استثنائية من؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

13 نوفمبر/تشرين الثاني 2019
العربي الجديد
المؤلف: 

لا يضيف المرء جديدا، إذا تناول موضوع النفاق الغربي، الأميركي تحديدا، المتصل بدعم الديمقراطية في المنطقة العربية، فجزء من النخب الغربية، في السياسة والأكاديميا والإعلام، ما زالت ترى أن الشعوب العربية والمسلمة غير مهيأة بعد للديمقراطية، لأن الإسلام، دين الغالبية، لا يساعد، بقيمه المحافظة ونصوصه "المُطلقة"، كثيرا في نشوء ثقافةٍ ديمقراطيةٍ، فهو، باعتباره دينا توحيديا، يناهض التعدّدية، ويعارض الخروج على الحاكم، وهو بهذا يبرّر الاستبداد. ولديه، فوق ذلك، مواقف ملتبسة من المرأة، ومفهوم المواطنة، إلى غير ذلك من التبريرات المأخوذة من تفسيرات عن الإسلام، بما يفضي، في النتيجة، إلى أن المنطقة العربية عصية، بصورة استثنائية، على الديمقراطية. ولم تتغير هذه النظرة إلى المنطقة كثيرا بعد الانتفاضات التي شهدها العالم العربي منذ نهاية عام 2010، وتجدّدت هذا العام في غير مكان. على العكس، تكرّست هذه النظرة أكثر نتيجة تحول هذه الانتفاضات إلى صراعاتٍ أهلية، كما في سورية واليمن وليبيا، وإنْ جرى تبريرها، هذه المرة، من بوابة الانقسامات العميقة التي تعيشها المجتمعات العربية، واستثنائية نظمها الاستبدادية، في قابليتها لاستخدام العنف للحفاظ على السلطة (Oriental Despotism). 

مناسبة عودة الحديث الآن عن الموقف الغربي من الديمقراطية حالة الصمت الأميركي المريب تجاه القمع الدموي الذي تتعرض له الحركة الاحتجاجية في العراق، منذ مطلع أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. على الرغم من سقوط مئات من القتلى (تتحدّث مصادر عن أكثر من ألف قتيل) وآلاف الجرحى، تطلب الأمر ستة أسابيع ليصدر عن البيت الأبيض بيان خجول يدعو إلى وقف القمع ضد المحتجين، وتنفيذ الوعود التي أطلقها الرئيس العراقي، برهم صالح، بشأن إصلاح قانون الانتخاب، والذهاب نحو انتخابات مبكرة، علما أن واشنطن غزت العراق وتكبّدت فيه خسائر بشرية ومالية فادحة، بزعم العمل على دمقرطته. ولا يمكن تبرير الموقف الأميركي من احتجاجات العراق فقط بوجود دونالد ترامب في البيت الأبيض، باعتبار أنه رجل أعمال لا يقيم وزنا لقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، ذلك أنه ينتقد بشدة قمع المتظاهرين في هونغ كونغ، على الرغم من أنه لم يقع فيها قتيل واحد خلال نحو خمسة أشهر من الاحتجاجات المستمرة. هذا لا يعني طبعا القول إن ترامب مهتم بمستقبل الديمقراطية في هونغ كونغ، أو حريصٌ على سلمية الحراك الطلابي فيها. إنما هو يقدم دليلا إضافيا على الاستخدامات الانتقائية لقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان في خدمة السياسة الأميركية ومصالحها.
لا يختلف موقف الرئيس ترامب (اليميني، الانعزالي، الشعبوي) من احتجاجات العراق في جوهره، حتى الآن على الأقل، عن موقف سلفه الرئيس أوباما (الليبرالي، التقدمي، النخبوي!) في تعامله مع الحركة الاحتجاجية في إيران، أو ما اصطلح على تسميتها إعلاميا "الثورة الخضراء" أو "ربيع طهران" التي فجرها الخلاف على نتائج الانتخابات التي فاز بها أحمدي نجاد عام 2009. انتظر دعاة الحرية في إيران كثيرا موقفا أخلاقيا من أوباما بشأن القمع الدموي الذي تعرّضت له حركتهم، لكنه لم يأت أبدا، فالرجل كان مهتما أكثر بعقد مجموعة من الصفقات مع نظام الملالي، بدءًا بطلب مساعدتهم في تأمين سحب القوات الأميركية من العراق، ثم التوصل إلى اتفاقٍ نووي، يعيد تأهيل إيران، ويزيد من فرص استعادتها إلى الحظيرة الأميركية، قبل أن يعقد أخيرا تحالفا صامتا معها لمحاربة "داعش". ترامب هو الآخر قد يكون يسعى، في سنة انتخابية حاسمة، إلى صفقات مشابهة، وهو رجل الصفقات! ما قد يفسّر موقفه من احتجاجات العراق.
واقع الأمر أن لا شيء استثنائيا حولنا، أو في ما يجري عندنا، فكما أنه لا يوجد استثناء في قابلية المنطقة العربية للدمقرطة، لا يوجد استثناء في الاستبداد العربي الدموي والعنيف، إذا أخذنا في الاعتبار ما فعله ستالين في روسيا، وماو في الصين، ونظام بول بوت في كمبوديا، من بين أمثلةٍ عديدة. كما أنه لا توجد، في المقابل، استثنائية في تعامل الغرب مع المنطقة العربية، إذا أخذنا في الاعتبار الممارسات الاستعمارية الغربية في الهند، والشروط المذلّة التي فرضها البريطانيون على الصين في حرب الأفيون (1856-1860). الاستثناء الوحيد الذي يثير الصدمة هو هذا الكم من النفاق والانتهازية في السياسات الغربية في التعامل مع "الأغيار"، بغض النظر عن انتماءاتهم.