اتفاق إدلب.. السياسة استمراراً للحرب

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

2018-09-24
العربي الجديد
المؤلف: 

عشرة أيام فصلت قمة طهران الثلاثية بين رؤساء إيران وروسيا وتركيا (7 سبتمبر/ أيلول) عن اتفاق سوتشي الثنائي بين رئيسي روسيا وتركيا (17 سبتمبر/ أيلول).

وفي غضونها، تبدّل الموقف الروسي، من موقفٍ مشترك مع إيران يرفض أي دعوةٍ إلى وقف إطلاق النار، ويرفض إعطاء مزيدٍ من الوقت للتوصل إلى تسويةٍ سياسية، ويصرّ على إنهاء وجود الفصائل المسلحة وعودة إدلب إلى سيطرة النظام السوري، قبل البحث في أي حلٍّ سياسي للصراع في سورية، تبدّل إلى موقفٍ يقول إنه ليس هناك عملية عسكرية على إدلب، إنما منطقة عازلة بعرض 15 إلى 20 كم، ستكون من حساب المنطقة الخارجة عن سيطرة نظام الأسد، تسحب منها الأسلحة الثقيلة، وتطرد منها المنظمات المتفق على أنها إرهابية (جبهة النصرة تحديدا)، وتراقب تركيا هذا الحزام من جهة فصائل المعارضة المسلحة، فيما تراقبه روسيا من الجهة الأخرى. 

رحبت جميع الأطراف المنخرطة في الصراع السوري، داخلية وخارجية، باتفاق سوتشي بين الرئيسين، الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان، بشأن إدلب، ومنها نظام الأسد الذي لا يمتلك أن يعارض الاتفاق. ولذلك وجد نفسه مرغماً على الترحيب به، ذلك أن معركة إدلب بدون الشريك الروسي غير ممكنة، كما أن إيران انحنت أمام ما لا تستطيع ردّه، وتحولت لغتها العسكرية الحاسمة في قمة طهران إلى لغة إنسانية حريصة على المدنيين بعد اتفاق سوتشي. من طبيعة الأمور أن قبول هذين الطرفين بالاتفاق مسكونٌ بعدم الرضى، ويحمل بذور تخريبه والانقلاب عليه، حين تصبح الظروف مناسبة. 

يمكن فهم التبدل في الموقف الروسي بالاستناد إلى عدة عناصر، أولها إدراك روسيا أن كسب معركة إدلب سيكون مكلفاً للغاية، وربما غير ممكن، من دون التعاون التركي. استنتج الروس هذا الدرس من معركة حلب الشرقية في نهاية عام 2016، التي كان التخلي التركي عنصراً حاسماً في كسبها. 

لا ينبع اتفاق سوتشي هذا مما يقال إن تركيا أثمن من إدلب في الحسابات الروسية. في الواقع ليست المعادلة اليوم، بالنسبة للروس، إدلب مقابل تركيا، وليس ما دفع الروس إلى إبرام الاتفاق هو الحرص على عدم خسارة تركيا إذا تم الدخول إلى إدلب. لا شك أن روسيا حريصة على كسب تركيا، لكنها حريصة أكثر على أن تكسب نفسها، حين تنجح في المهمة السورية التي انخرطت فيها، والمهمة هي الحفاظ على النفوذ الروسي في سورية من خلال الحفاظ على نظام الأسد.

تبيّن أخيرا، إثر الغارة الإسرائيلية على اللاذقية في 17 سيبتمبر/ أيلول (بتاريخ توقيع الاتفاق نفسه) وسقوط طائرة روسية (إيليوشن 20)، ومصرع الجنود الروس الخمسة عشر الذين كانوا على متنها، أن الخط الأحمر الذي وضعته روسيا لإسرائيل، فيما يخص الساحة السورية، هو أن لا تتعرّض الهجمات الإسرائيلية للقوات الروسية في سورية، وأن لا تؤدي إلى إسقاط نظام الأسد. 

ما دفع الروس إلى التراجع عن التشدد المعلن في قمة طهران (7 سبتمبر/ أيلول)، إدراكهم أن الدخول إلى إدلب مكلف وغير مضمون من دون تركيا. من هذا المنظور، يمكن فهم التشدّد الروسي في قمة طهران، واصطفافها التام مع موقف إيران، على أنه محاولة ضغط على الموقف التركي للتوصل إلى تعاون تركي في موضوع إدلب.

لم تفلح القمة في ذلك، بل على العكس، دفعت تركيا التي تخشى موجات هجرة جديدة، وتخشى خسارة أوراق قوتها في الشأن السوري، إلى اعتماد سياسة مضادّة تقوم على استعراض الدعم الشعبي، من خلال مظاهرات الأهالي في المنطقة، ورفع العلم التركي في غير مكان، إضافة إلى تعزيز نقاط المراقبة التركية (الحديث عن وجود 23 ألف جندي) وتزويد الفصائل الإسلامية (المقدّر عددها بحوالي 30 ألفا) بأسلحة نوعية، من ضمنها مضادّات طيران، واعتبار إدلب "جزءا من الأمن القومي التركي". 

ساهم في رسم التحول الروسي، إضافة إلى المعاندة التركية، موقف الاتحاد الأوروبي الضاغط على روسيا لمنع وقوع كارثة إنسانية تولد موجات هجرةٍ جديدة، والموقف الأميركي الذي تجلى في النشاط في مجلس الأمن، من خلال دعوتها إلى اجتماعات مخصّصة لموضوع إدلب، والتحذيرات الأميركية بالاستعداد لرد عسكري، ليس فقط على الهجمات الكيماوية، بل وعلى المجازر "التقليدية"، وما رافق ذلك من تحرّكات ميدانية، تمثلت بحشد قطع بحرية أميركية وفرنسية وبريطانية في البحر المتوسط قبالة الشواطئ السورية. 

يبقى، مع ذلك، اتفاق سوتشي من المنظور الروسي مجرّد خطوةٍ باتجاه استعادة إدلب، وهذا ما لا يخفيه إعلام نظام الأسد في شرحه قبوله الاتفاق، وهو ما تشير إليه أيضاً بعض الصحف الروسية، مثل نيزافيسمايا غازيتا التي وصلت، بعد الاتفاق، إلى حد إعلان أكتوبر/ تشرين الثاني موعدا لبدء عملية عسكرية في إدلب.

غير أن الأهم من الإعلام الذي يمكن أن يضرب في كل الاتجاهات حقيقة أن الاتفاق يعزل إدلب فعلياً من الناحية العسكرية، حيث يغلق كل جبهاتها مع قوات نظام الأسد، وتتحول إلى منطقة مغلقة مليئة بالفصائل المتنافسة، الأمر الذي يرشحها لموجة اقتتال داخلي، سيكون فتيله البدء باستئصال جبهة النصرة، وسوف تتفرّع خطوط الإنقسام فيه على خطوط الولاءات السياسية المتعدّدة التي من ضمنها ولاء فصائل عسكرية تحت اسم "المقاومة الشعبية" لنظام الأسد.

أي إن الداخل الإدلبي سيكون، بعد أن بات مغلقاً بفعل الاتفاق، بؤرة صراعات عسكرية تغذّيها أطراف عديدة، سيكون منها نظام الأسد وإيران في الطليعة. صارت كرة النار اليوم، بموجب الاتفاق، في حضن تركيا التي أخذت على عاتقها مهمة التخلص من المنظمات الإرهابية. 

فضلاً عن حقيقة تربّص إيران ونظام الأسد بهذا الاتفاق، وعن حقيقة أن داخل إدلب سيكون مسرحاً للعبث المسلح الذي سوف يرهق تركيا، فإن هذا الاتفاق، في أساسه، مؤقت، وخروجه من حالته المؤقتة يكون في أحد اتجاهين متعارضيْن، ومحل صراع سياسي وعسكري: إما باتجاه العودة إلى سيطرة نظام الأسد، كما يريد التحالف الثلاثي (الأسد، إيران، روسيا)، أو باتجاه تكريس سيطرة تركية دائمة، سواء بالضم، على غرار لواء اسكندرون، أو بالبقاء منطقةً لها وضع خاص بحماية تركية، مثل شمال قبرص. 

الشروط السياسية الدولية، والاتفاق المذكور الذي يتضمن وحدة الأراضي السورية ودخول النظام إلى إدلب رمزياً في مرحلةٍ لاحقةٍ منه، تدفع باتجاه المسار الأول. ويدفع باتجاه المسار الثاني الإرادة الشعبية في المنطقة، والشهية التركية المفتوحة دائماً على الشمال السوري. من الراجح أن يتحرّك الصراع المقبل في سورية على هذا المحور.