اجتماعات فيينا: هل تمثل إطاراً جدياً لحل المسألة السورية؟

المواد المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

 

بعد ثلاثة أسابيع فقط على التدخل العسكري الروسي، تحرّك المسار السياسي المجمّد في المسألة السوريّة منذ فشل مؤتمر "جنيف 2" مطلع عام 2014؛ فقد شهدت العاصمة النمساوية فيينا في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2015 اجتماعاً يعدّ الأول الذي يجمع الدول الأربع الفاعلة في المسألة السورية، وهي: الولايات المتحدة وروسيا والسعودية وتركيا. وأسفر هذا الاجتماع، الذي فشل أطرافه في التوصل إلى اتفاق حول بعض القضايا الأكثر استعصاءً وعلى رأسها مصير رئيس النظام السوري بشار الأسد، عن توافقٍ على عقد اجتماعٍ موسعٍ آخر في فيينا في 30 أكتوبر 2015 يضمّ جميع الدول الفاعلة أو ذات العلاقة بالمسألة السوريّة، بما فيها إيران. كما تمّ التوصّل إلى بيانٍ من تسع نقاطٍ عدّه بعضهم تطوراً مهماً باتجاه ظهور إجماعٍ دولي وإقليمي على أسس الحل السياسي، فيما عدّه آخرون غير ذي قيمةٍ لأنه لم يتمكن من حسم مصير الأسد؛ إذ جرى تأجيل البحث في شأنه إلى اجتماعٍ ثالث يعقد في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الجاري.

تنشيط المسار السياسي

مع التصعيد الميداني الذي رافق الاحتلال العسكري الروسي في سورية، ازدادت المخاوف من تداعيات تحوّل المسألة السورية إلى صراع إرادات إقليمي ودولي قد يخرج عن نطاق السيطرة مع تعدّد الفاعلين من دول وتنظيمات وميليشيات. فالغطاء الجوي الروسي الداعم لنظام الأسد والميليشيات التي تقاتل إلى جانبه ذات الإدارة والإرادة الإيرانية، قابلهما زيادة في مستوى الدعم العسكري لقوات المعارضة على الأرض؛ ما أفشل الخطط الروسية في استعادة نقاط استراتيجية في جبهات الشمال الغربي أو في محيط العاصمة دمشق. وكانت معارك ريف حماة التي اندلعت بعد أسبوع فقط من التدخل العسكري الروسي واستخدمت فيها صواريخ تاو (الأميركية الصنع) المضادة للدبابات على نطاق واسع أبرز دليل على مدى إصرار المعارضة السورية والدول الداعمة لها على إفشال أهداف موسكو الرامية إلى فرض معادلات ميدانية جديدة وحلٍ سياسي يبنى عليها. وهكذا اختزل أثر التدخل الروسي في هدفه الأصلي وهو إنقاذ النظام من السقوط.

وربما دفعت خشية موسكو أيضاً من الانجرار إلى حرب استنزاف غير واضحة الأفق في سورية نحو تحريك مسار التسوية، في وقت بدأ فيه الرئيس الروسي بوتين السعي لإظهار مدى النفوذ الذي بات يتمتع به في الشأن السوري نتيجة وجوده عسكرياً في قلب المشهد. وقد اتضح ذلك من الطريقة التي استدعى بها بوتين الأسد إلى موسكو لاطلاعه على أفكاره حول التسوية قبل أيام من اجتماع فيينا الرباعي.

تفاعلات اجتماع فيينا الموسّع

اتضحت خلال اجتماع فيينا الأخير ملامح جديدة لتفاعلات المشهد السوري، يمكن إجمالها بالآتي:

· في ظل غياب أي طرفٍ سوري عن اجتماعات فيينا، سواء من النظام أو المعارضة، بدا واضحاً أنّ الحلّ لم يعد في متناول السوريين، بل أصبح شاناً إقليمياً ودولياً. ويُرجّح أن ينتج هذا الحلّ، من توافق إرادات بين المحورين اللذين تكرّس وجودهما خلال الاجتماع. ويضم المحور الأول السعودية وتركيا وقطر، ويصرّ على وثيقة "جنيف 1" كإطار وحيد للحل، وعلى تسوية "عادلة" تفضي إلى هيئة أو إدارة انتقالية تقصي الأسد من المشهد السياسي ومن مستقبل سورية، وتبدأ بإعادة الإعمار. ويضم الثاني كل من روسيا وإيران، ويقترح وقفاً لإطلاق النار، ومفاوضات تفضي إلى حكومة تضم النظام وشخصيات معارضة تتولى إجراء انتخابات برلمانية، وأخرى رئاسية تضمن للأسد الترشّح فيها.

· اضطلعت الولايات المتحدة خلال اجتماع "فيينا 2" بدور "الوسيط" بين المحوريين السابقين. وبخلاف موقفها المعلن، نأت بنفسها عن السجالات أو ممارسة الضغط على روسيا لإقناعها إبداء مرونة تجاه القضايا الخلافية. وعلى المنوال ذاته، سارت أغلبية الدول العربية المشاركة.

·  تمكّن حلفاء المعارضة من انتزاع تنازلٍ مهم في فيينا؛ إذ نص البيان الختامي الذي وقع عليه ممثلون عن سبع عشرة دولة على تسع نقاط، كان أبرزها الاتفاق على إجراء انتخابات "بإشراف الأمم المتحدة"، على أن يكون لكلّ السوريين، في الداخل والخارج، حقّ المشاركة فيها. وقد أثار هذا البند قلق النظام بعد أن وافق عليه أبرز حلفائه؛ أي روسيا وإيران والصين، الذين كانوا من الدول الموقعة على البيان، لأنّ مشاركة الأغلبية العظمى من السوريين الموجودين في الخارج في الانتخابات سوف تساهم في ترجيح كفة المعارضة إذا جرى الاتفاق على إجراء انتخابات.

· أظهر اجتماع فيينا مواقف أوروبية (فرنسا، وبريطانيا، وألمانيا) أكثر حدّة تجاه التدخل العسكري الروسي مقارنة بمواقفها السابقة، أو بالموقف الأميركي التي اعتادت الدول الأوروبية السير على خطاه. ويعود ذلك إلى اقتناعٍ أوروبي بأنّ غارات موسكو لا تستهدف تنظيم الدولة، ولن تساهم إلا في إطالة أمد الصراع، وتدفق موجات جديدة من اللاجئين السوريين إلى أوروبا.

عودة إلى فيينا من بوابة حلب

بالتوازي مع المسار السياسي في فيينا، استمر حلفاء النظام في محاولة تحسين مواقعهم التفاوضية قبل العودة للاجتماع مجدداً منتصف هذا الشهر؛ وذلك عبر التصعيد ميدانياً في حلب. ويعدّ ازدياد عدد القتلى من الضباط الإيرانيين وعناصر الحرس الثوري في ريف حلب الجنوبي مؤشراً على شدة المعارك وضراوتها، واندفاع طهران وموسكو لتحقيق حسم عسكري في المحافظة بأي ثمن للاستفادة من الواقع الميداني الجديد وفرض رؤيتهما للحل في فيينا.

وقد أكسب الفوز الكبير الذي حققه حزب العدالة والتنميّة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة فصائل المعارضة في إدلب وريف حماة الشمالي زخماً معنوياً وسياسياً دفعها إلى البدء بهجوم مضادّ ألحق خسائر كبيرة بقوات النظام، وأجبرها على الانسحاب من مواقع عديدة سيطرت عليها خلال أكتوبر/تشرين الأول الماضي مستفيدة من دعم ناري كبير قدمته روسيا عبر الجو والبحر.

أخيراً، تواجه الدول الرئيسة الداعمة للمعارضة تحديات بسبب محاولة روسيا وإيران زجّ مزيد من القوات لتغيير الوقائع على الأرض استباقاً للتسوية المحتملة، وكذلك بسبب "حيادية" الإدارة الأميركيّة ونزوعها لقبول أي حل يتماشى مع سياساتها في سورية وحربها ضد تنظيم الدولة؛ وهو ما يمنح روسيا وإيران هامش مناورة أكبر خلال جولات التفاوض القادمة.

وحتى لا تصبح المفاوضات غطاءً سياسياً لاستمرار العمليات العسكرية الروسية والإيرانية في سورية، لا بدّ من التوافق على نقاط أوليّة ضرورية أقلها تحييد المدنيين عن القصف خلال مرحلة التفاوض. من جهة أخرى، يبدو جلياً أنّ التدخل العسكري الروسي قد نجح في إحداث تقارب سعودي -تركي كبير، وهو معطى يمكن البناء عليه خاصة بعد فوز حزب العدالة والتنمية، لمساعدة المعارضة السوريّة بشقيها السياسي والعسكري على تنظيم صفوفها وتنسيق جهودها لمواجهة التدخل الروسي -الإيراني. 

تاريخ النشر من المصدر: 
05/ 11/ 2015
المصدر: 
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات