اقتصاد منطقة "نبع السلام".. المنفس عبر البوابة التركية

مدحل مدينة تل أبيض - المصدر: رويترز
الخميس 28 نوفمبر / تشرين الثاني 2019

على طول 120 كيلومتراً، وعمق قرابة 30 في المناطق الحدودية الشمالية لسورية، تمكنت تركيا من وضع موطئ قدم لها، بموجب عملية "نبع السلام" التي أطلقها الجيش التركي وفصائل "الجيش الوطني" ضد "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، إذ سيطرت على مدينتي رأس العين وتل أبيض الحدوديتين والقرى والبلدات الواقعة بينهما.

وتنوي تركيا، حسب تصريحات كبار المسؤولين فيها، إعادة مئات ألاف السوريين، إلى هذه "المنطقة الآمنة"، والتي توقفت العمليات العسكرية فيها، عبر إبرام أنقرة، اتفاقيات مع موسكو وواشنطن، رسمت حدود المناطق التي تمت السيطرة عليها بصورة مبدئية، وما تزال غير مستقرة تماماً حتى الآن.

الحديث عن كون منطقة "نبع السلام" غير مستقرة، يستند إلى عدة نقاط، أولها ما تشهده من تفجيرات بسيارات ودراجات نارية مفخخة، أسفرت عن عشرات الضحايا من المدنيين، وإلى جانب ذلك وبالنظر إلى خريطة السيطرة الميدانية، فأن منطقتي رأس العين وتل أبيض وما بينهما محاصرتان بشكل كامل، من قبل "قسد" وقوات الأسد، و الأطراف الدولية التي تدعمها، الأمر الذي يجعل المنطقة معزولة عن بقية المناطق التي تسيطر عليها فصائل "الجيش الوطني"، ومفتوحة على الجانب التركي فقط، من معبرين يتم التجهيز لفتحهما، الأول بوابة تل أبيض، والآخر بوابة رأس العين الحدودية.

يطرح الحصار الذي تشهده "نبع السلام" من كافة جهاتها، وانعزالها عن مناطق ريفي حلب الشمالي والشرقي عدة تساؤلات، عن الأسس الاقتصادية التي ستعتمد عليها المنطقة مستقبلاً، خاصة في ظل إعلان تركيا عن بدء عودة مئات السوريين إليها، إضافةً إلى الخطة التي سيتم تخديم المنطقة من خلالها، ولاسيما أن "الحكومة السورية المؤقتة" هي الطرف الذي سيمسك بزمام الأمور فيها، كما هو الحال في ريفي حلب الشمالي والشرقي، اعتماداً على مجالس محلية.

وتوافقت وجهات نظر مُختصين، بأن المنطقة ستعتمد بشكل أساسي على تركيا، كونها مُحاصرة، بمعنى أنها منطقة مستهلكة غير منتجة، رغم وجود مقومات اقتصادية يمكن أن يتم الاعتماد عليها بصورة جزئية، لكن لا يمكن أن تشكل أسساً اقتصادية متينة.

تحركات أولية

كتحرك أولي بعد توسع سيطرة الجيش التركي وفصائل "الجيش الوطني" في المناطق السورية الحدودية مع تركيا، أعلنت "الحكومة المؤقتة" تشكيل مجلسين محليّين لتل أبيض ورأس العين، وهي خطوة تأتي للمباشرة بتقديم الخدمات للمنطقة، ورافق ذلك تشكيل جهاز للشرطة المدنية والعسكرية، لضبط المنطقة أمنياً.

لم يقف الأمر عند ذلك، بل بدأ الجانب التركي و"الحكومة المؤقتة" بالتجهيز لفتح معبر تل أبيض الحدودي، أمام الحركة التجارية وحركة المدنيين، على أن يتم افتتاحه بشكل رسمي الأسبوع المقبل، بعد الانتهاء من تجهيز المكاتب على الجانب السوري.

"الحكومة المؤقتة" كانت قد استبقت العملية العسكرية التركية (نبع السلام)، بإعداد دراسة تتضمن خطة إدارة المنطقة اقتصادياً بشكل كامل، وبحسب معلومات "السورية.نت" شارك في إعداد الدراسة أيضاً "لجنة الجزيرة والفرات"، التابعة لـ"الائتلاف السوري" المعارض، والتي تضم أبناء المنطقة الشرقية، لكنها أعدّت للمنطقة الآمنة التي كانت تنوي تركيا إنشائها بطول 440 كيلومتراً، وعمق يصل إلى الأوتوستراد الدولي (m4)، على خلاف الحدود التي رسمت في الوقت الحالي لمنطقة "نبع السلام".

مستقبل ضبابي

يرى وزير الاقتصاد في "الحكومة المؤقتة"، عبد الحكيم المصري، أن المنطقة التي تمت السيطرة عليها شرق الفرات، من تل أبيض إلى رأس العين، زراعية، يبلغ إنتاجها من القمح 500 ألف طن سنوياً.

ويقول المصري لـ"السورية.نت"، في جوابه على المقومات الاقتصادية التي ستعتمد عليها منطقة "نبع السلام" مستقبلاً، إن الأخيرة تشتهر بإنتاج المحاصيل الزراعية، بأنواع عدة، بينها الحبوب والخضراوات والقطن، إضافة إلى الثروة الحيوانية، وبشكل خاص أغنام العواس.

ورغم ما تشتهر به المنطقة من محاصيل زراعية مذكورة، إلا أنها لا تندرج كأسس اقتصادية متينة للمنطقة، ولا سيما أنها تختلف بشكل جذري عن باقي المناطق التي تسيطر عليها فصائل المعارضة، من ناحية الأمر الواقع الذي فُرض لتكوينها من جهة، ولطبيعة المنطقة والأطراف المسيطرة في محيطها، عدا عن ما يدور الحديث عنه، حول أنها ستكون "منطقة آمنة" قد يقطن فيها أكثر من مليوني لاجئ سوري.

ويوضح المصري، أن الأمور في حال وصولها للاستقرار، قد تقبل المنطقة على بيئة استثمارية، مشيراً، "الاستثمار من الممكن أن يكون بالمواد التي تعتمد على المنتجات الزراعية مثل القطن والحبوب، ومعامل الأعلاف، إلى جانب تصدير الأغنام إذا ازدادت أعدادها".

ولم يخفي وزير الاقتصاد في "المؤقتة"، صعوبة الواقع المفروض في محيط منطقة "نبع السلام"، إذ اعتبر أنه و "في الاضطرابات السياسية والثورات تنشط التجارة بشكل كبير، لكن رأس العين وتل أبيض والمناطق بينهما محاصرتان من كافة الجهات، وغير موصولتان بالمناطق المحررة.. حالياً لا يوجد طريق، والمنطقة بحاجة وقود، ولا يوجد آبار نفط".

ويضيف المصري أن "الحكومة المؤقتة" تعمل حالياً على التجهيز لفتح معبر تل أبيض، كما أنها تتجه إلى تأمين المنطقة أمنياً من خلال تجهيز شرطة عسكرية ومدنية.

أسس اقتصادية غير متينة

من جهته، يقول الباحث في "مركز عمران للدراسات الاستراتيجية"، بدر ملا رشيد، إن المنطقة الممتدة من رأس العين إلى تل أبيض "من المناطق الممتازة من الناحية الزراعية، ذات الكثافة المتدنية، إلا إن كونها منطقة زراعية لا يمنحها أسساً إقتصادية متينة".

ويعتبر الباحث في حديثه لـ"السورية.نت"، أنه "من الصعب أن تنتج فيها حلقة اقتصادية بشكلٍ مستقل، كما في بقية مناطق السيطرة والنفوذ في سورية، لذا إن إستمر الوضع الميداني على حاله فمن المحتمل أن تعتمد المنطقة بشكلٍ شبه كامل على السوق التركية".

الاعتماد على السوق التركية، بحسب الباحث سيكون "سواءً لتصريف المواد الزراعية، أو لتوريد كل شيئ من مقومات الحياة، فيما عدا القمح والشعير وبعضٍ من القطن".

ويوضح ملا رشيد، أنه "وفي ظل ضعف الحلقة الاقتصادية (في هذه المناطق)، وكونها على خلاف بقية المناطق السورية نتيجة وجود الإدارة الذاتية والنظام السوري على محيطها، فلن تتمكن من استيراد المواد الأولية لتقديم الخدمات فيما يتعلق بالبنية التحتية والإعمار".

أما من الناحية الخدمية، يشير الباحث، إلى أن المنطقة "ستعتمد بشكل شبه كامل أيضاً على ما سيتم استيراده أو ستقدمه تركيا، وهذا الواقع يتوقف على العملية التركية التي صرحت بأنها ستستمر فيها، وإن يبدو الأمر صعباً في المرحلة الحالية، نتيجة انتشار عناصر الشرطة والجيش الروسي أكثر".

حدود السيطرة

لم تتوقف المواجهات في منطقة "نبع السلام" شرق سورية حتى الآن، رغم سريان الاتفاق الموقع بين أنقرة وموسكو في سوتشي، والذي نص على انسحاب "قسد" لعمق 30 كيلومتراً، وانتشار قوات الأسد والشرطة الروسية في عدة مواقع حدودية.

وتتركز المواجهات في موقعين "استراتيجيين" بالنسبة لتركيا، الأول في محيط بلدة تل تمر في ريف الحسكة، والآخر في محيط بلدة عين عيسى بريف الرقة الشمالي، واللذين يقعا على الأوتوستراد الدولي (m4)، في مؤشر على نية تركيا توسيع المنطقة التي سيطرت عليها، دون وضوح الهدف الذي ترنو له من ذلك.

ويوضح الباحث بدر ملا رشيد أن "السيطرة على إحدى البلدتين (تل تمر، عين عيسى) أو الطرقات المؤدية إليهما سيمنح تركيا والفصائل في منطقة (نبع السلام) إمكانية إنشاء علاقات تجارية واستيراد النفط وبعض المواد الخام من مناطق سيطرة النظام والإدارة الذاتية لها".

أما يخص إمكانية استمرارها، يضيف ملا رشيد أن "الواقع الميداني في سورية كله قابلٌ للتغير، وفق مصير الاتفاقات القصيرة المدى بين الدول الفاعلة فيها، إلا إن الجانب التركي معلنٌ نيته إبقاء المنطقة خارج سيطرة النظام على غرار عفرين و درع الفرات، إلى أن يتم حل ملف إدلب والتوجه نحو تسوية سياسية".

المصدر: 
خاص- السورية نت