل الحرص على عدم الخروج خالية الوفاض من المنطقة، بعد أن فقدت اليمن إلى غير رجعة ربما، وهي تتقبل خسارة سوريا ليس الآن فقط ولكن منذ أن سلمتها لموسكو وتخلت عن الدور الرئيس فيها، فلا بد أنها تفكر الآن في تركيز اهتمامها على العراق، وربما جنوبه فحسب، والذي يبدو أنها قادرة على الاستمرار في إدارة لعبته إلى أجل غير مسمى طالما أن قراره السيادي مرتبط بها وبمرجعيتها الدينية التي تفتي وتقرر وفق ما تشاء قم، وقد أدخلت طهران منذ فترة عشرات الآلاف من مواطنيها بحجة زيارة المقدسات وبشكل فوضوي وعشوائي، دون أن يسجل خروج أولئك الحجاج الذين صادف أن يكونوا جميعهم تقريباً من الشباب، والذين قد يكونون انضموا فعلا للعشرات من الميليشيات العاملة تحت إمرتها، وهو ما لم تتمكن من فعله في سوريا لأسباب جغرافية ليس إلا…

ولا بد أن طهران ستعمل جاهدة على تجنب الاصطدام بالقوات التي سيقوم “الناتو السني” بتشكيلها، لا بسبب خشيتها من سلسلة حروب قد تدوم طويلا، ولكن لقناعتها بأنها لا تستطيع الاعتماد على ما تبقى من قوات عراقية وسورية موالية لها في الميدان، وستكون مضطرة للزج بأبنائها في هذه المعارك، وهو ما سينعكس سلبا على المعادلة الداخلية التي تشير التقارير إلى أنها قاب قوسين أو أدنى من انفجار قد يودي بقرابة خمسة وثلاثين عاماً من سيطرة نظام الملالي على السلطة، وسيكون لزاماً عليها ترتيب بيتها الداخلي المحتقن قبل التفكير بأي مغامرة عسكرية خارجية، وهو ما لا تكلف القيادة الإيرانية نفسها عناء التفكير به، أو حتى مناقشته.

في المحصلة فإن تشكيل هذا التحالف سيؤدي إلى تقليص الدور الإيراني، وإعادة سلطة الولي الفقيه إلى داخل حدود الجمهورية الإسلامية، وقد يعيد تنظيم هذه المنطقة من العالم التي تحولت إلى بؤرة فوضى مفتوحة على كافة الاحتمالات.

تعليقات