الأسد ونحرق البلد

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

30/ 04/ 2014
العربي الجديد
المؤلف: 

لا ينبغي لأحدٍ أن يستغرب تنظيم النظام السوري انتخاباتٍ رئاسيةً جديدة ً، وسورية في الوضع الذي يعرفه كل إنسان، ولا ترشيح بشار الأسد نفسه لولاية جديدة ثالثة من سبع سنين إضافية، بينما احتفاظه بمركزه هو موضوع الصراع الرئيسي، الدائر منذ ثلاث سنوات. 
ما حصل، ويحصل اليوم، في دمشق، يعبر عن المنطق ذاته الذي قاد البلاد إلى الأزمة الكارثية التي تعرفها اليوم. وهو المنطق نفسه الذي أملى على محافظ درعا اعتقال الشبان الصغار، واقتلاع أظافرهم، وتهديد أهلهم بتغييبهم عن الوجود، بسبب خرابيش على الجدار. وهو الذي دفع وجهاء المدينة المروعة، وزعماءها، إلى الالتحاق بالثورة، بعد زيارة مهينة "لمقام" لرئيس جمهورية، تصرف مثل زعيم عشيرة يسعى إلى حماية قريبه، متجاوزاً كل منطق الدولة والسياسة والقانون، وهو المنطق نفسه الذي أقنع الأسد، منذ بداية حكمه، بأن من الممكن الالتفاف على إرادة المجتمع كله، وإلى الأبد، والعمل، من خلف مؤسسات الدولة وقوانينها، على تحييد الشعب الحقيقي، بتنوعاته وتناقضاته وخلافاته، وإحلال شعبٍ وهميٍ مكانه، مكون من الدمى، يتكلم باسمه، ويلعب دوره على خشبة مسرح عرائس بحجم البلاد، وتتحكم به من وراء الستار، من رئيس الوزارة إلى أبسط موظف، أو خادم مدني، أجهزة الأمن والاستخبارات والميليشيات التابعة للنظام والموالية له. 
في نظام الأسد، ليس المجتمع هو ما يراه كل فرد في الواقع الحي، ويعيش فيه، ويشارك معه الأفراح والآمال والأحزان، وإنما هو صورته، كما تظهر على مسرح الدمى، وكما يراها الحاكم، وما يريد لها أن تكون وتستمر. الواقع هو الوهم، والمسرح هو الحقيقة والحياة. وحتى يستقر الوضع، وتستقيم الأمور، ويحصل السلام والأمن والاستقرار، ينبغي على كل فرد أن ينسى الواقع، أو يتجاهله، ويدخل في مسرح العرائس، كما لو كان هو الحقيقة والواقع، ويتمثل الدور الذي رسم له، بل ويقتنع به كل الاقتناع. عكس ذلك، أي العودة إلى الواقع، والإحالة إليه، يعني تهديد البناء الساكن، والمستقر، والمتحكم به، والثابت، والآمن الذي وضعه الحاكم، وفتح المجتمع على الفوضى والنزاع والعنف والدمار. 
ما صنعته الثورة هو، بالضبط، تحطيم مسرح الدمى الذي غيب النظامُ، من خلاله، المجتمع بأكمله، وسجن فيه عقله وجسده، وحيّد فكره وشل فاعليته خلال نصف قرن. وما يريد الأسد أن يفعله بترشيحه هو الخطوة الأولى في إعادة بناء هذا المسرح المتهاوي من جديد، الذي لا يتقن دوراً غيره، ولا يجد الراحة والأمان والاطمئنان خارجه، ولا يعرف كيف يعيش من دونه، تماماً كما أن العنكبوت لا يستطيع أن يعيش، بعد تمزيق بيته، إلا بإعادة بنائه، بالطريقة نفسها، وعلى المنوال ذاته. 
كان من المتوقع، لو كان لدى بشار الأسد الحد الأدنى من الشعور بالواقع والتعامل مع الحقائق ورؤية ما يحصل حوله، أن يتساءل عن معنى إعادة ترشيحه لولاية أخرى. ولو كان لديه حد أدنى من الشعور بالواقع، ولا أقول بالمسؤولية تجاه شعبه ووطنه، ولا بالشفقة على مئات آلاف القتلى والمعاقين والمشردين والمنكوبين، لكان وجد، ربما، في الاستحقاق الانتخابي مناسبة للانسحاب، بأقل ما يمكن من الخسائر، من اللعبة الدموية والفخ الذي نصبه لنفسه، وتجرأ على وضع شخص مكانه يضمن حياته، ويفتح لسورية والسوريين في الوقت نفسه نافذة أمل نحو المستقبل. 
لكنه كالعنكبوت لا يعرف أن يعيش من دون إعادة بناء عالم الوهم، الذي عاش فيه ومعه وعليه. والخيط الاول في إعادة نسجه هو رئاسته الأسطورية نفسها، وأقول الأسطورية لأنها ستدخل في التاريخ كأدمى رئاسة عرفها شعب في تاريخه، بكلفة اغتيال شعب وخراب مجتمع ودمار بلد كامل وموت حضارة إنسانية رفيعة.