الأسد وذاكرة الأسماك الذهبية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

5/9/2014
العربي الجديد

من المفترض، وفق نظام الرئيس السوري، بشار الأسد، ومؤيديه، أن التنظيمات الإسلامية المتطرفة التي تتنامى في بلاده، منذ نحو ثلاث سنوات، قد تشكلت، أساساً، نتيجة مؤامرة كونية، صممتها الولايات المتحدة الأميركية، بالتعاون مع بعض دول أوروبا الغربية، وشاركت في تنفيذها السعودية وقطر وتركيا، للنيل من محور المقاومة والممانعة الواقف لإسرائيل بالمرصاد.

ويمكن لمن يراجع أرشيف الخطابات والتصريحات السياسية لكبار المسؤولين السوريين، ومعهم حلفاؤهم في الجوار، ولا سيما الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، أن يرى مجدداً كيف استماتوا في محاولة إقناع مواطنيهم، والعرب عموماً، بخلاصاتٍ سياسية عجيبة تقول؛ إن الثورة السورية لم تكن، في واقع الأمر، سوى اسم مزيف لمنظمات سلفية متطرفة، تلتقي، أو حتى تتحالف، مع إسرائيل وأميركا ودول خليجية وغير خليجية، ضد الطرف الرئيس الذي تنعقد عليه الآمال لتحرير فلسطين، أي نظام الأسد نفسه. وكلنا ما زال يذكر، على ما أظن، تصريحات نصر الله التي برّر فيها تدخله العسكري ضد الثورة السورية بالقول إنه يدافع عن سورية، لكيلا تضيع فلسطين.

هب، الآن، مثلاً أنك كنت تصدّق كل ما كانوا يقولون، ولنفترض أنك اقتنعت، فعلاً، بالمؤامرة الكونية على نظام الأسد، وأنك تجندت مع المتجندين، في لبنان والأردن، وبلاد عربية أخرى، فضلاً عن سورية، للدفاع عن محور المقاومة والممانعة، ثم وجدت نفسك، أخيراً، أمام شاشة التلفاز، تشاهد وزير الخارجية، وليد المعلم، يكاد يستجدي واشنطن أن تقبل بالتنسيق مع دمشق، في ضرباتٍ قد توجهها لتنظيم الدولة الإسلامية المعروف باسم "داعش" على الأرض السورية.

هنا، يصير عليك أن تتحلى بذاكرة سمكة ذهبية، وهي المعروفة بعدم قدرتها على الاحتفاظ بالمعلومات أكثر من ثلاث ثوانٍ، كي تتفهم لهاث نظام الأسد خلف إدارة الرئيس باراك أوباما، حتى تقبل به عضواً معلناً في الحلف الذي كان يتهمه بالمؤامرة الكونية على سورية. ولا بد لك من أن تخلع عقلك، وتستبدله بأي شيء آخر، حتى يصير في وسعك أن تتقبل سعي الأسد لحشر نفسه في خندق الحرب على الإرهاب، مع الأميركيين وحلفائهم الأوروبيين والعرب الخليجيين، من دون أن تتذكر كيف كان هؤلاء أنفسهم، في الدعاية الرسمية السورية، هم أنفسهم من صنعوا الإرهاب، وصدروه إلى سورية. لكن، وسواء نسيت أو لم تنس كل الذي سبق، وأنت تشاهد الذي يحدث اليوم، فإن الإرهاب المتصاعد في سورية، على أيدي المنظمات المتطرفة، ومعه هذا الجدل المحتدم حول الموقف منه، قد نجح في أن يغطي على الإرهاب الرسمي الذي تمارسه قوات النظام، وفرق الموت المؤيدة له، كما نجح في أن يغطي على الثورة السورية، ويلقي بها وبشجونها في مهب الغياب، بل التغييب الذي يتواطأ عليه المجتمع الدولي فعلاً مع الأسد، وإنْ من دون اتفاق معلن.

في المقابل، صارت قلة من المجتمع الدولي هي التي تقيم، اليوم، وزناً للذكريات القائلة إن الثورة السورية انطلقت سلمية، وظلت ترفع شعارات الحرية والديمقراطية، حتى بعد شهورٍ من تشكيل الجيش الحر الذي تحدّدت وظيفته، ابتداءً، في الدفاع عن المتظاهرين، لا في الهجوم على مؤسسات نظام الحكم. ما خلا ذلك من تفاصيل البدايات، صار على المرء أن يمتلك ذاكرة جمل، كي ينتبه، وسط كل التعقيد الراهن، إلى أن أبرز قادة التنظيمات المتطرفة، مثلاً، كانوا معتقلين لدى النظام السوري، وأطلق سراحهم في أول عفو رئاسي أصدره الأسد بعد الثورة، كي يسارعوا إلى ترويج قطع الرؤوس، بينما احتفظ في سجونه، ولا يزال، بعشرات ألوف النشطاء الذين اعتقلهم أساسا، لأسباب بسيطة، كالانضمام للمظاهرات، ونشر الفيديوهات عنها على مواقع الإنترنت. في ذاكرة الأسماك الذهبية، يمكن للأسد، إذن، أن يدين المؤامرة الكونية أمس، ثم ينضم إليها اليوم، ولا اعتراض، حتى لو قيل في تفسير الأمر، إن أوباما، بحربه على الإرهاب، هو الذي انضم إلى محور المقاومة والممانعة. بيد أن مشكلة الأسد وأسماكه الذهبية هي أن في سورية، أيضاً، جِمال كثيرة، أصابها أذاه، فصبرت، ولن تنسى.