اتجاهات المشهد السوري وأدواته العسكرية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

14/5/2015
السورية نت

تتجاذب معادلة التغييرات العسكرية في سورية توجيه التهم بين التأثيرات الداخلية والخارجية، فالنظام السوري إذا تعرض لخسائر وفقدان مدن ومواقع عسكرية مهمة وكبرى مثل ادلب وجسر الشغور وغيرها توجه لاتهام الحكومة التركية بأنها هي التي أمدت المعارضة التركية بالدعم اللوجستي والعسكري وأنها أمدت فصائل المعارضة السورية بالصواريخ الحديثة، وأنها ادخلت آلاف المقاتلين إلى سورية، وهذه التهم صدرت عن الأسد شخصياً، بل إن بعضهم ادعى بأن الحكومة التركية أرسلت مقاتلين أتراك ودبابات تركية في معركة ادلب، دون أن يقدم على ذلك دليلاً، وهو أي النظام السوري يعلم بأن التأثيرات الخارجية هي نفسها منذ أربعة سنوات، ولكن ما تغير هو في الداخل السوري، وهو الذي أثر على مجريات الأحداث العسكرية.

فقبل معركة تحرير ادلب من أيدي الجيش الأسدي حصل تشكيل جيش جديد باسم جيش الفتح، وهذا الاتفاق وهذا الجيش جاء باتفاق فصائل سورية معارضة، جاء بقرار داخلي وليس باتفاق دول خارجية، وقد كان ذلك من أهم عوامل الانتصارات الأخيرة، ولكنه لم يكن السبب الرئيس، لأن الأسباب الأخرى كانت حاضرة أيضاً، ومنها أن الأسد فقد الكثيرين من أزلام النظام الأمني والعسكري المقربين منه، وبدأ يواجه رفضاً من الطائفية العلوية بالتجنيد الإجباري في اللاذقية وغيرها، ولم تعد الحكومة الإيرانية مقتنعة بأن الأسد سوف يستطيع القضاء على المعارضة السورية لا عسكرياً ولا سياسياً، وبالتالي فإن إيران أمام خيارات أخرى، فأما أن تواصل دعم الأسد عسكريا بالعتاد والأسلحة والجنود الإيرانيين وهذا استنزاف للاقتصاد الإيراني وسمعة إيران العسكرية، أو دعمه سياسياً وبمقاتلين غير إيرانيين من العرب أو الأفغان أو الصينيين أو أي مرتزقة شيعية من شرق آسيا، الذين يريدون المال ويفتقدون التدريب العسكري والقدرة على القتال، ولا تحركهم إلا حاجتهم للمال والحماسة الطائفية في حراسة الأضرحة المقدسة كما يعتقدون.

ومن التهم التي يوجهها إعلاميو النظام السوري تشكيكهم في الواقع، وإن ما جرى من تغيرات عسكرية في شمال سورية أو جنوبها هي حرب شائعات، وأن هدفها إشاعة قرب سقوط الساحل السوري، ومن ثم انهيار النظام السوري قريباً، ولكن لا دليل على أن مصدر كل الشائعات هي من المعارضة نفسها، فإذا كانت المعارضة تستهدف النظام بالإشاعات فإن ردود إعلام النظام تمارس نفس السياسة الإعلامية والحرب النفسية، ولكن خطأها أنها تنكر الواقع، وتتجاهل وجود وسائل إعلام ووسائل اتصال حرة وعلمية متقدمة تستطيع أن تثبت ما تدعيه من انتصارات، فمعركة الشائعات ليست بالضرورة أن تكون من المعارضة ولا صحيحة، وقد تكون من نفس النظام السوري، وهدفه التغطية على أمور أخرى، مثل الإشاعة عن إصابة علي مملوك وأنه في المستشفى، فهذه إشاعة مصدرها النظام الأسدي، قد تكون متعلقة بالصراعات داخل الدائرة المقربة من عائلة الأسد وتململها.

أما اتهام تزايد الدور التركي في دعم المعارضة في الأشهر الأخيرة، فهو غير صحيح ولا دليل عليه، والدور التركي ليس بارزاً في الساحة السورية الآن بل ومنذ أشهر طويلة، بسبب التناقضات الإقليمية والدولية، وتركيا أعلنت منذ بداية الثورة السورية أنها لن تقوم بأي دور في سوريا منفردة، وحيث أن المجتمع الدولي لم يقوم بواجباته نحو الشعب السوري فإن الحكومة التركية واصلت دعمها الإنساني واستقبال اللاجئين السوريين لحمايتهم من بطش النظام، وكذلك تركت لهم حرية الحركة لحماية أنفسهم وشعبهم داخل سورية بكل الطرق التي يختارونها هم بأنفسهم، وليس من خلال شروط ولا أجندة تركية، وهو ما لم يعجب النظام السوري ولا محوره الإعلامي والعسكري والسياسي، فبقيت تركيا تتعرض للتهم والإساءات منهم، لأنهم ربما كانوا يتوقعون أن تقف تركيا الى جانب القاتل والسفاح، وهذا خطأ في تقديراتهم وسياستهم وتفكيرهم.

والشيء الجديد اليوم هو أن المعارضة هي التي تحقق الانتصارات الكبيرة، وبالرغم من أن المسار الثوري في السنتين الماضيتين كان لصالح النظام السوري في الغالب، بسبب تفرق فصائل المعارضة، وبالأخص بعد دخول تنظيم (داعش) في مقاتلة فصائل المعارضة السورية لصالح الأسد، ولكن التغيرات الداخلية الجديدة على صعيد توحيد فصائل المعارضة قد غير مجريات الواقع العسكري، وكذلك سوف يكون له تأثيره على المتغيرات السياسية الدولية، فروسيا وأمريكا في تقارب لإنهاء الوضع السوري لمصالحهما المتبادلة، وليس بالضرورة أن تكون متوافقة مع مصالح الدول الإقليمية بما فيها الدول العربية أو تركيا أو إيران، فضلاً عن أن تكون لصالح أهداف الثورة السورية الأصلية، ولكن قد تجد تأييداً من ممثلي الشعب السوري طالما ستنهي عصر الأسد ومجازره.

ولعل ذنب تركيا الأكبر أنها دولة حدودية لسورية، فبقدر ما فرض عليها من واجبات أخوية وإنسانية نحو الشعب السوري المظلوم، فقد كانت تركيا في نفس الوقت إحدى بوابات دخول المقاتلين إلى سورية، في حدود تزيد عن تسعمائة (900)كم، لا يمكن ضبطها عسكريا أمام اللاجئين من جهة سوريا، ولا في دخول المقاتلين من كل دول العالم، والذين يأتون إلى تركيا على شكل سواح، وحيث أن تركيا تستقبل أكثر من أربعين (40) مليون سائح سنوياً، ولا تملك جهاز استخبارات عن كل سكان العالم، ولا تمكنها تمييز كل سائح على الحدود التركية إن كان يريد الذهاب إلى سورية أو العراق أو غيرها، فقد بقيت مسألة منع دخول المقاتلين إلى سورية هي مسألة غير منضبطة، مما استدعى من الحكومة التركية أن تطلب من كل  دول العالم إرسال معلومات عن مواطنيها الذين يغادرون بلدانهم وتظن انهم يسافرون إلى تركيا للذهاب إلى سورية أو العراق، وهو ما أصبح يؤتي فوائده في السنة الأخيرة.

لقد كان تقدم حركة الثورة في السنتين الأوليتين ثم تراجعها خلال السنتين الماضيتين ثم عودتها الآن بإنجازات عسكرية مهمة، يمثل دليلاً على أن السياسة التركية ثابتة وواضحة بأنها تدعم خيار الشعب السوري، ولكن بما تسمح به القوانين الدولية، والخلاصة أن التوحد الحاصل الآن للمعارضة هو الذي غير مجرى القتال، فالنقطة التي تحرك ديناميكية الصراع هي العنصر الداخلي وليس العنصر الخارجي فقط، والتوافق الذي حصل في الداخل هو من أبناء الشعب السوري وليس من الخارج بالضرورة، وموقف كل الدول المؤيدة للشعب السوري، وبالأخص تركيا وقطر والسعودية هي نفسها، بينما الجديد في سورية هو توحد المعارضة على جبهات القتال، وأن الأسد بدأ يفقد سيطرته على قواته، وأن الدول الإقليمية التي كانت تدعمه تريد مخرجاً من أزمتها أيضاً، بما فيها العراق وإيران وحزب الله اللبناني، وما روسيا عن ذلك ببعيد.

وإذا وجد من تأثير خارجي محتمل فهو التحول في الموقف العربي والسعودي تحديداً في مواجهة التوسع الإيراني في اليمن عن طريق عاصفة الحزم، وبالأخص أن العاصفة تشارك فيها عشرة دول عربية وإسلامية، وأنها وجدت تأييدا واسعاً في العالم العربي والإسلامي ومن أمريكا وأوروبا، فالانطلاقة العربية الجديدة في عهد الملك سلمان بن عبد العزيز أوجدت رؤية جديدة وأملاً جديدا لدى العرب والسوريين بالقدرة على مواجهة النفوذ الإيراني في سورية والعراق ولبنان وغيرها.

إن الأشهر القادمة ستشهد تغييرات دراماتيكية إيجابية لصالح الشعب السوري ، وعلى ما يبدو أن المعارضة السورية تريد حسم بعض المواقف لصالحها قبل أن تتبلور أفكار دولية متكاملة، سواء في مؤتمر كامب ديفيد أو مؤتمر جنيف 3، أو مسائل متعلقة بمبادرة المبعوث الأممي دي مستورا، التي فشلت في مستواها الأول، أي في الحديث عن وقف إطلاق نار جزئي في حلب أولاً، فقد رفضت المعارضة السورية هذه الخطة واعتبرتها غير متكاملة ولا تضمن نهاية آمنة للشعب السوري، وبقدر ما تحمل انتصارات المعارضة من آمال للشعب السوري، فإنها قد تحمل بعض المخاوف في المستقبل، لأن بعض الحلول الدولية تنظر إلى حل القضية السورية على طريقة حل المسألة البوسنية، التي تشمل فصل القوات العسكرية المتقاتلة ورسم حدودها الجغرافية على أساس عرقي أو قومي أو طائفي، أي أن الحل الدولي القادم قد يحمل رؤية تقسيم سورية لحساب الثقل الدولي، وليس لصالح دول الإقليم، فتركيا وإيران قد تخرج خاسرة من هذه الحلول الدولية.     

تعليقات