إيران على عتبة الجولان

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

23/10/2017
المدن

تكثفت الرسائل السياسية، المحمّلة بعمليات ميدانية على التراب السوري، بين إيران وإسرائيل، خلال الأيام القليلة الماضية. وأظهر كل طرف للآخر عزمه على المضي قُدماً في ما يعتزم، رغم التحديات المتوقعة. فيما يبدو أن روسيا عجزت عن تحقيق اختراق نوعي يسمح لها بترتيب العلاقة بين طرفين تتمتع بعلاقات وطيدة معهما، في الشرق الأوسط، ولا تريد أن يُطيح صراعهما بكل ما حققته من إنجازات لصالحها، حتى الآن، في سوريا.

لا نعرف ما الذي دار في كواليس المحادثات التي أجراها وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، في القدس الغربية، قبل أيام. لكن القذائف التي يُعتقد أن قوات النظام ألقتها على الجولان المحتل، يوم السبت، بعيد زيارة غير مسبوقة لرئيس أركان الجيش الإيراني إلى دمشق، تُوحي بأن زيارة المسؤول الروسي إلى إسرائيل، لم تُؤتِ أُكلها.

قبل خمسة أيام فقط، وبالتزامن مع زيارة شويغو إلى إسرائيل، وجهت الطائرات الإسرائيلية ضربة جديدة، شرق دمشق. هذه المرة، أقرت إسرائيل بالضربة، لكنها اتهمت النظام بالمسؤولية عنها، حينما أطلق صاروخاً على طائرة إسرائيلية داخل الأجواء اللبنانية، مما دفع الإسرائيليين إلى تدمير بطارية صواريخ، شرق العاصمة.

ربما كانت هذه الغارة الإسرائيلية بهدف الضغط على وزير الدفاع الروسي، أثناء المحادثات مع المسؤولين الإسرائيليين، والتي تركزت على الشأن السوري. كانت الرسالة الإسرائيلية، كما يبدو،هي "إننا قادرون على تعكير صفو الاستقرار في سوريا، إن لم نصل إلى اتفاق يضمن أمننا في الجنوب السوري".

لكن، ماذا تريد إسرائيل لضمان أمنها في الجنوب السوري؟.. الإعلام الإسرائيلي أجاب، وقال، حسب مصادر عديدة، إن المسؤولين الإسرائيليين طلبوا من وزير الدفاع الروسي، إبعاد الميليشيات الإيرانية وحزب الله عن حدود الجولان إلى مسافة ما بين 10 إلى 15 كلم، بدلاً من 5 كلم، حسبما ينص اتفاق خفض التصعيد المتفق عليه بين الروس والأمريكيين، قبل أشهر. وزعمت بعض المصادر الإسرائيلية أن وزير الدفاع الروسي، وافق على ذلك. لكن بالمقابل، أشارت مصادر إسرائيلية، وبصراحة مباشرة، إلى أن "المنطقة العازلة" التي تطالب بها إسرائيل، لم يتم تنفيذها حتى الآن. وأن المطالبة بتوسيعها، كلام لا معنى له، قبل أن يتم تنفيذها بالفعل على أرض الواقع. بمعنى آخر، روسيا عجزت عن تنفيذ "المنطقة العازلة" التي تطالب بها إسرائيل، حتى الآن.

يُوصف وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، بأنه من أبرز القادة الروس الداعمين لتدخل بلادهم في سوريا، ولخيار دعم نظام الأسد، والتحالف مع إيران. لذلك ربما، قرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إرسال هذه الشخصية بالذات، للتفاوض مع الإسرائيليين لإيجاد اتفاق حول كيفية ترتيب النفوذ الإيراني في سوريا، بطريقة تُرضي الإسرائيليين، خاصة في ظل تفاقم التوتر الإيراني – الأمريكي، الذي لا بد أن للإسرائيليين دوراً كبيراً فيه.

في مطلع أيلول المنصرم، كانت زيارة بنيامين نتنياهو إلى روسيا، ولقاؤه الأخير مع بوتين، فاشلاً للغاية. وقِيل يومها أن الرئيس الروسي ألمح لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بأن تحالفه مع إيران أهم بالنسبة لموسكو، من العلاقة الوطيدة التي تربطها مع إسرائيل. فيما يبدو أن الرد الإسرائيلي جاء من واشنطن، التي فعّل فيها الرئيس الأمريكي حراكه باتجاه الصدام مع الإيرانيين، حينما رفض الإقرار بالتزام إيران بالاتفاق النووي، وأتاح للمؤسسة التشريعية مناقشة الاتفاق خلال الأسابيع القليلة القادمة.

لذا، عادت روسيا أدراجها إلى سياستها التقليدية، التي تقوم على ضمان رضا إسرائيل عن أي ترتيبات في المنطقة المحيطة بها. وكانت زيارة وزير الدفاع الروسي، بهذا الهدف. لكن كيف ستتمكن روسيا من حل معضلة النفوذ الإيراني في سوريا، في ظل تعنت طهران في قبول تقديم أي تنازلات؟!

فالإيرانيون أكدوا أنهم غير مستعدين لتقديم أي تنازلات، بالفعل. وجاءت زيارة أرفع مسؤول عسكري رسمي إيراني، رئيس هيئة الأركان، إلى دمشق، بالتزامن مع زيارة شويغو إلى إسرائيل.

زيارة رئيس هيئة الأركان الإيرانية، تمحورت حول ثلاثة محاور، الأولى، التأكيد على البعد المذهبي للتدخل الإيراني في سوريا، عبر زيارة مرقد السيدة رقية في دمشق، والتلميح في خطاب أمام تجمع لمقاتلين من الميليشيات التابعة لإيران، أن ما يحصل في سوريا اليوم، هو نتيجة تضحيات مقاتلي المليشيات الشيعية دفاعاً عن مراقد "آل البيت". وبالتوازي مع هذا التأكيد، كانت جولة رئيس أركان الجيش الإيراني على مقار عدد من الميليشيات التابعة لإيران، في حلب، تأكيداً على النفوذ الإيراني المليشياوي في سوريا.

لكن، إلى جانب المحورين السابقين، كان محور مستجد، محل تركيز زيارة المسؤول العسكري الإيراني. وهو تعزيز التعاون مع المؤسسة العسكرية الرسمية التابعة للنظام. تلك المؤسسة التي يُعتقد أنها أكثر ميلاً للروس، بحكم الدراسة والتدريب، وبحكم الثقافة. فكانت لقاءات المسؤول العسكري الإيراني، مع قادة جيش النظام، والاتفاق الذي أعلنت عنه دمشق، بين الجيشين الإيراني والسوري، والذي تضمن إشارة واضحة إلى زيادة التعاون على الصعد العسكرية والتكنولوجية والمخابراتية، بين المؤسستين.

هو اتفاق يؤكد سعي إيران لسد ثغرة في نفوذها بسوريا. إذ يبدو النفوذ الإيراني، مليشياوياً، بعيداً عن علاقات متينة مع المؤسسات الرسمية، وتحديداً منها، المؤسسة العسكرية، رغم كل التعاون الذي حصل لسنوات بين هذه المؤسسة وبين مقاتلين شيعة لبنانيين وعراقيين وإيرانيين.

وسريعاً، تُرجم الاتفاق في اليوم التالي، أي يوم السبت، بمقذوفات تُلقى على هضبة الجولان، في رسالة ميدانية إيرانية للإسرائيليين، تقول: "لن يخرجنا أحد من جواركم".

وهكذا، يبدو أن عقدة النفوذ الإيراني في سوريا، وتواجدها الميداني قرب الجزء المحتل من الجولان، وتغلغلها في أوساط المؤسسات الرسمية السورية، بالتوازي مع تدعيم نفوذها الميداني المنفصل عن الدولة السورية، سيكون كل ذلك، محور صراع إقليمي ودولي، قد لا يُتيح في المدى القريب، استقراراً في الميدان السوري.

تعليقات