استراتيجية ترمب للأمن القومي: ورقة علاقات عامة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

24/12/2017
العربي21

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الإثنين الماضي عن ولادة استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الخاصة باداته بعد أشهر طويلة من استلامه للحكم. غالبا ما ينظر لمثل هذه الاستراتيجيات على أنها البوصلة التي تحدد اتجاه الإدارة الامريكية إزاء التهديدات الأساسية للأمن القومي الأمريكي على مدار السنوات القادمة، ولهذا السبب بالتحديد فهي تحظى باهتمام بالغ من قبل المراقبين.

معظم ما جاء في هذه الاستراتيجية التي تقع في 55 صفحة مستمد من خطب وكلمات الرئيس ترمب تجاه المواضيع الأساسية التي تعني الولايات المتّحدة حول العالم، لكن من الملاحظ أيضاً أنّ الوثيقة وردت بصيغة وصفيّة في الغالب، أي أنّ أنّها لم تمنح القارئ القدرة على استنتاج ماهية أو تفاصيل السياسات التي سيتم اعتمادها لمواجهة هذه التحدّيات الأساسيّة خاصة في مواضيع مثل إيران على سبيل المثال.

 

من الأمور التي يمكن ملاحظتها في هذه الوثيقة أيضا مقارنة بالوثائق التي صدرت في عهد الرؤساء الأمريكيين السابقين، خلّوها من أي فرضيات أساسية متعلقة باستراتيجية الإدارة لمواجهة التحديات الكبرى، ففي عهد بوش الابن على سبيل المثال، ركّزت وثائقه على ما عرف باسم "الحرب الوقائية"، ومن ثمّ على فرضية "الحرب على جبهتين في آن"، لكن لا يوجد أي شيء من هذا القبيل في استراتيجية ترمب.

طبيعة الوثيقة وخلوها من بعض المتطلبات الأساسية التي تعبّر عن جوهر خطّة الإدارة لمواجهة المخاطر الكبرى خلال السنوات القادمة قد يدفع البعض للاعتقاد بأنّ الوثيقة ستكون في مجملها بمثابة ورقة علاقات عامة وسرعان ما ستفقد قيمتها. هناك عدّة مؤشرات تدعم بالفعل مثل هذا الاستنتاج.

شخصيّة الرئيس الأمريكي غير الناضجة او المستقرة تعدّ من أبرز هذه المؤشرات. ترمب كما برهن خلال قرابة سنة من حكمه ليس ممّن يتمسكون بنصوص ثابتة فضلا عن سياسة قائمة على تصوّر طويل الأمد في وقت يعتمد فيه على نسخته الخاصة من "السياسة التويترية" إن صحّ التعبير لناحيّة، سياسة سريعة ومتقلبة ومن دون محتوى قيمي وبمفعول محدود وأضرار كبيرة. من الصعب على مثل هذه الشخصية الالتزام باستراتيجية ولم نر حتى الان ما يدل على ذلك. 

المسألة الأخرى تتعلّق بالتناقض الواضح والمستمر بين شخص الرئيس والمسؤولين الرئيسيين في إدارته، السياسيين منهم والعسكريين. الرئيس يستمر حتى هذه اللحظة في تقويض موقع ودور هؤلاء من خلال تصريحات وسياسات مناقضة لما يتبنّونه هم، وخير مثال على ذلك التناقض المستمر بين الرئيس ووزير الخارجيّة الأمريكيّة حول عدد من الملفات الرئيسية الهامّة للسياسة الأمريكية حول العالم.

المؤشّر الثالث هو تآكل المؤسسات الأمريكية المنوط بها توظيف الاستراتيجية أو تطبيقها. خلال الأشهر القليلة الماضية، ثبت فساد وعدم اهليّة عدد كبير من المسؤولين في إدارة ترمب، وتبيّن أنّ عدداً آخر منهم لا يزال يخضع لأجندات اللوبيات المختلفة ما يضع الإدارة في تناقض دائم مع نفسها ومع شركائها الرئيسيين في العالم. هناك شكوك كبيرة حول مدى قدرة المؤسسات الأمريكية على متابعة تنفيذ هذه الاستراتيجية بغض النظر عن مضمونها آخذين بعين الاعتبار القصور الشديد في المراكز العليا في كل من الخارجية والدفاع.

على أي حال، هذه الاستراتيجية هي الأولى في سياق سلسلة من الاستراتيجيات التي من المنتظر أن تنشر في ظل إدارة أوباما بدءاً من العام القادم. لن يكون من الصعب المقارنة بين هذه الاستراتيجيات وبين ما تقوم به إدارة ترمب على أرض الواقع. الأكيد أن العام المقبل سيكون حاسماً لمعرفة الفارق بين اقوال هذه الإدارة وأفعالها.

تعليقات