استغاثة لاجئ في جزيرة كوس اليونانية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

29مايو/أيار2019
القدس العربي
المؤلف: 

بإلحاح شديد راسلني هذه الأيام أحد اللاجئين العرب من مخيم كوس في اليونان فروى ما يلي:
«عددنا في هذا المخيم تجاوز الــ 1500 في ظروف مزرية.. بغير ماء ولا خدمات صحية ولا طبية، وضع غير إنساني، تكدس بشري وفقر وتأخير في الإجراءات. أناس مضى عليهم أكثر من سنة دون أن تحسم أوضاعهم، لا يوجد غرف للنوم وأن وجدت فهي لا تصلح للبشر، دورات المياه في أدنى مستوياتها، الناس هنا ينامون في الممرات. الطقس حار جدا في النهار وفي الليل بارد. المخيم مكتظ جدا والماء إن وجد فهو لساعات محدودة في اليوم، رائحة المجاري في كل مكان».
ويضيف مع إرفاق ما يقول بعدد كبير من الصور واللقطات المسجلة بأن «المستنقعات تحيط بالمخيم والحشرات لا ترحم أحدا. في الغابة التي تقع خلف المخيم تنتشر الثعابين والحشرات السامة ومع ذلك يذهب إليها اللاجئون ليس فقط لقضاء حاجاتهم والاغتسال من بعض جداول المياه التي فيها وإنما أيضا لإحضار أعواد الخوص التي تشبه أعواد القصب لبناء عشش يأوون إليها (..) أتمنى ان يصل صوتنا لكل صاحب ضمير فالأوضاع هنا لا تطاق وإذا دخل فصل الشتاء فستتضاعف المعاناة (..) الناس ليس لديهم المال كي يستأجروا بيوتا خارج المخيم، فالاتحاد الأوروبي يمد كل لاجئ بتسعين يورو في الشهر لا تكفي حتى للحد الأدنى للأكل. أرجوك كن وأبقى معنا».
أوضاع اللاجئين في هذه الجزيرة الواقعة جنوب شرق بحر إيجة ليس جديدا ولكن الغريب أن يتواصل على هذا النحو إلى حد الآن، فهذه الجزيرة السياحية الهادئة والخلابة تحولت إلى نقطة التقاط أنفاس لآلاف المهاجرين وطالبي اللجوء في دول الاتحاد الأوروبي، فيها ينتظر اللاجئون الحصول على وثيقة مبدئية لإثبات الشخصية، وهي الوثيقة التي تخول لهم البقاء فترة أقصاها ستة أشهر داخل اليونان في انتظار مغادرتهم نحو دول أوروبا الأخرى وأفضلهم بالنسبة إليهم ألمانيا.
في تقرير لموقع «الجزيرة نت» قبل ثلاث سنوات أوضح المحامي الناشط في مجال اللجوء سبيروس دانييل أن المشكلة الكبرى في جزيرة كوس هي العثور على مكان يؤوي هذا العدد الكبير من اللاجئين الذين يعرب 80٪ منهم عن رغبتهم في التوجه إلى ألمانيا ولا أحد منهم تقريبا يرغب في البقاء في اليونان. وينقسم اللاجئون إلى قسم ساعدته أوضاعه المادية على استئجار أي مكان يأويه مع عائلته وآخر لم يجد سوى هذا النوع من المخيمات البائسة فيما اضطر كثيرون إلى المبيت في الحدائق والشوارع والساحات العامة.
ربما يكون للسلطات اليونانية عذرها في عدم توفير ظروف إنسانية دنيا لإقامة هؤلاء اللاجئين في انتظار البت في ملفاتهم بالنظر إلى الصعوبات الاقتصادية التي تعرفها لكن البعض الآخر لا يلتمس لها مثل هذا العذر لأنها تتلقى تمويلا من الاتحاد الأوروبي لمجابهة هذه المشكل لكنها في المقابل لا تفي بالتزاماتها في هذا الشأن.
المسألة الأخرى التي زادت في تعقيد أوضاع اللاجئين هناك هو أن الأولوية التي أعطيت في بدايات موجة اللجوء إلى أوروبا للسوريين الهاربين من جحيم قمع النظام وشراسة المعارك في مناطق المدنيين أغرى عددا كبيرا من اللاجئين العرب الآخرين بأن يقدموا أنفسهم كسوريين مما أخـّــر من إجراءات التثبت والتدقيق في الهويات، خاصة وأن كثيرين يتخلصون من أوراقهم الثبوتية في مثل هذا النوع من رحلات اللجوء المحفوفة بالمخاطر والتي يكونون فيها عرضة للابتزاز من عدد من عصابات التهريب المنتشرة في المنطقة. وحتى السوريون أنفسهم الذين لقوا في البداية نوعا من التفهم والمراعاة من دول مثل ألمانيا لم تعد أمورهم سالكة بعد أن اتجهت برلين نحو سياسة أكثر صرامة وحذرا في هذا المجال.
مأساة اللاجئين الكبرى هي أن قضيتهم عرضة لنوعين من التحدي أولهما سياسي والثاني إعلامي. لقد تحولت قضية قبول هؤلاء الفارين من مناطق النزاعات وأساسا في سوريا والعراق والبعض الآخر من أفغانستان وإفريقيا من قضية إنسانية إلى قضية مزايدات سياسية وانتخابية في أكثر من دولة أوروبية، وبات صوت الرافضين لاستقبالهم والتشهير بالمتفهمين لمعاناتهم هو الأعلى في دول مثل ألمانيا وإيطاليا والمجر وفرنسا وغيرها إلى درجة أن اليمين المتطرف المعادي للهجرة والأجانب قطف ثمار ذلك في عدد لا بأس به من الاستحقاقات الانتخابية داخل كل بلد وعلى الصعيد الأوروبي. وحتى تركيا التي شكلت في الأعوام القليلة الماضية ممرا متساهلا لآلاف الناس المتدفقة نحو أوروبا تعاطت في كثير من الأحيان مع الموضوع كورقة مساومة وضغط في علاقتها مع الأوروبيين أكثر من أي شيء آخر.
أما التحدي الإعلامي فيتمثل في أن قضية اللاجئين تصعد وتنزل في التغطية الإخبارية وفق معيار التوتر السياسي الذي تسببه وحرب التصريحات التي تطلقها بين أكثر من عاصمة أوروبية، فضلا عن التقارير المزعجة لأشهر منظمات حقوق الانسان والهيئات الأممية. وعندما تنتهي تلك الجلبة ولا تبق سوى العذابات اليومية للاجئين في مخيماتهم وفي العراء… لا أحد يلتفت إليهم كثيرا للأسف الشديد