اختباء لسنوات وإيذاء متعمد للنفس... أساليب يلجأ لها سوريون تجبناً للتجنيد الإجباري

شباب سوريون اقتادتهم قوات الأسد للخدمة الاحتياطية بعد توقيفهم على حاجز عسكري في حي المزة بدمشق - فيسبوك
الثلاثاء 25 ديسمبر / كانون الأول 2018

نور عويتي - السورية نت

أجبرت الظروف الاجتماعية والالتزامات المادية والعائلية، العديد من الشبان السوريين على البقاء داخل سوريا رغم المخاطر، مما عرضهم إلى ضغوطات كبيرة خصوصاً تلك المتعلقة بسوقهم للخدمة العسكرية الإلزامية أو الاحتياطية، وفي ذات الوقت اضطرتهم هذه الظروف لاتخاذ قرارات صعبة.  

ومع التضييق الذي يمارسه النظام حول إمكانية تأجيل الخدمة أو الإعفاء منها، يبحث الشباب عن حلول بشكل مستمر للتملص من الخدمة، كالاختباء والتواري عن حواجز النظام ونقاط التفتيش، وعيش الحياة اليومية ضمن بقعة جغرافية صغيرة، بحيث تصبح حياة هؤلاء محدودة للغاية.

وتحدث جمال (41 عاماً) الذي يعيش في مدينة دمشق لـ"السورية نت"، كيف انقلبت حياته رأساً على عقب بسبب اختفائه المستمر عن أعين قوات النظام تجنباً لسحبه بالإجبار إلى الجيش.

وقال جمال إنه "يعيش في سجنه الجغرافي الذي وضع نفسه فيه منذ ثمان سنوات"، وتحدث عن الأسباب التي حالت دون تأجيله للجيش، قائلاً: "على الرغم من وصولي لهذا السن المتقدم إلا أنني لم أدخل إلى الجيش بعد، وكنت حتى سنة 2012 أؤجل سوقي باعتباري المعيل الوحيد. ولكن بعد ذلك بات التأجيل أمراً صعباً للغاية".

وأوضح أنه بعد العام 2014 زاد طلب النظام للسوريين لتجنيدهم إجبارياً في قواته، الأمر الذي خشي منه جمال، وبات تنقله أخطر من ذي قبل، واضطر ألا يغادر المنطقة التي يعيش فيها حالياً في دمشق إلا فيما ندر.

واعتبر جمال أن من حسن حظه أن المنطقة التي يعيش فيها لا تشهد وجوداً مكثفاً لحواجز قوات النظام، حيث تتمركز فقط عند حدود المنطقة، وهو الأمر الذي سمح له بالحياة ضمن بقعة جغرافية ضيقة خلال السنوات الأربعة الماضية، فيما لا يزال الخوف يساوره أثناء تنقله المحدود من أن يصادف أحد "الحواجز الطيارة" لقوات النظام خصوصاً بعد حلول الظلام.

وعندما يضطر إلى مغادرة منطقته يستعين جمال بصديق له يملك بطاقة أمنية تؤهله للمرور على الحواجز دون تفتيش دقيق. وفيما فشلت محاولاته المتكررة بتأجيل الخدمة في جيش النظام، ينتظر جمال مرور عامين إضافيين ليصبح معفى من الخدمة، وقال إنه عندما كان يبرر ضرورة حصوله على تأجيل لإعالة والدته كان يتلقى جواباً من شعب التجنيد بأن "بإمكانه وضع والدته في مأوى العجزة!".

الإعفاء.. أشبه بالمستحيل

ولجأ بعض الشباب السوري للحصول على "إعفاء طبي" في محاولة منهم لتجنب الخدمة العسكرية، أو السماح بإتمام مدة خدمتهم ضمن المؤسسات العسكرية بعيداً عن ميدان المعركة، وهو نوع من الخدمة معروف باسم "الخدمات الثابتة".

إلا أن  الإعفاء من الخدمة منذ بدء الاحتجاجات في سوريا عام 2011، أصبح شبه مستحيل، فاللجنة الطبية التي تفحص الحالة الصحية للشباب تحدد الإصابة وحجم الإعاقة (إن وجدت)، وبالوقت نفسه تحدد المهمة التي من الممكن أن يتولاها المصاب في الجيش.

ولم تشفع للشاب حمدان الصعوبات التي يواجهها أثناء الحركة منذ الولادة، وكان قاب قوسين من أن يُساق إلى القتال في صفوف جيش النظام، قبل أن يجد يضطر لدفع الكثير من الأموال.

وقال حمدا (33 سنة يقيم في لبنان) في تصريح لـ"السورية نت": "عندما بدأت الأحداث في سوريا كنت في السنة الأخيرة من الجامعة، ولم أعطي موضوع سوقي إلى الخدمة العسكرية أي أهمية، لكوني ولدت بساق أطول من ساق مما سبب لي مشاكل في حركتي أثناء المشي، ومن البديهي أن تكون تلك المشكلة كفيلة بإعفائي من الخدمة العسكرية، لعدم قدرتي على التنقل بشكل سليم في الميدان".

لكن عندما بدأ بمعاملة إصدار الإعفاء الطبي، وبعد خضوعه للفحص من قبل فريق طبي خاص بشعبة التجنيد، صُدم حمدان بإصدار قرار بأنه بالفعل لا يستطيع التنقل وحمل السلاح، إلا أنه ذو أهلية تمكنه من الخدمة العسكرية في مجال "التقنيص"، حيث تنحصر مهامه في الجلوس خلف القناص والترقب!.

وأضاف أن ما حدث دفعه "إلى التعامل مع أحد السماسرة، ودفع مبلغاً مالياً للحصول على الإعفاء، فزور تقرير طبي زاد فيه من حجم التشوه ومقداره، ولكن بعد سنة ونصف من حصولي على الإعفاء، تم إبلاغي بمحضر رسمي عن ضرورة إعادة الكشف الطبي في شعبة التجنيد، وذلك ما دفعني إلى السفر بعد يوم واحد من التبليغ إلى لبنان".

إيذاء للنفس!

ويبدو أن الخوف والهستيريا التي أصابت  الشباب من التجنيد الإلزامي، دفعت بعضهم  إلى أذية أنفسهم بشكل متعمد، في محاولة للتملص من الخدمة والحصول على إعفاء طبي، كما فعل الشاب وسيم.

وتحدث وسيم (28 سنة يقيم في تركيا) لـ"السورية نت"، عن محاولة هروبه من الخدمة الإلزامية التي دفعته إلى إيذاء نفسه، وقال: "عندما حان موعد سوقي للخدمة الإلزامية لم يكن لدي أي قدرة مالية للتأجيل أو السفر، غادرت منزل أهلي خوفاً من قدوم قوى الأمن لسوقي إلى العسكرية، وقصدت منزل أحد أقربائي للمكوث فيه لحين أجد حلاً ينجيني من التجنيد".

وأضاف: "في أحد الليالي كان هناك تفتيش مفاجئ، فداهمت قوى الأمن البيوت في المنطقة، وعندما دق باب المنزل ارتعدت خوفاً من فكرة سحبي وما كان مني إلا أن هربت ركضاً إلى سطح المنزل، والذي كان مكوناً من طابقين، ورميت بنفسي من السطح، لعل إصابتي حينها تعفيني من الخدمة".

وتسببت الإصابة بكسر في الحوض وكسر بالساق اليسرى لوسيم، كما أصيب بشعر في جمجمته، لكن كل تلك الإصابات لم تعفيه من الخدمة، "حيث تم نقلي حينها من قبل قوى الأمن إلى المشفى العسكري، الذي بقيت فيه تحت أنظارهم حتى أتعافى ويتم عرضي على لجنتهم الطبية"، وفق قول وسيم.

وأشار إلى أنه ما إن بدأ يتمكن من السير حتى تم نقله للخدمة في حلب، وبعد عام كامل من الخدمة العسكرية استطاع الهرب من جيش النظام والسفر بشكل غير شرعي إلى تركيا.

ويشار إلى أنه على الرغم من قرار "العفو العام" الذي أصدره الأسد في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، والذي تضمن شطب أسماء المطلوبين لخدمة الاحتياط، إلا أن شعب التجنيد أعادت تعميم قوائم جديدة على الحواجز العسكرية، ضمت أسماء ما لا يقل عن 350 ألف شخص مطلوب للاحتياط.

اقرأ أيضاً: "حواجز مليونيرية" في سوريا.. نقاط تفتيش تبتز المدنيين وأحد المبررات تعويض نقص الدعم

المصدر: 
خاص - السورية نت