الأسد قلقٌ من مواقع التواصل باعترافه شخصياً.. لماذا أصبح يخشاها الآن؟

رأس النظام بشار الأسد - رويترز
الثلاثاء 19 فبراير / شباط 2019

ياسر العيسى - السورية نت

"حرب التواصل الاجتماعي" مفردة ترددت للمرة الأولى على لسان رأس النظام بشار الأسد، متهماً إياها بأنها "أسهمت بشكل كبير في تردي الأوضاع داخل البلاد".

هجوم الأسد الحاد على مواقع التواصل، جاء ضمن كلمة ألقاها أمام رؤساء المجالس المحلية، أمس الأول الأحد، ويحمل في طياته أسئلة تحتاج الإجابة، وهي: ما الذي يقلق الأسد من مواقع التواصل الاجتماعي؟ ولماذا جاء هذا التحذير الآن؟ وما هو الخطر الذي تشكله هذه المواقع على نظام يخوض حرباً ضد معارضيه منذ 8 سنوات، واستدعت تدخل جيوش بلدان أخرى لإنقاذه؟

من الضروري الإشارة بداية، إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي كانت ضمن خطاب الأسد في 30 مارس/ آذار 2011، بعد أسبوعين من اندلاع الاحتجاجات ضده، ووصف فيها الحراك بأنه ليس أكثر من "موجة افتراضية" مقللاً من أهميته.

اليوم وبعد نحو 8 سنوات، يعود الأسد للحديث عن هذه المواقع، ولكن هذه المرة مبالياً بها، ومتحسساً لخطرها، مبدياً نحوها القلق والتخوف، ومتهماً إياها بممارسة دور كبير في "تردي الأوضاع".

تصاعد جرأة الموالين

لعل من أبرز الأسباب التي استدعت قلق الأسد، هو تصاعد جُرأة الموالين للنظام، وتزايد حدة انتقاداتهم، حتى وصلت إلى مرحلة انتقاد الأسد نفسه.

ومن أكثر الأدلة التي تستدعي الحضور هنا، عبارة "عاشت سوريا ويسقط الأسد"، التي كتبها وسط مدينة طرطوس عسكري سابق قاتل مع قوات الأسد، وعبّر فيها عن سخطه، ونشر مقطع فيديو لنفسه في حادثة تمثل سابقة بمناطق النظام، وتعكس حالة غير مسبوقة من الجرأة والسخط بين القاعدة الشعبية للأسد.

من البديهيات المعروفة لدى أغلب السوريين، أن نظام الأسد كغيره من الأنظمة السلطوية، يُعد الخوف من أهم الركائز التي يسعى لتوطيدها، لأنه يعتبرها أهم عوامل بقائه، وبالتالي تصاعد حدة المنشورات المنتقدة لحكومة الأسد، لتطال في بعضها الأسد ذاته، عبر تحميله مسؤولية ما يحدث، من علائم الخطر التي استشعرها النظام، ودعت الأسد إلى التعبير صراحة عن قلقه وتخوفه من مواقع التواصل، التي أوصلت الأمور لدى الموالين إلى ما هي عليه الآن.

إعادة بناء جدار الخوف الذي كسرته الثورة السورية، قد يكون من أبرز أجندات النظام بعد هدوء جبهات القتال، وتبدو مواقع التواصل من المعوقات الرئيسة التي تمنعه من إعادة البلاد إلى حقبة ما قبل عام 2011، فهو يريد إقناع نفسه الآن، بأن الثورة كانت حادثاً عرضياً وانتهى، وأن على السوريين (على الأقل الفئة المؤيدة له) الخضوع التام، والعودة إلى ما كان عليه الحال قبل 8 أعوام.

استغلال الأزمة

النظام عُرف عنه أنه إذا لم يكن هو من افتعل أزمة ما، أو غير قادر على حلها، فإنه على الأقل يحاول الاستفادة منها وتوجيهها، وهو ما فعله عندما حاول الاستفاد من موجة الانتقادات الكبيرة لتدهور الأوضاع المعيشية داخل مناطق سيطرته، بعد أن وقف عاجزاً عن إسكات الأصوات التي علت على مواقع التواصل، ليعمد إلى "إطلاق لسان" بعض الشخصيات الفنية والإعلامية المؤيدة له، للمشاركة في حملة الانتقادات هذه، لكن عبر لعبة توجيه خطابها إلى الأسد نفسه، من أجل الحل، لتحقيق أهداف عدة.

أول هذه الأهداف، الترويج لفكرة أنه لا أحد قادر على إنقاذ السوري من واقعه المعيشي والخدمي سوى بالأسد، وهي حجة موجودة قبل الثورة واندثرت، ويحاول النظام بث الروح فيها من جديد، وثانيها التنفيس فيها عن السوريين في الداخل، وثالثها إعادة الهيبة للأسد ولمقام "الرئاسة المقدس" بين مؤيديه وغيرهم من السوريين، ورابعها إظهار أن الأسد لا علاقة له بكل الأزمات وأن ما تحته هم المشكلة. وخامس الأهداف، وهو الأهم، إظهار الأسد وكأنه هو صاحب رأس الهرم في سوريا الذي يجب مخاطبته، وليس غيره.

إعادة "ضبط" سقف الانتقادات

من أسباب تخوف الأسد من مواقع التواصل الاجتماعي، أنها أصبحت منصة للصحفيين والإعلاميين الموالين له، الذين كان بإمكانه ضبطهم وتحديد السقف الذي يتحدثون فيه في وسائل الإعلام التقليدية الناطقة باسم النظام أو المؤيدة له.

الآن فتحت الصفحات الشخصية لهؤلاء أبواباً أوسع، وأصبح علو سقف الانتقاد والكلام، أو انخفاضه، يُحدد من قبلهم، وليس من قبل أجهزة النظام الرقابية، كما هو معتاد سابقاً.

فتح هذا الباب ضاق النظام به ذرعاً، ليعمد إلى اعتقال بعض من أبرز الموالين له في هذا المجال، أو طردهم من عملهم والتضيق عليهم.

من الأمثلة الحاضرة في هذا الإطار، رضا الباشا الذي أقبل من مكتب قناة "الميادين" في دمشق، على خلفية انتقادات وجهها لحكومة نظام الأسد عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وسبقه قبل ذلك عقوبة أشد تمثلت في اعتقال مدير صفحة "دمشق الآن"، وسام الطير، ليصبح بعد ذلك مصيره مجهولاً.

اهتمام الصحافة العالمية

اهتمام الصحافة العالمية بما تنشره وسائل التواصل الاجتماعي، واتخاذها ما يكتبه ويدونه الموالي للأسد، فضلاً عن المعارض له، مصدرا أساسياً عند تغطيتها للحدث السوري، استدعت من الأسد القلق، وهو الذي جهد على توجيه بوصلة هذا الإعلام للاهتمام بقضايا تخدم مصالح النظام ودعايته وأكاذيبه.

مشاهدات فيديوهات وصور طوابير الخبز والغاز والمازوت في وسائل الإعلام العالمية، وإظهارها احتجاجات الموالين، أضرت بالأسد كثيراً، خاصة وأن تأثيراتها كانت من الأسباب التي أدت إلى فشل محاولات النظام وحليفه الروسي بإعادة اللاجئين السوريين تحت حجة "انتهاء الحرب" ومزاعم "انتصار" الأسد.

مواقع التواصل كان لها دور كبير في تخويف اللاجئين من العودة، عبر تسليط الضوء على الانتهاكات الممارسة ضد بعض من عادوا، من سجن واعتقال وقتل، وهي ذات الانتهاكات الممارسة على من بقي داخل مناطق سيطرته، إضافة إلى تخويف اللاجئين من مخاطر الفروع الأمنية، وتزايد تجاوزاتها وجرائمها داخل المناطق الواقعة تحت سيطرتها، وخاصة بحق من قبل "المصالحة" مع النظام.

وبناء عليه، فإن الأسد ينظر إلى مواقع التواصل على أنها مصدر قلق حقيقي، فالنظام يرى بأنها أفشلت خططه، وخطط وحلفائه بإعادة اللاجئين، وأفشلت محاولاته في إعادة السوريين لحالة الخوف التي منحته البقاء لعقود، كما أنها كانت من أسباب إفشال محاولات إعادة "تعويم" الأسد أو على الأقل إعاقتها وأبطأتها، عدا عن قدرتها في جعل النظام يقف موقف رد الفعل، وليس الفعل كما كان سابقاً، وكما يريد تحقيقه واسترجاعه الآن.

اقرأ أيضاً: الأيام الأخيرة لـ"دولة الخلافة".. واشنطن بوست: شهادات مرعبة لما يجري بآخر معقل للتنظيم

المصدر: 
خاص - السورية نت

تعليقات