الأمم المتحدة تتجه نحو فخ في سورية – هنا طريقة تجنبه

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

27/11/2014
the Huffington Post

(ترجمة السورية)

في الأسبوع الماضي، زار المبعوث الأممي الجديد لسورية ستيفان دي ميستورا سورية للمرة الأولى وقدم "خطة عمله" الدبلوماسية للأطراف المتحاربة. الخطة، التي سمعها مسؤولو الولايات المتحدة الأسبوع الماضي، تتركز حول وضع اتفاقيات لوقف إطلاق النيران المحلية حول معاقل الثوار في مدينة حلب. ويأمل دي ميستورا أن تكون هذه الاتفاقيات بمثابة "مثال واقعي" وقدوة لجبهات أخرى في البلاد. ولكن دي ميستورا يتجه على الأرجح نحو الوقوع في فخ.

أولاً، دعونا نعاين كيف آل بنا المطاف إلى هنا. يقترح دي ميستوار "خطة عمل" محلية فقط، لأن كل المحاولات السابقة التي هدفت لتحقيق السلام الشامل في سورية أحبطها النظام. وقد توقفت خطة وقف إطلاق النار التي قدمتها جامعة الدول العربية في أواخر عام 2011 عندما علقت الجامعة عضوية سورية بسبب انتهاكات الأسد. كما فشلت خطة مؤتمر جنيف الأول التي وضعتها الأمم المتحدة في آذار من عام 2012 وذلك بسبب أن النظام "اتخذ إجراءات منسقة وكبيرة لاستعادة المراكز الحضرية". وفقاً لتقرير الأمم المتحدة. وحسب عبارات المدعوين لمؤتمر جنيف الثاني في كانون الثاني لهذا العام فقد فشلت المحادثات لأن وفد نظام الأسد لم "يستمع حتى للطرف الآخر".

قد يعتقد المرء أن عناد الأسد المتكرر قد يدفع بالأمم المتحدة لاتخاذ نهج أقوى ضد النظام. بدلاً عن ذلك فإن دي ميستورا يتبع النقيض تماماً عبر جعله لاتفاقيات وقف إطلاق النار المحلية النقطة المحورية لمبادرته الدبلوماسية. وقد تم التوصل للعديد من اتفاقيات وقف إطلاق النار عبر سورية. وقد حدث ذلك في أغلب الحالات بعد حصار النظام القاسي للمدنيين المعارضين له. ويفترض تقرير جديد صادر من مركزIntegrity للأبحاث بأن اتفاقيات وقف إطلاق النار التي يقوم بها الأسد مصممة "لإجبار المعارضة على الاستسلام من خلال استغلال الاحتياجات الإنسانية الملحة".

وقد ادعى دي ميستورا في الأسبوع الماضي أن اتفاقيات وقف إطلاق النار المحلية الناجحة قد تسمح للسوريين "بإنشاء نوع من العملية السياسية على مستوىً محلي في البداية ومن ثم على مستوىً وطني". وقد قدمت مجموعة من التقارير والتحليلات السياسية المتسرعة ادعاءً مماثلاً: من أنه وفي حال توقف النظام والثوار عن الاقتتال فقط، فإن "القاعدة الشعبية" أو "عامة الناس والمجتمعات" أو "إعادة بناء المجتمع المدني" سيسمح بإعادة ظهور العملية السياسية. ولكن ذلك الإدعاء يتجاهل الخمسين سنة الأخيرة من التاريخ السوري.

ببساطة، فإن نظام الأسد وقاعدة المجتمع المدني لا يلتقيان. فمنذ أن استولى النظام على السلطة في عام 1963، وقعت سورية تحت حكم الطوارئ الذي كبّل حرية التعبير والمجتمع المدني. واليوم، وضمن طائفة العلويين التي ينتمي إليها الأسد، فإن دلالات معارضته تُقابل بالاعتقالات والترهيب فقط. وعلى النقيض من ذلك، فقد قام سكان منطقة حلب الخاضعة لسيطرة الثوار بانتخاب مجلس المحافظة الديموقراطي الأول في سورية منذ عام 1963. وعليه، فوقف إطلاق النار في حلب، لن يؤدي إلا لزيادة سيطرة النظام، لذا فمن غير المرجح أن يمثل ذلك هبة للمجتمع المدني المحلي.

ولكن ألن يعطي وقف إطلاق النار على الأقل "بعض الأمل للسكان المحليين"، كما قال دي ميستورا الأسبوع الماضي؟ كان قد أشار استطلاع حديث للرأي لسكان مناطق وقف إطلاق النار الصادر من مركز عمران إلى أن ذلك غير صحيح. فقد وجد الاستطلاع أن 8 % فقط من السكان يعتقدون بأن المساعدات الإغاثية الجديدة التي دخلت منذ بداية وقف إطلاق النار كانت كافية لحاجات المنطقة. بينما يعتقد 60 % من السكان أنه قد تم إجبار منطقتهم على القبول بوقف إطلاق النار ويتوقعون بأن النظام سينتهك الاتفاق. و70 % من السكان يجدون أن معاملة النظام للمدنيين لم تتحسن ويستمرون بدعم إسقاط بشار الأسد.

يعتبر بعض المحللين أن وقف إطلاق النار في حي برزة في دمشق كان ناجحاً بشكل خاص، كونه "أشبه بفوز للطرفين". بينما وفي الأسبوع الماضي استنكر متحدث من مجلس برزة المحلي انتهاك النظام لشروط وقف إطلاق النار. وحسب المتحدث، فإن النظام لم يسحب قواته من المنطقة، ويقوم باعتقالات منتظمة ضد المدنيين. وإن موارد الوقود تنفد، ومساعدات الأمم المتحدة يتم إعادة توجيهها، عدا عن أن وجود قوات النظام يزداد عملياً. إن مثل هذا السيناريو بعيد كل البعد عن موقف الفوز المتبادل.

والمشكلة الإضافية لاتفاقيات وقف إطلاق النار تكمن في أنها تفرض مخاطر أكبر على الثوار مما على الأسد. فإن نظام الأسد لديه نقص في قواته على الدوام – وهذا يعتبر نتيجة طبيعية لاستخدام عنف لا يوصف لسحق الانتفاضة الشعبية. إن اتفاقيات وقف إطلاق النار هذه تخفف من نقص القوة البشرية عبر تقليل عدد المعارك التي يجب على النظام خوضها في آن واحد. لذا، فإن وقف إطلاق النار في حلب الآن قد يساعد الأسد عبر السماح للنظام بإعادة توجيه قواته نحو جنوب سورية، حيث يحقق الثوار مكاسب سريعة. ثم، فإن تم لجم جنوب سورية، فسيستطيع الأسد التراجع عن اتفاقه واستكمال هجماته في حلب.

لا أحد سينجو إن استطاع الأسد استغلال اتفاقيات وقف إطلاق النار بهذه الطريقة. فسيتم دفع المدنيين ببساطة من مناطق الثوار إلى مناطق وقف إطلاق النار، ثم سيتعرضون للقتل أو الطرد بسرعة أكبر حين يتراجع الأسد عن اتفاقه. فحوالي 150,000 مدني أتوا من مناطق ثوار سابقة في حمص ازدحموا في حي الوعر بما في ذلك بعض ممن هربوا بعد وقف إطلاق النار المحلي في مدينة حمص القديمة. وعلى الرغم من أن المنطقة لم تشهد سوى عنف محدود، فإن نظام الأسد يصعّد هجماته الآن. فإن حدثت مجزرة في الوعر، فإن المدنيين الذين كانوا محميين باتفاقية وقف إطلاق نار سابقة حسبما يفترض سيكونون ضمن الضحايا. لذلك فعندما قدم دي ميستوار خطته في الوعر في يوم الثلاثاء، طلب السكان ضمانات لسلامتهم.

إن دي ميستوار يتجه نحو فخ إن اعتقد أن اتفاقيات وقف إطلاق النار المحلية ستشكل "مثالاً واقعياً" إيجابياً سيعزز الحوار السياسي. فإن اتفاقيات وقف إطلاق النار طُبقت في مناطق الثوار بناءً على طلب النظام، بعد أن سُبقت بحصار لا يحتمل طبقه النظام على المدنيين. فإنها تفاعل بين المدنيين المجوعين في بلداتهم وبين رجال العسكر الذين يقومون بتجويعهم. وإن تفاعلات كهذه نادراً ما تعزز إقامة حوار سياسي. فإن دي ميستورا عبر دعوته لوضع اتفاقيات وقف إطلاق نار محلية، يساعد في الواقع مطالب رجال العسكر ضد المدنيين المحليين.

ولكن وعلى الرغم من هذه المصاعب، فإن فكرة دي ميستورا للمبادرات المحلية لا تخلو من المزايا وقد تثمر بالفعل عن نجاحات دبلوماسية مهمة. ولكن أولاً، على دي ميستورا تلافي الوقوع في الفخ الذي وضعه الأسد له. فعوضاً عن وضع اتفاقية جديدة لوقف إطلاق النار في معقل الثوار الرئيسي والمترافقة مع مخاطر كبيرة جداً، على دي ميستورا العمل على إصلاح الاتفاقيات السابقة لوقف إطلاق النار – "الأمثلة الواقعية" الحالية – التي أخذت منحىً فظيعاً لما هو أسوأ.

يعني ذلك الضغط على نظام الأسد للسماح بالدخول الكامل للمساعدات الإغاثية إلى ضواحي العاصمة دمشق التي وافقت بالفعل على وقف إطلاق النار، مثل المعضمية. مما يعني إنشاء بعض مظاهر الحوار السياسي في حمص، والدفع للقبول بالشروط التي ستسمح لسكان بعض مناطق المعارضة السابقة في حمص بالعودة بأمان. وهذا يعني أن على الأسد تحرير السجناء الذين اعتقلهم من المناطق التي وافقت على وقف إطلاق النار، كدلالة على أنه مستعد حقاً للسلام. وأخيراً، يجب أن تطبق عقوبات على النظام في حال تراجعه عن الاتفاقيات ومتابعته لهجماته على المدنيين.

وعلى الأرجح فإن النظام سيقاوم هذه الطلبات بشدة، مدعياً أنها تقوض قدرته على الدفاع عن الأقليات ضد الإرهاب. فإن ادعى ذلك، فعلى دي ميستورا أن يطلب علناً من الأسد اتخاذ خطوة إضافية لحماية الأقليات: إيقاف حملاته على المجتمع العلوي فوراً. وقد أنشأت معظم مناطق الثوار فعلاً مجتمعاً مدنياً من نوع ما. ولقد حان الوقت لتطوير مثل هذه المجتمعات في المناطق العلوية، كي نتمكن من سماع ما الذي يعتقد به العلويون فعلاً عوضاً عما يدعي النظام بأنهم يفكرون به.

من خلال هذه الخطوات، بإمكان دي ميستورا تعزيز الحوار السياسي بطريقة أكثر مباشرة عبر تقوية المجتمعات المدنية على طرفي النزاع. وبإمكانه تشكيل زخم سياسي عبر تقديم أمثلة محلية إيجابية وإزالة الأمثلة السلبية. وأخيراً، سيشجع تحقيق السلام عبر الضغط على جهاز النظام العسكري، الذي عرقل كل المبادرات الدبلوماسية حتى الآن. هذه الخطوات لن تكون سهلة، ولن يكون أياً من الخيارات سهلاً في هذه المرحلة. لكن هذه الإجراءات ستعطي للشعب السوري فرصة أكبر مما تستطيع اتفاقات وقف إطلاق النار المحلية لمواجهة الجنرالات الذين كانوا يقمعونهم.