اجتماعات فيينا واستراتيجية روسيا في التحكم في سورية ما بعد الأسد

المواد المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

 

أتى التصعيد الروسي الأخير في سورية كرد فعل وتكتيك سياسي وعسكري لإنقاذ النظام بعد أن توالت خسارته على الأرض، وقُوّض عمل مؤسساته الحكومية لصالح أجهزة الحرس الثوري الإيراني. إن الاستراتيجية الدبلوماسية الروسية تقوم بشكل رئيس على التلميح لاستعداد الروس التخلي عن الأسد نزولاً عند رغبة أطراف عديدة في المجتمع الدولي مقابل تحقيق مكاسب مستدامة تمكّنها من التحكم في مصير سورية ما بعد الأسد.

تسعى روسيا لتحقيق الأهداف الاستراتيجية التالية في سورية:

  1. المحافظة على مؤسسة الجيش السوري ومحاولة إنقاذ استثمارها القديم والكبير في ضباطه وهيكلياته إضافة لعتاده ومنظوماته.
  2. محاربة تنظيم "الدولة" الذي بات يشكل مهدداً حقيقياً لأمنها القومي لكُمونه الكبير في منطقة القوقاز ودول الجوار الروسي الجنوبي.
  3. الحفاظ على منفذها الأخير على البحر الأبيض المتوسط.
  4. التحكم في مستقبل خطوط الطاقة من غاز ونفط في المنطقة التي يُمكن أن تعبُر من الأراضي السورية.
  5. مُزاحمة الولايات المتحدة في إدارة شؤون المشرق العربي وما يترتب عليها من تخفيف الضغوط الاقتصادية عليها بهدف: التخفيف من الحصار الاقتصادي الأوروبي والأمريكي عليها، وإيجاد اتفاق مع الفاعلين الرئيسيين لتحديد سعر النفط عالمياً.

 

فيينا تحت عنوان "محادثات حول السلام في سورية"

بدأت اجتماعات فيينا تحت عنوان "محادثات حول السلام في سورية" بدعوة روسية وأمريكية في الـ 23 من أكتوبر/ تشرين الأول 2015 حضره وزراء خارجية أمريكا وروسيا وتركيا والسعودية، واتفق فيه الحضور على تكثيف الجهود الدبلوماسية لحل القضية السورية وعقد اجتماع دولي موسع يضم كافة الأطراف المؤثرة في الملف السوري بعد أسبوع. وبناءً عليه اجتمعت 17 دولة في الـ 30 من تشرين الأول، وأبرزها قطر، وإيران، وفرنسا، وبريطانيا، ومصر، والأردن، والإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي والمبعوث الدولي استيفان دي مستورا. وتمخض عن الاجتماع وثيقة جديدة باتت تعرف باسم بيان فيينا للسلام في سورية، وتنص الوثيقة المكوّنة من تسع نقاط على ضرورة إيجاد حل سياسي يحافظ على وحدة أراضي سورية وينهي أعمال العنف الدائرة فيها، كما أنها تدعو إلى تسهيل حوار سوري -سوري يفضي إلى نظام سياسي علماني يحمي حقوق جميع السوريين ويحافظ على مؤسسات الدولة السورية ويوحد الجهود "الوطنية" في محاربة الإرهاب. 

اعترت اجتماعات فيينا غياب طرفي الصراع عنه، رغم حرص الدول الموقعة على بيانه الختامي على ضرورة اتكاء الحل السياسي على جهود سورية صرفه، كما أنّه أسس لمنطلق دولي جديد بديل عن بيان جنيف الذي اتخذه المجتمع الدولي قاعدةً لإتمام أي تسوية مستقبلية في سورية منذ عام 2012. وإذ تشير النقطة السابعة في البيان إلى استمرار العمل بموجب بيان جنيف، إلّا أن السلوك الأمريكي والروسي يشيران بشكل واضح إلى تجاوزه لصالح بيان فيينا، ويظهر هذا التوجه بفجاجة في التصريحات الروسية في حين تدعي الولايات المتحدة ومعها الأمم المتحدة أن بيان جنيف لا يزال الهدف المنشود تحقيقه ولكن انطلاقاً من محادثات فيينا هذه المرة. 

أوضح ما ترّشح عن الاجتماع نشوء توجه جديد للفصل في آليات التعامل مع المعارضة على معيار الاعتدال والإرهاب يحدده انصياع الكتائب لرغبة الروس والأمريكان في المشاركة في وقف إطلاق نار شامل وعدمه.

إن نجاح المساعي الروسية في تصنيف المعارضة سينتج عنه بضرورة الحال إلى تفكك قوى المعارضة ومقاومة النظام والاحتلال، وبالنتيجة استقرار الأمر لموسكو وحلفائها في سورية.

 

تطبيق الحل الروسي في الشيشان على سورية

تسعى موسكو لخلق مناخ يشبه إلى حد كبير المناخ الذي أتاح لها التحكم في صيغة الحل النهائي في الشيشان، وذلك من خلال الإجراءات التالية:

  1. تصدير نفسها أمام المجتمع الدولي كمفتاحٍ وراعٍ للحل؛ حيث نجد أن دور أمريكا الوسيط في نقاشات فيينا يشير إلى قبول الإدارة الأمريكية المبدئي لهذه الصيغة.
  2. إعادة بث الروح في مؤسسات الجيش العسكرية وترميمها بغية الاعتماد عليها بشكل كلي في حكم البلاد وضبط مظاهر التسلح. ولذا تسعى روسيا اليوم إلى حل أجهزة الدفاع الوطني واللجان الشعبية للتحكم أولاً في عسكرة المجتمع الموالي. علماً أن الميليشيات غير التابعة لوزارة الدفاع والأجهزة الأمنية الرسمية للنظام يُسيطر عليها حالياً الحرس الثوري الإيراني.
  3. تقديم تصور عن إطلاق المرحلة السياسية وتشكيل هيئة الحكم الانتقالي، ينطلق من إجراء إصلاحات دستورية تضمن التوازن بين الحقوق والالتزامات المترتبة على جميع الجماعات العرقية والطائفية. ويلاحظ غياب الحديث عن الأسد وموقعه في هذا التصور وتركه مسألةً للتفاوض.
  4. استمالة معارضة سياسية وعسكرية حقيقية للنظام، حيث يدرك الروس جيداً أن استراتيجيتهم السابقة في الاتكّاء على هيئة التنسيق الوطنية وتيار بناء الدولة لن تُحقق شرعية شعبية كافية، وبالتالي تسعى موسكو إلى تكوين كتلة حرجة في أوساط المعارضة التقليدية تخلق حالة الشك في أوساط المعارضة وتشرعن تدخلها بالحد الأدنى.

 

سياسات التعامل مع الاستراتيجية الروسية

أثبتت التجربة الحديثة في الثورة السورية أن الطريق الأمثل لتحقيق القدر الأكبر من التماسك يتحقق من خلال الإنجازات العسكرية، وعليه لابد من تحريك جبهة دمشق وريفها إضافة إلى جبهة الساحل وتمكين جبهة حلب الجنوبية.

يجب العمل على إيصال روسيا إلى نتائج التدخل الإيراني السابق نفسها، وذلك خلال الثلاثة أشهر القادمة، حيث ستُواجه في النهاية طريقاً مسدوداً لتجد نفسها حبيسة هوامش تحرك بسيطة. إن الوصول إلى تسوية مع الروس من خلال التفاوض قبل أن تصل لهذه المرحلة خطأ استراتيجي ويُمكّنها من الخروج من المأزق التي وقعت فيه دون تحقيق أهداف الثورة السورية. إن الرد والسياسة المثلى للتعامل معها حتى ذاك الحين يقتضي بالضرورة خلق جبهة داخلية متينة ومنفتحة للجميع تمكن مجموع القوة الوطنية من التعامل مع تحديات المرحلة المقبلة وتساهم في استمرار الدول الداعمة في موقفها الرافض للتدخل الروسي.

 

اقرأ أيضاً: اجتماعات فيينا: هل تمثل إطاراً جدياً لحل المسألة السورية؟

تاريخ النشر من المصدر: 
09/ 11/ 2015
المصدر: 
مركز عمران للدراسات الاستراتيجية