اتساع مجازر الأسد وتضيّق أفق الحل السياسي

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

18/8/2015
السورية نت

حسب التوقيت المحلي لآلة الإجرام الأسدية، فإن المجازر مستمرة بلا رادع أو مدين، وبحسب توقيت نيويورك وروسيا فإن خطوات المجتمع الدولي لإيجاد مخرج سياسي للقضية السورية جارية على قدم وساق، لكن "بلا توقعات". بلا توقعات وبكل صراحة، وَصفت الأمم المتحدة ما جرى من محادثات حول جنيف 3 منذ أسابيع عدّة، مثل هذا الوصف ما هو إلا اعتراف دولي صارخ، بأنّ لا حل مجدٍ ولا مجدّ، يلوح في الأفق لإيقاف النزيف السوري.

بمقدار تلك الصراحة، عقب مجزرة دوما، التي راح ضحيتها المئات بين شهيد وجريح ومكلوم وثكلى، ومن قبلها مجازر لا يقوى مقال واحد على تحمّل وزرها، بات من الضرورة، بل من الواجب أيضاً أن نقرّ ونعترف أن لا جدوى من أي حل سياسي في ظل استمرار مجازر الأسد بحق الشعب السوري، وتراخي المجتمع الدولي حيال إيقاف تلك الجرائم، مقابل استمرار الدعم العسكري من قبل النظامين الروسي والإيراني.

فمع كل ما سلف أعلاه، فإن مداخل الحل السياسي تزيد تعقيداً، وتضيق أفقها لدرجة تنذر بانقطاع أسبابها، خصوصاً أن الدعم العسكري من قبل حلفاء الأسد، يترافق مع تحرك دبلوماسي يهدف إلى الالتفاف على بيان جنيف1، وإعادة خفض السقف لبناء آلية جديدة للحل السياسي تستبدل "هيئة الحكم الانتقالي" كاملة الصلاحيات بـ "حكومة وحدة وطنية" يشارك بها المجرم بشار الأسد لمدة محددة، على غرار التجربة اليمنية التي أدت إلى استمرار الحرب والإجرام.

لابد للمجتمع الدولي اليوم، أن يدرك حقيقة أن النظام والقوى الداعمة له هم من يسعون لعرقلة الحل السياسي وإفشاله، وهذا ما سبق وأن أكده المبعوث الأممي إلى سوريا، الأخضر الابراهيمي، والذي حمًل نظام الأسد مسؤولية إفشال جنيف2، إضافة إلى أن تعاطي الأسد مع كل المبادرات الدّاعية للحل السّياسي من مبادرة الجامعة العربية إلى كوفي عنان، ثم الأخضر الإبراهيمي، وأخيراً دي مستورا، يثبت أن النظام يستثمر تلك المبادرات لكسب المزيد من الوقت في سبيل إطالة عمره، ما يسهم أوتوماتيكياً بتحقيق طموح إيران وروسيا بتوسيع نفوذهما في المنطقة، واستعمال الأسد كورقة ضاغطة على الغرب.

كنت قد تفاءلت مسبقاً بإمكانية استشعار جدية جميع الأطراف بإيجاد حل سياسي، من خلال مطالبة الأمم المتحدة باستصدار قرار أممي متوافق عليه، يجرّم جميع الأجانب المقاتلين إلى جانب الأسد من فصائل حزب الله والميليشيات العراقية والأفغانية والإيرانية وغيرها، تماماً كاتفاق الجميع على ضرورة تنفيذ القرارين 2170 و2178 الخاصين بـ "خنق" تنظيم "الدولة الإسلامية"، ووقف تمويلها وتسليحها من دول الجوار، إلا أن مجزرة دوما ضربت بهذا التفاؤل عرض الحائط.

ومع اقتراب ذكرى مجزرة الكيماوي، تستمر آلة القتل الأسدية باجتثاث أرواح السوريين وإرهاق دمائهم دونما رقيب أو حسيب، وتتعاظم الضرورة اليوم لمطالبة مجلس الأمن بتسريع تحديد أسماء المجرمين المسؤولين عن المجزرة، سيّما أن مسؤولياته تستوجب تنفيذ القرار 2209 والقاضي بأن غاز الكلور سلاح كيميائي، وأن استخدامه عسكرياً يعد انتهاكاً للقانون الدولي وخرقاً للقرار 2118، ما يتطلب من مجلس الأمن وبمقتضى القرارين فرض تدابير بموجب الفصل السابع. أما البيان الرئاسي الجديد من مجلس الأمن حول مقترح ديمستورا لتشكيل أربعة مسارات فقد خرج بصورة ضعيفة دون مستوى قرار صادر عن مجلس الأمن يمتلك آلية تنفيذ واضحة.

كما تدعو الضرورة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى فرض حظر جوي، في ظل انعدام أي ملابسات أنَّ الطرف السّوري الأوحد الذي يقصف جوياً هو النظام، وأن الغالبية العظمى من ضحايا الضربات الجوية هم من المدنيين، وحيث أن المجتمع الدولي يبدو غير داعم لهذا المطلب الوطني فإنه ينبغي على كافة الفصائل والتجمعات السياسية السورية الالتفاف حول الخطة التركية لتأسيس منطقة آمنة وحماية النازحين فيها وتأسيس برامج إعادة توطين اللاجئين الراغبين في العودة.

في حال لم يتحقق ذلك، فإن التعويل على جدية الأطراف جميعاً بفرض حل -أياً كان نوعه-نوع من المهاترة وإضاعة الوقت الذي يدفع ثمنه السوريون دماً، مع استمرار إجرام النظام بدعم صارخ وصريح من قبل شركائه وحلفائه الإيرانيين، سواءً بالمقاتلين أو بالسلاح الجوي، وما يترتب على ذلك من مسؤوليات جنائية دولية على النظام الإيراني.

في ضوء كل ذلك، فإن المعطيات المتغيرة والمتسارعة للواقع السوري العسكري والسياسي، تستوجب من الجميع الالتفاف حول مبادئ الثورة وفصائل الثوار في الدّاخل، كما تفرض بالوقت نفسه على تلك الفصائل توحيد جهودها في العمل العسكري وتجاوز خلافاتها بما يقدمها كقوة وطنية قادرة على تحمل مسؤوليات المرحلة، خصوصاً وسط المخطط الإيراني الساعي للسيطرة على حزام مدينة دمشق، وما يفرضه من جهد مضاعف للوقوف بوجهه.

تعليقات