الأزمة السورية وتحركات القاهرة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

20/1/2015
السورية نت

يتحدث الكثيرون في الآونة الأخيرة عبر تصريحاتهم وأقلامهم، عن ضرورة تحرك مصري لحل الأزمة السورية، وبخاصة بعد أن استعادت دورها المتميز، وأيضاً بعد فشل الحلول العسكرية والمبادرات الغربية والدولية، فبعضهم يرى أولوية مصر عند طرح أي مبادرة، لبعدها العربي والإقليمي والدولي وكونها من إفرازات الربيع العربي، ورأى آخرون أن [طرحاً متوازناً] ومن بلد عربي كمصر، ربما يكون مفتاح الحل، حتى ذهب البعض وتقوَّل بما لا يقبله عقل أو منطق، فرأوا أن الأزمة السورية إنما هي إشكال  مصطنع، هدفها ضرب مصر وتحجيم دورها، وكأن الأزمة ليست نتاج نظام دموي امتهن الاستبداد والفساد طيلة عقود، فجاءت ثورة الشعب السوري في نفس الأيام التي كانت مصر تعيش وتعيد ثورتها، من أجل نفس الأهداف {الحرية والكرامة}، فهما ثورتان تتحملان نفس المعاناة وترفعان نفس الشعارات ونفس الأهداف وفي وقت واحد، فكيف نصف إحداهما بالطبيعية والثانية بالمصطنعة؟ إنه لأمر مريب وذهنية في غاية الضحالة أن نتهم شعباً وثورة وبهذه السهولة.

من الضرورة بمكان أن ننظر بإمعان في الممهدات التي واكبت وتواكب تحرك مصر وطروحاتها غير المتبلورة بعد إزاء الأزمة السورية، من جهة أخرى فإننا فخورون بثورات الشعب المصري وما تمخضت عنها، ونفتخر أكثر بإعادة مصر لدورها الريادي وبنفس الزخم إن حاولت إيجاد حل للأزمة السورية، ولكن دون أن يأخذنا الهيجان العاطفي إلى القبول بما لا يرضي شعبنا وأهداف ثورته، ولذا فلا بد من تفكيك وتحليل ممهدات وتوجهات الأشقاء في مصر إزاء الحل، إلى أين وكيف؟؟

 مع الأسف الشديد فإن من يتابع ويتأمل في السياسة المصرية بعد صعود السيسي يرى أنها مبنية على ردات الفعل في العديد من مفاصلها على الأقل في هذه المرحلة، فالرئيس المخلوع "مرسي" قطع علاقاته الديبلوماسية مع النظام السوري، وأيد الكفاح ضده، أما الرئيس عبد الفتاح السيسي وكرد فعل فقط، يريد إعادة تلك العلاقات مع النظام وحتى على مستوى تبادل السفراء تحت حجة عدم نجاعة الحلول العسكرية الغربية وامتداد الإرهاب، ولا بد من مشاركة النظام وجميع الأطراف في إيجاد حل سياسي، وهنا نسأل لو أن الثورة المصرية فشلت، فهل كان ذلك سيعني صواب نظام مبارك؟؟.

والسيسي وكرد فعل فقط على دعوات النظام التركي بضرب النظام والإرهاب معاً، لا يريد إسقاط النظام، بل الإبقاء عليه وعلى مرتكزاته الأمنية بحجة عدم تكرار صورة العراق، ونعود ونسأل لو أن مبارك رفض التنحي وقاوم، فهل كان من الواجب أن نضحي بكل أهداف الثورة ونتقبله مرغمين آسفين؟؟ والسيسي وكرد فعل على  فتور علاقات أمريكا معه، توجه أول ما توجه إلى موسكو الحليف القديم الجديد، وما نرجوه هو ألا يدخل شباكها الأخطبوطية ويتبنى محورها، وقس على ذلك سياسات ردات الفعل تجاه إيران والدول الأوربية وغيرها. إن هكذا سياسة لا تليق بالقاهرة، ولا تخدم إعادتها لدورها الحقيقي في المنطقة والعالم.

منذ أن استلم الرئيس عبد الفتاح السيسي سدة الحكم، تنفسنا جميعاً الصعداء على أساس أنه أحد نتاجات ما سمي بالربيع العربي، ولم يمالئ أية أنظمة عربية من طراز مبارك، فما بالك بنظام هو أعتى الأنظمة العربية، والذي تفوق على نظامي مبارك والقذافي، وبخاصة بعد أن فقد شرعيته العربية والدولية، وأصبح كأحد الأيتام على مآدب اللئام، فهذا ما لا يمكن توقعه أو فهمه.

إذا كانت المصالح هي سيدة المواقف، فمما لا شك فيه أن المصالح الحقيقية والمستديمة هي مع الشعوب وليست مع الأنظمة المستبدة، وقد أثبتت أحداث العقدين الماضيين ذلك بكل جلاء. إن ازدياد الحديث عن دور مصري لحل الأزمة السورية يترافق بحديث عن أن لا مناص من حل سياسي للأزمة، وكأنه اكتشاف جديد، لكنهم في الحقيقة يخفون شيئاً آخر (كلام حق يراد به باطل). إن تفسير الحل السياسي يأتي من الزوايا التي نراه منها، فروسيا تراه في ما يرضي النظام السوري، والمعارضة تراه في إزالة النظام أو استبعاده، ولكن أي تفسير –مهما كانت زاويته- لا يستبعد النظام أولاً، إنما يخدم بقاء الاستبداد، وبالتالي الشطب على دماء آلاف الضحايا وعذابات ملايين المهجرين.

مصر الآن تريد وتركز على حل سياسي للأزمة، وهذا جيد، ولكن كيف وإلى أين؟ أهو حل سياسي على الطراز الروسي أم الإيراني؟ أم على طراز النظام نفسه؟ أم هو على طراز المعارضة الوطنية وأمريكا والدول الغربية وغيرها؟ أم هناك خط ثالث؟ إن الحل السياسي للأزمة، وتكرار المناداة به أصبح في الآونة الأخيرة (موضة) تتباهى بها العديد من الأقلام والقوى، ولكن العديد منها أيضاً يخفي وراءه هدفاً آخر وهو الحل السياسي الذي يبقي على النظام وزمرته، لا الحل السياسي الذي يحقق أهداف الثورة السورية والشعب السوري. فإذا كانت مصر تريد حلاً سياسياً ذا خلفية روسية، أو امتداداً له، فأين دورها العربي والإقليمي والدولي؟ وهي تعلم أن روسيا ومنذ بدء الثورة كانت ومازالت جزءاً من الأزمة، وإذا ما أصرت القاهرة على حل كهذا فأول ما يعنيه هو الاغتراب عن أهداف الثورة المصرية، وإن تكرار مقولة تجميع كافة الأطراف في حوار، إنما هو وضع الجلاد والضحية في ميزان واحد، وهو ما يصر عليه الروس.

ما هكذا تورد الإبل أيها السيد الرئيس! فزيارتك إلى موسكو وزيارة بوتين القادمة إلى القاهرة، لا نريد لها أن تكون محاولات لبناء حل على حساب آلام وآمال الشعب السوري، كما لا نريد لك أن تدخل في خدمة المحور الروسي (روسيا- إيران- النظام السوري)، هذا المحور الذي جلب ويجلب الكوارث للمنطقة ومنذ سنين. إن محاولاتك إعادة الدور المتميز لمصر، يجب أن تمر عبر التمسك الحازم والصارم بمبادئ ثورة مصر التي أوصلتك إلى سدة الرئاسة، وهي مبادئ تنطبق تماماً على ثورات سوريا وتونس واليمن وليبيا، إن تدخلك الإيجابي وجهودك لتحقيق تلك الأهداف هو تعظيم لدور مصر، وريادة كلنا نريدها، وإذا كان فعلاً استقرار سوريا يهم الأمن القومي المصري، فإنه يجب عدم التجاوب مع تلك المحاولات غير المباشرة للإبقاء على نظام دموي قامع ومستبد.

يجب ألا يدفعنا طول مدة المعاناة وحجم الدمار الكبير، ولا حتى اعترافنا بضعف المعارضة أو إضعافها وسيطرة الفكر الإرهابي على ساحات العمل العسكري، كل ذلك يجب ألا يدفعنا إلى قبول أيما حل، وألا تأخذنا عواطف بعض الأقلام التي تبحث عن أي حل. احترامنا للجميع ممكن وواجب، ولكن ليس بقدر احترامنا لدماء آلاف الشهداء وعذابات الملايين، وإذا كنا قد أخطأنا هنا أو هناك فهذا لا يعني أنهم على صواب.