الأسد يشتري النفط من داعش

صورة The Daily Beast

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

15/12/12015
The Daily Beast
المؤلف: 

(ترجمة السورية  نت)

إذا كنت تصدق روسيا، فعليك بتصديق الرواية الملفقة تجاه تركيا: فإن الرئيس التركي أوردوغان هو المسؤول عن تنفيذ مخططات بمليارات الدولارات لتهريب 200,000 برميل من نفط داعش يومياً، ومن ثم تصديره إلى الأسواق الدولية، وادعى الرئيس الروسي بأن تركيا أسقطت المقاتلة الروسية في 24 تشرين الثاني بهدف حماية نفط داعش وهو في طريقه إلى "الموانئ حيث يتم شحنها في الناقلات".

لطالما اتهمت تركيا بالتهاون عندما يتعلق الأمر بداعش، مع مطالبة حلف الشمال الأطلسي لها بضبط الحدود مع السورية، إلا أن موسكو تتهم تركيا بما هو أكثر شراً، من رعاية الجماعات الإرهابية التي تمزق العراق وسورية وتهاجم العواصم الأجنبية من خلال الانتحاريين.

ووجهت وزارة الدفاع الروسية تهماً أكثر خطورة من خلال المؤتمر الصحفي مبهرج في 2 كانون الأول، حيث قال نائب وزير الدفاع أناتولي أنتونوف: "وفقاً للمعلومات التي تلقيناها، فالقادة السياسية العليا للبلاد (الرئيس أوردوغان وعائلته) متورطون في هذه الأعمال الإجرامية". وعُرضت وراءه صور للشاحنات في طوابير طويلة، وحقول النفط، والمعابر الحدودية، مما يعني أن كل شاحنة تدخل تركيا تحمل نفط داعش.

تدل اتهامات روسيا إلى مسألة واحدة: من الذي يشتري النفط من داعش؟ في الحقيقة المحرجة نظام الأسد الذي تدعمه روسيا هو المتورط بذلك، وليست تركيا.

يتم شراء غالبية نفط داعش من قبل السكان المحليين داخل الأراضي التي تحتلها. وداعش لا تشغّل أسطولها الخاص من الشاحنات الناقلة. فهذا سيكون مضيعة للموارد والقوى العاملة وبدلاً من ذلك تعتمد الجماعة على مئات من الوسطاء الذين يقدمون شاحناتهم الخاصة ويدفعون ثمن النفط نقداً في الحقول التي تسيطر عليها الجماعة. لو كانت "الدولة الإسلامية" كأي دولة أخرى، كنا سنطلق على أصحاب الشاحنات لقب رجال الأعمال المستقلين. وفي الصناعة نطلق عليهم لقب "الوسطاء" مقدمي الخدمات. فهم ببساطة يحركون الأشياء من أجل الربح.

ليس من الضرورة أن يذهب هؤلاء الوسطاء إلى مناطق بعيدة خارج سورية لبيع النفط، فالأولى لهم بيعه إلى السكان المحليين الذين يديرون المصافي الأساسية المتواجدة شرق سورية، مع العلم أن هذه المحميات تسخن دفعات صغيرة من النفط وتكثف البخار الناتج إلى وقود رديْ الجودة، مما يبعث أعمدة من الدخان السام الناتج من الانفجارات، يعتبر هذا العمل قذر وخطير، والمشهد بحد ذاته مروع.

وتنتج هذه المصافي التي يبلغ عددها المئات من المحميات عشرات الآلاف من البراميل في طاقة استيعاب التكرير اليومية، وتباع على جوانب الطرقات أو إلى الوسطاء التي يوصلونها إلى المراكز السكانية حيث الطلب، وتوصف هذه العميلة بالشراكة بين القطاعيين العام المتمثل "بالدولة الإسلامية" والخاص للتجار الذين يبيعونه لمصافي التكرير الخاصة التي تبيع منتجاتها للمستهلكين بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

مشاركة داعش في تجارة النفط مقتصرة فقط على الصفقة الأولية في الحقل ويترتب على ذلك الرسوم والضرائب والأتعاب التي تجنيها داعش في مناطق سيطرتها. تبدو التجارة منظمة لدرجة أنه من المحتمل أن "الدولة الإسلامية" قد ضبطتها بطرق أخرى. إن ترخيص سائقي الشاحنات لطرق معينة سيكون وسيلة سهلة لضمان امدادات مستقرة سواء من النفط الخام أم من المنتجات المكررة. في 2 كانون الأول، فهم المتحدث باسم وزارة الخارجية مارك تونر الموضوع بشكل جيد عندما قال بأن داعش "تتنازل عن الملكية" عند فوهة البئر، ولكن قد يكون الأمر أعقد قليلاً. وفي كلتا الحالتين، هذه الشراكة بين القطاعين العام والخاص تستغل السوق المستولى عليه.

 

ادعاء روسيا بأن داعش تهرب 200,000 برميل يومياً ولكن في الحقيقة، قدّر الإنتاج وفق الولايات المتحدة بـ 55,000 برميل يومياً في وقت سابق من هذا العام. وتشير التقديرات الأخيرة للإنتاج اليومي إلى 40,000 برميل على الأكثر. وهذا مازال كثيراً بالنسبة إلى طائفة دينية تتخيل أنها دولة.

نعرف أن داعش لديها ترتيبات سرية مع أحد الجيران، ولكنه ليس تركيا. لقد قام النظام السوري بالعمل مع داعش منذ اليوم الأول، تماماً كما فعل مع جبهة النصرة التابعة للقاعدة  الذين استولوا على أصول الطاقة في وقت مبكر من الحرب.

ويعتبر جورج حسواني صلة الوصل بين نظام الأسد و"تنظيم الدولة" في صفقات النفط، وقد حُدد ذلك من قبل الاتحاد الأوروبي وأيضاً من قبل وزارة الخزانة الأمريكية التي وجهت أصابع الاتهام إلى شركة حسواني للهندسة والبناء بتوفير الخدمات لحقول داعش النشطة.

مما أدى ذلك إلى حملة من الضربات الجوية ضد أهداف داعش النفطية، حيث اعترف مسؤولون أمريكيون بأن الشبكة كانت أكثر مرونة بالإنتاج، بعدما حصلوا مساعدات من قبل رجل الأسد.

لا نعرف كم سلمت داعش من النفط إلى الأسد، ولكن ليس هناك شك بأنه يحتاج إليه. ففي النصف الأول من عام 2015، كان انتاج النظام من النفط أقل من 10,000 برميل يومياً، كان ذلك قبل أن تتراجع القوات الموالية للنظام من الأراضي الأكثر غنى بالنفط، وكل هذه العيون الموجودة في السماء فوق سورية لا تستطيع إخبارنا كم تمرر داعش من النفط عبر خطوط الأنابيب إلى المصافي التي يسيطر عليها النظام في الغرب، وعلى كل حال، هناك ثغرات غريبة في البيانات الرسمية. فعلى سبيل المثال، في نيسان قالت وزارة النفط السورية أنها تكرر 106,000 برميل يومياً، ولكن الصحافة التجارية استطاعت تفسير 85,000 برميل منها فقط. وأصبح الحصول على البيانات أصعب بشكل متزايد منذ ذلك الحين.

إلى جانب النفط، تنقل داعش الغاز الطبيعي إلى النظام وهذه الصفقات تعتبر دائمة لأن داعش لا يمكنها استعماله أو بيعه إلى أي شخص آخر: حيث يجب امساكه في المصدر ونقله عبر خط أنابيب والمستخدمون الوحيدون المتصلون بحقول الغاز هم محطات توليد الطاقة ومعامل التكرير والصناعات، والتي تتركز في معاقل الأسد، وفي المقابل يوفر النظام المرافق الأساسية لداعش مثل الكهرباء، وتأخذ الأخيرة ضريبتها بعد ذلك.

 وفي حقول الغاز الطبيعي مثل تلك المحيطة بتدمر، والتي تنتج الهيدروكربون السائل الأخف بالإضافة إلى الغاز، تأخذ داعش ما تستطيع تحويله إلى وقود. والغاز يذهب غرباً إلى الأسد.

على النقيض من ذلك، فليس هناك أي دليل على وجود شبكة لتهريب 200,000 برميل يومياً عبر تركيا. وقال المبعوث الخاص الأمريكي ومنسق شؤون الطاقة الدولية آموس هوتشستين في 4 كانون الأول: "إن كمية النفط المهربة منخفضة للغاية وانخفضت مع مرور الوقت وهي ليست ذات أهمية من حيث حجم كمية النفط وحجم الإيرادات". تجارة بهذا الحجم سيكون من المستحيل إخفاؤها ويجب أن تنقل عبر خليط من الأراضي المتنازع عليها.

في أواخر عام 2014، كان هناك أدلة وافرة على تهريب الوقود إلى تركيا – ولكن ليس النفط الخام. فالتمييز مهم. تركيا لديها بالتأكيد شهية للديزل الرخيص لأن المستوى الرسمي غالٍ جداً. ومع ذلك، داعش لا تبيع الوقود في هذه الأيام. فهي تقتصر على بيع النفط الخام وخاصة بعد أن خسرت أكثر من دزينتين من المصافي في الضربات الجوية، وقدرة تركيا على التكرير الغير مشروع قليلة جداً، وبالتالي فإن فرص بيع النفط الخام هناك ضئيلة. ومحتكرو التكرير المدعومون من الدولة في تركيا لن يلمسوا النفط الكردي لأطول فترة لأنه حساس من الناحية السياسية. وبمعرفة المخاطر، فإنهم لن يعالجوا نفط داعش، خلافاً لمزاعم روسيا.

في ضوء مهمة البنتاغون الجديدة لشل حركة نفط داعش، فمن الصعب تحديد مصدر الوقود والنفط الخام المهرب ، حيث يهيمن الوسطاء على المشهد، بالإضافة إلى عمل الأكراد بتجارة النفط شمال شرق سورية.

فمن الممكن جداً أن الأكراد السوريين ينتجون حالياً ويصدرون (بمعنى: يهربون) أكثر مما تفعل داعش. فمن المناطق الثلاث التي حددتها وزارة الدفاع الروسية، تقع اثنتان منها في المناطق حيث الأكراد أكثر نشاطاً. وفي الوقت نفسه، الأكراد في العراق المجاور، الذين بدأوا بتصدير النفط بشكل مستقل العام الماضي، يصدّرون النفط عبر الأنابيب بينما ينقلون النفط الخام الأثقل بالشاحنات عبر تركيا. على الأقل يقول واحد من المسؤولين الأكراد بأن الشاحنات الناقلة التي حددتها روسيا تحمل في الحقيقة نفط حكومة إقليم كردستان.

ادعاءات روسيا المذهلة لا تطابق الحقائق على الأرض أو واقع التهريب في هذا الجزء من العالم. الشيء الوحيد المنطقي في نظرية المؤامرة هذه هو التوقيت. حيث يبدو أنها نتيجة مباشرة لحادثة 24 تشرين الثاني حين فقدت روسيا طائرة مقاتلة واثنين من الجنود.

وهذا ليس مستغرباً. فسمعة روسيا بالتضليل راسخة بشكل جيد، وموسكو لا تفرّق في سورية. في عيني بوتين، كل الثوار هم داعش، وكل الشاحنات تحمل نفط داعش.

تعليقات