إيران.. من الوكالة لأمريكا إلى الشراكة معها!

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

6/5/2015
بوابة الشرق
المؤلف: 

تبدو العلاقات الأمريكية الإيرانية واحدة من أعقد وأغرب العلاقات الدولية. ونحن لا نتابع الآن مجرد تغييرات في علاقات البلدين، بل هندسة نظام إقليمي جديد، مختلف كليا عما كان قائما لعقود سبقت. ونحن نتابع عملية تطورية معقدة ستؤدى في نهاية المطاف لإدارة أمريكا للإقليم عبر قوتين إقليميتين (بالوكالة أو الشراكة) هما إيران في جانب، وإسرائيل في جانب آخر، وبينهما كتلة سنية – من اليمن إلى تركيا- واقعة تحت ضغط هائل خلال المرحلة المقبلة.

هي علاقات كانت قد استقرت معادلتها من قبل خلال زمن الشاه. كانت إيران الوكيل الأهم للولايات المتحدة في الإقليم، فيما كانت إسرائيل دولة مشروع محاصر تقاتل جيرانها لفرض وجودها واستمرارها، وفي تلك المرحلة كان القاصي والداني يعلم أن إيران هي الوكيل الأكثر فائدة للولايات المتحدة والأقل نفقة أو الذي يمارس دوره المحدد أمريكيا دون خسائر لا مباشرة ولا غير مباشرة. وإذ جرت تغييرات في داخل إيران غيرت من طبيعة الحكم فيها، حدث اضطراب حقيقي في تلك العلاقات. صحيح أن إيران لم تخرج عن دورها الوظيفي – كمخوف لدول الخليج – بل صارت أشد عدوانية في أداء هذا الدور، غير أنها باتت تبحث عن مصالحها الاستعمارية الخاصة في الإقليم الذي عينتها الولايات المتحدة لحراسته، بما دفع الغرب للصراع معها لإعادتها إلى ذات الدور السابق كوكيل للغرب لا شريك.

وهكذا جرت حالة الصراع بين "الوكالة" وطلب "الشراكة" والضغط لأجلها إيرانيا.. لقد سعت إيران لامتلاك عوامل القوة في داخلها عبر نظامها السياسي ومجمعها الصناعي العسكري وقامت بتطوير علاقاتها الخارجية باتجاه روسيا والصين والهند ودول في أمريكا اللاتينية وفي إفريقيا، والأهم أنها اندفعت لتسيطر على دول عربية بالقوة المسلحة عبر فيالقها التي تطورت قدراتها العسكرية وسط حواضنها الشعبية عبر دروب متعددة.
وقد جاء اندفاعها في محيطها متزامنا مع خلخلة الولايات المتحدة لهذا الإقليم، على قاعدة تسمح لإيران بالتمدد والتوسع. وهكذا انجلت الأوضاع في الإقليم على أوضاع وتوازنات جد مختلفة، فتصورت إيران أنها قاب قوسين أو أدنى من تحقيق وضعية السيطرة على الإقليم وإدارته لحسابها، فإذا بها تجد نفسها بكل ما فعلت، في مواجهة قرار غربي بعدم السماح بالخروج عن دور الوكيل الذي تحدد لها منذ زمن الشاه، فجرى الصراع بين الطرفين.. ضغطت الولايات المتحدة على إيران عبر إستراتيجيات وخطط محددة وصارعت إيران على حلفاء أمريكا- بأطيافهم المختلفة- للحصول على ما أرادت من سيطرة أو شراكة.. وانتهى الأمر إلى المفاوضات لحل الأزمة بين أحلام إيران والقرار الغربي التاريخي بحدود دورها، بما جعل الشراكة بنسب محددة لإيران حلا للأزمة بينهما.
لقد جرى التعاون بين الولايات المتحدة وإيران خلال الحرب على أفغانستان. وقد اعتبرت الولايات المتحدة الدور والجهد الإيراني "مجرد عربون صداقة" ضد عدو مشترك، إذ كان لإيران خطتها في إنهاء وجود طرف إقليمي معاد هو طالبان مع توريط خصمها الأمريكي ليكون بحاجة أعمق لها. وتكرر ذات السيناريو في العراق، فكان الالتقاء والتنسيق أعمق مما جرى في أفغانستان، وهنا تحديدا بات على الولايات المتحدة أن تتعامل مع واقع جديد لإيران، وأمام ضرورات عملية لتغيير الحالة من الوكالة إلى نمط آخر من العلاقات. فحين اندلعت المقاومة العراقية لم تجد الولايات المتحدة أمامها إلا الاعتماد على إيران كمساند لها، تحت المراقبة، حتى لا تتخطى الوكالة إلى السيطرة. وهنا جرت حالة توافق وصراع، إذ استفاد الطرفان من بعضهما البعض لكنهما ظلا مختلفين على حدود الدور وطبيعة المصالح التي تسعى لها إيران والتي تسمح بها الولايات المتحدة. لقد استفادت إيران من الغزو والاحتلال الأمريكي في إطاحة النظام السياسي والعراقي، فيما استفادت أمريكا من الدور الإيراني – الخطير والمدمر- تجاه المقاومة العراقية.

وفي ذلك لم يخرج الطرفان، كلاهما، أبداً عن مواجهة العدو المشترك الذي انتقل تدريجيا وتصاعديا من فكرة مواجهة المقاومة إلى فكرة تدمير السنة العرب، وهنا حصلت إيران على أوراق إضافية دفعتها لمزيد من طلب الشراكة لا الوكالة. وهكذا جرت أحداث سوريا، وخلالها أوضحت الولايات المتحدة مدى احترامها لقواعد وكالة إيران، غير أن الأمر تطور بعد ظهور تنظيم الدولة ووقائع وأحداث اليمن إذ أبرزت إيران مدى قدرتها على العمل كشريك في مواجهة القاعدة على الأقل. صار البلدان في حاجة عملية لتنظيم تلك العلاقة الجديدة في مواثيق واتفاقات. وتلك هي حالة المفاوضات الجارية.
لقد تغيرت العلاقات بين أمريكا وإيران من الوكالة إلى الشراكة عمليا –بطريقة أو بأخرى- وبدى ضروريا ترويض مواقف الآخرين. وإذا نجح البلدان في الوصول إلى صيغة أكبر من الوكالة وأقل من الشراكة الندية يكون النظام الإقليمي الجديد قد استقر – بجناحيه الإيراني والإسرائيلي تحت قيادة أمريكية- وصارت الكتلة السنية محاصرة وواقعة تحت ضغط هائل.. فهل تتحرك الكتلة السنية نحو بناء شراكة وتحالف مضاد؟