إيران والعرب.. القفز على الكتفين

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

16/2/2019
العربي الجديد

في ذكرى أربعين عاماً على الثورة الإيرانية التي تصادف في هذه الآونة، يستحضر المرء تأييداً عارماً نالته هذه الثورة على صعيد شعبي، كما على مستوى النُخب، ولم يقتصر على العالم العربي والإسلامي، بل امتد إلى مختلف أنحاء العالم.

كان مصدر الإعجاب أن الثورة لم تسلك طريق الانقلاب العسكري، وقامت على تحييد الجيش، وجمعت في إهابها مختلف تلاوين المجتمع الإيراني وشرائحه.. وكانت في البال الممارسات التعسفية لجهاز السافاك، والعلاقات مع الدولة العبرية، وسعي الشاه الإمبراطوري إلى أداء دور شرطي المنطقة.

وسرعان ما تكشف أن الإمام الخميني قد انتوى تحكيم رجال الدين بمؤسسات الحكم المختلفة، مع إقصاء متسارع ومنهجي لكل القوى الأخرى، ولمن واكبوا مسيرة الثورة، ومهّدوا لها، مع التشكيك في وطنيتهم وادعاء الصواب السياسي واحتكاره، كما هو دأب الأنظمة الشمولية في شيطنة المنافسين، وكل من لا يمشي على الخط، وصولاً إلى مناصبة العداء للأقليات العرقية والدينية، بمن فيهم مسلمون. وقد تمكّن الخميني من إضفاء لونٍ واحد طبع بطابعه الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وقد ساعدت الحرب مع العراق في تقوية شوكة النظام داخليا، والعسكرة القسرية للمجتمع، عبر إنشاء "الباسيج" والحرس الثوري، وتنصيبهما في موقعٍ متقدّم على المؤسسة العسكرية، على الرغم من أن هذه المؤسسة أسهمت في نجاح الثورة، وحافظت على التماسك الاجتماعي.

ولعقودٍ، لم تكتم الجمهورية الإسلامية مبدأ تصدير الثورة، لكنها تكتمت على المحتوى المذهبي للثورة المقصودة، والذي يقضي بالتأليب، ثم التغليب الطائفي في المجتمعات العربية، وفتح  الباب على مصراعيه أمام أخطر نزاع طائفي بين المسلمين، وهو ما ترعاه الجمهورية الإسلامية حتى يوم الناس هذا. وفي ردّه على الدعوات المتعاظمة إلى وقف التدخلات الإيرانية الفظة، قال نائب قائد الحرس الثوري الإيراني، حسين سلامي، إن بلاده لن تسحب قواتها من المنطقة.

ونقلت وكالة إرنا الإيرانية عن سلامي قوله، خلال تجمع في الذكرى الأربعين للثورة: "لا يمكن أن يطلب منا العدو الرحيل عن المنطقة. هم يجب أن يغادروا، سنساعد أي مسلمٍ في أي مكان في العالم".. وفي واقع الحال، لا يفيد التنافس الإيراني الأميركي العرب بشيء، والمساعدة بالسلاح والمال والإعلام تتجه لبعض المسلمين ضد الأكثرية الإسلامية. ولم تكن هذه التطورات لتخطر ببال أحد، أو يتوقعها من شايعوا الثورة، وهتفوا لها وهم أكثرية العرب.

ومع حلول ذكرى هذا الحدث المفصلي، شهدت العاصمة البولندية مؤتمرا شاركت فيه سبعون دولة، بينها الدولة العبرية، خصصته راعية المؤتمر الولايات المتحدة لحشد الصفوف ضد إيران. وقد اعتبر وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، أن المؤتمر "ولد ميتا."

وللمرء أن يلحظ مستوى التمثيل المنخفض في المؤتمر، وأن يطرح مؤاخذاتٍ أساسية شتى على هذا المحفل (أجملَها مقال في "العربي الجديد" للكاتب "مؤتمر وارسو النظر بعين واحدة" في 26/1/2019)، غير أنه يسترعي الانتباه أن أحداً لم يتجنّد للاحتفال بذكرى الثورة الإيرانية سوى المليشيات والجماعات المسلحة التي ترعاها إيران في المنطقة، مضافا إليها رهطا من المؤلفة قلوبهم.

ولا يتخيّل المرء مشاركة دولٍ تزيد عن عشر دول في عالمنا في مؤتمر إيراني مضاد. والأهم أن شعوب إيران لا تجد في واقعها الراهن، ولا في ذكريات أربعة عقود، ما يثير مشاعر إيجابية تجاه هذه المناسبة.

وبينما تقوم الدعاية الإيرانية الكثيفة على تغطية التغلغل المتسارع في المنطقة على العداء لإسرائيل، فقد دلَت وقائع أخيرة، استغرقت السنوات السبع الأخيرة، على أن إيران ومليشياتها متعددة الجنسيات ليست بصدد مواجهة مع الدولة العبرية، وتتجنب حتى اعتماد مبدأ الدفاع عن النفس في وجه الاعتداءات الإسرائيلية، والتي بلغت زهاء مائتي اعتداء على الأراضي والأجواء السورية، وأن الأولوية للجمهورية الإسلامية ومليشياتها تثبيت السيطرة التوسعية الإيرانية وإدامتها، وتغيير الهندسة الديمغرافية لهذا البلد، وصولاً إلى تغيير هوية سورية.

ويقوم النزاع القائم حاليا بين طهران وتل أبيب على مبدأ التنافس المحموم على من "يحق" له بسط نفوذه في المنطقة، من وراء ظهر الشعوب وعلى حسابها، وعلى الرغم عنها، وكل ما تسعى إليه طهران هو اعتراف الغرب بها قوة إقليمية كبيرة، والتغاضي عن توسّعها، فإذا تحقق هذا الحلم، فإن الاستنكاف عن الرد على العمليات الإسرائيلية، يمكن أن يتطور إلى تفاهماتٍ أكبر وأعمق، يهدأ معها التنافس الإيراني-الإسرائيلي الحالي.

وفي هذا الإطار، تندرج مساعدات عسكرية ومالية لفصائل فلسطينية، إذ كان يمكن النظر إليها بتقدير لو لم تكن مشروطةً بدفع هذه الفصائل إلى الوقوف في صف التغطية على المشروع التوسعي الإيراني في المنطقة، والثناء على طهران في سائر المناسبات، والسكوت على دعمها الانقسام الفلسطيني، وتشكيكها في منظمة التحرير والسلطة الوطنية.

والمشكلة خلالئذ أن طهران، بسياستها التدخلية المتنامية، ونزعتها المذهبية المكشوفة،

"لم يحتفل بذكرى الثورة الإيرانية سوى المليشيات والجماعات المسلحة التي ترعاها إيران في المنطقة" وباستخفافها بشعوب المنطقة ودولها على السواء، قد أسهمت في توليد واقع جديد ومُركّب، لم يعد فيه الخطر الإسرائيلي يشكل التحدّي الوحيد أمام الأمن الجماعي العربي والإقليمي، إذ نجحت إيران في سياستها هذه، بأن تُضيف تحدياً وجودياً أمام الدول والشعوب، وهو ما مثّل أحد عوامل تراجع مكانة القضية الفلسطينية.

 كما كان سبباً رئيساً إلى جانب أسباب أخرى، في دفع موجة التطبيع العربية مع الاحتلال الإسرائيلي إلى الأمام، ونشوء مفاهيم ورؤى جديدة، مفادها بأن الواقع يفرض أولويات مختلفة على من هم عُرضة للتحدّي الإيراني بصورة مباشرة (الطموحات النووية الإيرانية التي تُضاف إلى النهج التوسعي).

وهكذا، فإن الهتاف للقدس، وتخصيص يوم في السنة لها، وتلفّع المسؤولين الإيرانيين بالكوفية الفلسطينية، لم تسهم في تحسين واقع الصراع مع الاحتلال، منظوراً إليه من خلال البيئة الإقليمية، إذ إن السلوك الإيراني قد أدى إلى تشويش هائل على مركزية الصراع مع الدولة العبرية، وتم إشغال العرب، دولاً وشعوباً، بالتحدّي الإيراني، وهو ما فاقم من الوهن الأصلي لإرادة الصراع، ومنح هذا الوهن ذرائع قوية.

وكحال من يقف أمام خصمه وعدوّه، وسواء كان يقف مكتوف اليدين، أو كان يعتزم التململ والتحرّك، فإن هناك من تسلّل وقفز بقوة من الخلف، وفي الظلام على كتفي الواقف، ما أعاقه فعلياً عن النظر إلى عدوه ومواجهته، أو تذرّع بالانشغال عن عدوه بالسعي إلى تنزيل الطارئ الجاثم على الكتفين. وهذا هو حال الجمهورية الإيرانية التي تجد في اختراق العالم العربي وتطويعه شغلها الشاغل، وجهادها المقدس، وأولويتها الاستراتيجية، سيراً على نهج إمبرياليين معلومين.

ويبقى أن هذه المناسبة تُملي إزجاء التحية الخالصة لشعوب إيران على ثورتها المجيدة ضد الشاه، وتحيتها على كفاحها الراهن ضد الديكتاتورية المتجدّدة في بلادها ونهجها التوسعي في الإقليم.

تعليقات