إيران تفلت بجريمة القتل

صورة جيفري غولدبيرغ

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

5/1/2015
The Atlantic

(ترجمة السورية )

في مقابلة في أواخر عام 2006، طلبتُ من باراك أوباما الذي كان حينها سيناتوراً أن يتحدث عن تحديات نظرية الردع العقلاني التي فرضتها تصرفات الدول المخالفة.

فكان جواب أوباما: "مهما تريد القول عن السوفييت، إلا أنهم كانوا أساساً محافظين. بينما تدفع الإيديولوجيا والخيال أكثر نظام كوريا الشمالية والإيرانيين".

في بداية هذا العام، سألت أوباما السؤال التالي: "ما هو الأكثر خطورة: التطرف السني أم الشيعي؟"

لقد كان جوابه كاشفاً، وأبدى تغيراً مهماٍ بوجهة نظره للنظام الإيراني. بدأ بقوله، وكما هو متوقع، "أنا لست من المعجبين بالتطرف ككل". ومن ثم جادل – سهواً نوعاً ما – أنه يؤيد التطرف الشيعي، أي النظام في طهران، ووصفه بانه أكثر عقلانية، من الأنصار الأساسيين للتطرف السني.

"لا أعتقد أنك ستستطيع دفعي للاختيار بين هاتين المسألتين"، حسبما قال.

"ما سأقوله هو أنه إن نظرت إلى التصرف الإيراني، فستجد أنهم يسيرون وفق استراتيجية معينة، وليسوا مندفعين. لديهم نظرة عالمية، ويرون مصالحهم، ويستجيبون للتكاليف وللمنافع. وهذا لا يعني القول إنهم ليسوا حكومة دينية تعتنق كل الأفكار التي أجدها مقيتة، لكنهم ليسوا كوريا الشمالية. إنهم بلد كبير وقوي يعتبر نفسه لاعباً مهماً على الساحة العالمية، ولا أعتقد أن لديه رغبة انتحارية، ويستجيب إلى الحوافز. وهذا هو السبب وراء مجيئهم إلى طاولة المفاوضات حول العقوبات".

منذ أن أصبح رئيساً، اعتنق أوباما فكرة أن إيران بالإمكان حثها، وتملقها، والضغط عليها كي تتنازل، وأن وجهة النظر هذه قد ثبتت صحتها مؤقتاً إلى حد ما: العقوبات، بالإضافة إلى تهديد أوباما العسكري المتكرر (على الأقل فيما أعتقد أنا أنه واقعي) أقنع إيران بكبح العديد من جوانب برنامجها النووي مؤقتاً مقابل رفع محدود للعقوبات. ولكن أوباما وشركاءه الدوليين لم ينجحوا بعد بنزع سلاح إيران النووي كلياً.

الاتفاق الموثوق طويل الأمد حيث سيترك إيران دوماً على بعد عام أو أكثر من تحقيق أي تقدم نووي، وهو يعد مهماً للغاية بالنسبة للأمن القومي للولايات المتحدة، ولسلامة وأمن أصدقاء أمريكا في الشرق الأوسط، ولهدف منع الانتشار النووي في المنطقة الأكثر اضطراباً وخطورة في العالم.

خلال العام الماضي، لقد تقارب طرفا المفاوضات الدولية النووية إلى حد ما، وعندما انتهت الجولة الثانية من المحادثات دون تحقيق اتفاق، اتفق كلا الطرفين على الحاجة لتمديدٍ آخر للمفاوضات. وبينما تتجه إيران ومحاوريها للدخول فيما يبدو بأنه عام مصيري لهذه المحادثات، لا يبدو أنه بالإمكان التوصل لاتفاق حقيقي، فإلى الآن، على الأقل، لا يبدو أن الإيرانيين راغبون بتقديم تنازلات حقيقية ضرورية لتحقيق أدنى مطالب الغرب وخاصة إن تبينَ في النهاية عدم إمكانية التوصل لاتفاق.

يستدعينا هذا إلى طرح سؤال آخر: هل الثمن الذي دفعته الولايات المتحدة للتوصل إلى هذا الاتفاق المراوغ الكبير للغاية؟ إن أحد الأوجه الجديرة بالإعجاب في طريقة اتخاذ أوباما لسياسته الخارجية هو قدرته على التركيز على القضايا المحورية مع إهمال ما يعتبره مسائل خارجية. ولكن هذا أيضاً لا يعتبر وجهاً جديراً بالإعجاب في اتخاذه للقرار السياسي، خاصة عندما يتعلق الأمر بدور إيران بدعم نظام الأسد القاتل في سورية.

يتوقع أوباما أن الاتفاق النووي، سيتحقق بطريقة ما، وسيكون مفتاحاً سحرياً لكل القضايا: فإنه يعتقد أن العديد من الأمور الجيدة قد تنتج عن التنازل النووي. في مقابلة في الأسبوع الفائت مع ستيف انسكيب من مؤسسة NPR الإعلامية، بينَ الرئيس أوباما بأن الاتفاق سيساعد إيران على أن تصبح "قوة إقليمية ناجحة للغاية تلتزم أيضاً بالمعايير والقوانين الدولية". وهذا كما قال: "سيكون أمراً جيداً للجميع. سيكون جيداً للولايات المتحدة، وسيكون جيداً للمنطقة، وسيكون جيداً بشكل خاص للشعب الإيراني".

هذه نظرية رائعة، فإنهاء عزلة إيران قد يؤدي إلى تحويل تطرفها إلى اعتدال. ولكن لا توجد الكثير من البراهين التي تدل على أن حكام إيران يتطلعون للانضمام إلى النظام العالمي الذي تحدد معاييره الولايات المتحدة وحلفاؤها. في الواقع، هناك دليل على عكس ذلك تماماً: إيران تبدو مهتمة كالعادة بالهيمنة الإقليمية، وفقاً لشروطها. وقد أوضح قائدها الأعلى، والمقربون منه، مراراً وتكراراً، أنه ليس مهتماً بجعل علاقاته طبيعية مع الولايات المتحدة.

كانت جهود إيران لمد نفوذها عبر الشرق الأوسط الكبير قاسية: فهي تدعم التمرد الشيعي في اليمن والبحرين، وتحاول التلاعب بالسياسات اللبنانية عبر وكيلها حزب الله المتمركز في بيروت، وتتدخل في غزة وضد الحل المطروح لإنشاء دولتين لإنهاء الأزمة الإسرائيلية العربية، وتهديداتها المستمرة بالقضاء على الدولة العضو في الأمم المتحدة، إسرائيل، تُظهر بأن قائد إيران الأعلى، آية الله خامنئي، لديه رؤية مختلفة لإيران عن رؤية أوباما.

ولكن لا شيء يؤكد على طبيعة النظام الإيراني الاستعماري المهيمن أكثر من داعم لنظام الأسد في دمشق. فلولا مساعدة إيران لكان الأسد قد سقط منذ وقت طويل. إن تعداد القتلى في سورية وصل لأكثر من 200,000، ولقد تشرد نصف سكان سورية. هذه الإنجازات القاتمة لنظام الأسد ما كانت لتكون ممكنة دون إيران. لقد شكلت آلاف القوات من حزب الله والحرس الثوري الإيراني والمستشارين بالإضافة إلى الأسلحة الإيرانية، كل الفرق بالنسبة للأسد. كما تصرح دراسة حديثة من قبل مؤسسة الشرق الأوسط:

لم يعد من الدقة أن نصف الحرب في سورية كصراع بين ثوار سورية من جهة وقوات نظام بشار الأسد "التي تدعمها" قوات الحرس الثوري الإيراني وحزب الله والمليشيات العراقية من جهة أخرى. إن المعارك الأهم في سورية – على جبهات مناطق النظام – يتم توجيهها وتنفيذها من قبل الحرس الثوري الإيراني وحزب الله، مع مليشيات أخرى ليست سورية، ومع قيام قوات الأسد بلعب دور داعم أو ثانوي...

لقد كان أحد نتائج هذا التدخل الإيراني الشديد في الحرب في سورية هو تغير طبيعة العلاقات بين النظامين السوري والإيراني. من كونهما حلفاء متبادلي المنفعة سابقاً، إلى أن أصبح النظام الإيراني هو القوة المهيمنة الآن في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام في سورية، وبالإمكان لهذه القوة أن تعتبر قانونياً "قوة محتلة"، وعليها المسؤوليات التي ترافق مثل هذا الدور.

لم يكن هناك جهد مكافئ من قبل خصوم الأسد لمساعدة السوريين الذين كانوا يحاولون الإطاحة به. لقد دعا الرئيس أوباما الأسد للرحيل، ولكنه أبقى الولايات المتحدة جانباً في الأعوام الأولى من حرب سورية الأهلية، لأسباب شرحها مراراً.

اليوم، الولايات المتحدة وحلفاؤها يحاربون ضمن المسرح السوري، لكنهم يحاربون أعداء الأسد، متطرفو "داعش" السنة، وليس الأسد وحلفاءه الإيرانيين. ولكن "داعش" مشكلة مشتقة من الأزمة الأكبر وهي: دون الأسد – ما يعني ذلك، دون إيران –لم يكن هناك في الأصل خلافة "لداعش". "فداعش" هي الأسد وقائد حزب الله حسن نصر الله، وآية الله خامنئي.

إن تمت الإطاحة بالأسد في بداية الحرب الأهلية، لكانت ظهرت على الأرجح حكومة سورية أكثر اعتدالاً وشمولية لتستلم السلطة. الثوار الأوائل، الذين أخافوا نظام الأسد في الصميم، لم يسعوا لبناء خلافة، لقد كانوا يسعون ببساطة لإبعاد نعل الأسد عن رقابهم. كما تعافى نظام الأسد، بمساعدة إيران الثمينة، من الضربات الأولى للثورة، فإن العديد من السوريين السنة، الباحثين عن العون في أي مكان ولم يجدوه بشكل أساس سوى عند المتطرفين، أصبحوا أنفسهم متطرفين. لقد كان هذا رد فعل مفهوم، إن لم يكن مبرراً، للتهديد المميت الذي فُرض عليهم فما رأوه على أنه تهديد شيعي متكاتف.

في بداية هذا العام، وفي نقاش حول استراتيجية إدارة أوباما في الشرق الأوسط، اختصر لي السيناتور جون مكين رأيه عندما انتقد الرئيس لشنّه هجمات على عارض من عوارض الحرب الأهلية السورية، "داعش"، بدلاً عن السبب الرئيس. لقد أخبرني أنه على الولايات المتحدة محاربة نظام الأسد في الوقت نفسه الذي تقوم فيه بمهاجمة الإرهابيين السنة. لقد سألته السؤال التالي: "ألن يقول لك الجنرالات، (أنت تريدنا أن نحارب "داعش"، وتريدنا أن نحارب الأشخاص الذين يقومون بمحاربة "داعش" في الوقت نفسه؟ لِمَ قد نقوم بقصف الأشخاص الذين يقصفون "داعش"؟ سيحول ذلك هذا إلى مواجهة مجنونة".

أجاب مكين: "وظيفتنا الأساسية ليست هزم "داعش" فقط ولكن إعطاء الشعب السوري فرصة للسيادة أيضاً.... إن قمنا بذلك بشكل صحيح، إن قمنا بتدريب وتسليح الجيش السوري الحر بشكل صحيح، بالإضافة إلى الغارات الجوية، وبالإضافة إلى القضاء على مقدرات بشار الأسد الجوية، سيكون بإمكاننا قلب معادلة المعركة".

هناك أسباب أقل اليوم للاعتقاد بأن الجيش السوري الحر، بالحالة التي هو عليها، سيكون قادراً على محاربة نظام الأسد (وداعش) بفعالية. لذا وبهذه المرحلة المتأخرة، قد تكون وصفات مكين السياسية غير واقعية. ولكن تشخيصه للمشكلة الأساسية يبدو صحيحاً للأسف.

"لا أعتقد أن "داعش" كانت ستوجد إن تمت تنحية الأسد منذ عامين أو ثلاثة"، لقد أخبرني مكين هذا عندما استرجع السؤال بداية هذا الشهر. "لقد كان على وشك التنحي حتى جلب الإيرانيون 5,000 مقاتل من حزب الله ومن الحرس الثوري الإيراني، لتدريب قوات الأسد ولتزويدهم بالأسلحة، بما فيها البراميل المتفجرة، التي هي أسلحة فظيعة من أسلحة الحرب".

يجادل مكين بأن إدارة أوباما تفادت مواجهة الأسد تبعاً لخوفها من أن القيام بهذا سينفر رعاة الأسد في طهران، الرجال أنفسهم المسؤولون عن الملف النووي. "تعتمد النظرية كلها على حصول تقدم كبير في المحادثات النووية، وأنهم ما أن يحصلون على اتفاقهم، فإن إيران ستتوقف عن تمويل حماس، وتوقف دعم حزب الله، وتوقف زعزعة اليمن، وستنضم إلينا في محاربة التطرف. لذا فعليهم الحصول على اتفاقية نووية مهما كانت التكاليف، وأن لا يقوموا بشيء في سورية. إن هذا التفكير بعيد المنال جداً، إنه متوهم".

لن أصل إلى حد أن أدعوا أنصار هذه النظرية بالمتوهمين، ولكن دعنا نقول إن نهجهم في معالجة المسألة ليس فاعلاً. وهذا الشهر أخبرني غاري سامور، المسؤول السابق في إدارة أوباما الذي كان مسؤولاً عن ملف إيران النووي في مجلس الأمن القومي، أنه كان ليستخدم الفضح العميق لإيران في سورية لصالح الولايات المتحدة.

"إن مواجهة إيران بقوة في سورية والعراق يزيد من فرص التوصل لاتفاق نووي لأن إيران لن توافق على مطالبنا النووية إلا إن شعرت بأنها ضعيفة"، كتب سامور هذا في بريد إلكتروني. "وبالمقابل، فإن إحساس إيران بأنها تربح في سورية وأنه لا يمكن الاستغناء عنها في العراق يقلل من احتمالات التوصل لاتفاق نووي، لأن القائد الأعلى لن يقدم تنازلات نووية إن شعر بأنه قوي ومتفوق".

هل من الممكن أن يتجه أوباما نحو سياسة لاحتواء إيران في العراق وسورية، وأن يبتعد عن موقفه المهادن؟ لقد طلبت منه الدول العربية التي تعتبر إيران كعدو والولايات المتحدة كصديق مراراً خلال العامين السابقين أن يعامل إيران كسبب أساسي للكارثة السورية. ولكن أوباما يبدو مركزاً فقط على تحقيق اتفاق نووي مع إيران، وهذا يتبع جزئياً لاعتقاده بأن إيران جاهزة للعب دور طرف عقلاني وبنّاء، بدلاً عن طرف هيمنة متطرفة. آمل أن يكون محقاً، وأتمنى أن يحقق اتفاقاً نووياً قوياً، ولكني قلق من أنه يقوي حكومة إيرانية لن تحقق أي تغيير بناء. وأثناء ذلك، فإن النظام الإيراني يستمر بالإفلات، حرفياً، بجريمة القتل.