ازدواجية المعايير.. فرنسا وسوريا نموذجا !

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

12/1/2015
بوابة الشرق

مازال الكثيرون في العالم يسبحون في الأوهام هذه الأيام والتي من المفترض أن يتقدموا فيها على جميع الصعد والمجالات وإن قطع غيرهم أشواطا مديدة في العلم والعمل. والذي يدعو إلى الحزن العميق أن من هؤلاء الكثيرين من يزعم الرقي ونشر التقنية الحديثة إضافة إلى تحقيق ما يسمونه، حسب فهمهم، مبادئ الحرية العامة وحرية التعبير دون أي اكتراث ومبالاة بحقوق البشر أمثالهم، سواء كانت حسية أو معنوية. وهنا ربما كان المس بالحقوق المعنوية أشد فتكا وتأثيرا على حد قول المتنبي:
جراحات السنان لها التئام ولا يلتام ما جرح اللسان
وفي هذا الصدد يأتي تفسير الهجوم المسلح على الجريدة الأسبوعية الفرنسية "شارلي إيبدو" التي تنشر بالكاريكاتير والتقارير الساخرة موضوعات ونكات بغض النظر عن أديان أصحابها.
وقد عرف لدى الصحفيين والمهتمين أنها نشرت في أكثر من مرة رسوما مسيئة للإسلام وللرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، وأثارت ردودا غاضبة في العالم الإسلامي.

ورغم أن قواعد المنطق تقتضي البعد عن كل ما يثير أي حساسية لدى البشر من أصحاب المذاهب والأديان، إلا أن الجريدة استمرت في هذا النهج والنسج السيئ دون أن تلفت نظرها الحكومة الفرنسية ومن يتصدى للنشر في مقابلة مبدأ حرية التعبير وكأنه حق لأناس فقط تجاه آخرين وليس ثمة أي حق لهؤلاء الآخرين تجاه من يسيء إليهم. إلا أننا هنا ننبه إلى شيء مهم وهو أن المواجهة الذميمة اللئيمة باللسان والقلم، يمكن أن تقابلها مواجهة مثلها وبالأسلوب نفسه ضد المعتدين المقاتلين بأفكارهم دون الرمي بالسلاح والقتل. وهذا ما يجب أن ينطبق على كل من يستعمل القمع تحت أي ذريعة، فمثلا ليس من المعقول أن المتظاهرين في سوريا ومصر والعراق واليمن و.... يقابلون بالرصاص الحي ويقتلون ولا نرى أحدا من أهل القرار في المجتمع الدولي يحاسبهم، لأن السفك إنما هو لدم عربي أو إسلامي – وهو رخيص لديهم – وليس لدم غربي أجنبي متميز غال وهو من نوع آخر له قداسته وحرمته! ولا ريب أن الإرهاب بمعناه المؤذي مرفوض ولكن هذا الرفض يجب أن يكون منسحبا على الجميع. ولعل بالمعنى الذي يفهمه المسلمون فإن أشد الإرهاب هو ما ينال من الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، لسبب أو شتم أو..... وعندها يأتي البعض ويريدون تنفيذ الحكم الذي قرأوه في كتب الفقه حول الوقوع في هذه الجريمة.

ولذا فالأصل أن الوقاية خير من العلاج، وأن تدارك الضرر قبل وقوعه أولى من رفعه بعد وقوعه ولذلك تعجب رئيس الوزراء الفرنسي السابق، وقال: تجب معالجة جذور الإرهاب ونفي أسبابه وليس فقط مجرد العقوبة على الفاعلين دون تعمق وتعقل.. نقلت هذا قناة الجزيرة في قطر، فلابد من الخطاب الواعي الذي يحمل العدل في طياته. ويقول الكاتب والناشط اليساري الفرنسي ميشيل فيدو (حفيد الكاتب الفرنسي المشهور جورج فيدو): علينا أن نكون عادلين، إذا كنا ضد الإرهاب ولسنا ضد الإسلام... فما معنى السخرية والاستهزاء من نبي الإسلام محمد؟ وأنا أسأل محرري صحيفة شارلي إيبدو، هل كان النبي محمد إرهابيا؟ كما أحب أن أسأل السيد الرئيس "فرانسوا هولاند"... من الذي بدأ؟ ألسنا من نحن بدأناهم إعلاميا وعسكريا؟!! أولا: بنشر صور مسيئة لنبيهم، وثانيا: أرسلنا طائراتنا لقتل أبنائهم في العراق. هم لم يأتوا إلينا يا سيادة الرئيس، نحن ذهبنا إليهم وعلينا أن نتوقع ردود أفعالهم ونتحمل النتائج، هم يريدون أن يعلموا الفرنسيين حرية التعبير على طريقتهم: علينا أن نقرأ هذا جيدا...!

وتعليقا على هذا الكلام يقول شهيد بولسن المحلل السياسي الأمريكي المسلم: لا تعيدوا كتابة الدين لإرضاء أعدائه، يمكنكم اتباع عقلانيتكم. وإنه عندما يسمح بالتشهير بالرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، ونقبل نحن – باسم حرية التعبير – ونسكت، فلتخبروني لماذا بعد ذلك سوف يأخذون الرسالة التي بعث بها محمد على محمل الجد، ثم يقول: والله والله والله سوف تتحول قلوب الكثير من الناس إلى الإسلام عندما يرون الدفاع عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أكثر مما لو رأوا تغاضي أتباعه عن قذفه والتشهير به! أقول: وقد وجدت نقولات عديدة في جريدة الشرق القطرية أمس، وكذلك بعض الصحف الأخرى والقنوات، أن الأفضل من هذه المظاهرة المليونية التي يشارك فيها زعماء أجانب وعرب أن يعقل الفرنسيون ويقضوا على أصل الداء وليس الوقوف المتحدي وأنهم سيفعلون كل ما يبدو لهم باسم حرية التعبير.

ونحن لا ندري هل هي حرية التفكير أم حرية التكفير التي تقابل ربما بمثلها! فما لم يعرف الإنسان حدوده ويعمل قدر الاستطاعة بالعدل والإنصاف في مواضيع الخلاف، فسيكون جبروتا وطاغوتا غير مقبول للفطرة الإنسانية وسيجر المصائب عليه وعلى سواه، ولذا منع الإسلام الاستبداد وبيَّنَ لنا أن الوطني وأن المقاوم لا يكون مستبدا أبداً، كما صرح بذلك عبد الرحمن الكواكبي في كتابه "طبائع الاستبداد" وأن التعالي على البشر هو عين الدونية ولذا فلا يجوز التعدي أبدا.

وهنا تذكرت العاصفة الثلجية التي ضربت سوريا ولبنان وجزءا من فلسطين وتركيا وكيف عرفنا جميعا كم مات من الأطفال الذين تجمدت أرواحهم وقلوبهم في شرقي عرسال شمال شرق لبنان وفيه ما فيه من المنكوبين النازحين السوريين وكذلك في دوما بريف دمشق وكذلك في حلب وريفها، كيف تجمد شيوخ وعجائز، بل شباب قطعت بهم السبل في الثلوج.
وهكذا قضي الجميع دون رصاص وصواريخ وكيماوي وبراميل متفجرة، الأسلحة التي يستخدمها اللانظام السوري الطائفي ضد المخلوقات وما السبب في تشرد هؤلاء الملايين وقتل بعضهم بالصقيع والبرد القارس، إضافة إلى المجازر والمذابح التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً.