الأمور ليست بخير مع علويي سورية

صورة علا عبد الحميد الرفاعي

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

5/12/2014
Foreign Affairs

(ترجمة السورية)

ضمن حلقات السياسة في واشنطن، العديد من المسؤولين يظنون بأن الأقلية العلوية في سورية عبارة عن فقاعة متجانسة. ولكن وفي الأشهر الأخيرة، كانت هناك دلائل على وجود خلافات داخلية ضمن العشيرة المقربة للرئيس السوري بشار الأسد واستياءً متزايداً لدى العلويين، الذين ينتمي العديد منهم إلى الجيش والجهاز الأمني ويسود بينهم دعم سلطة الأسد. لكن في الواقع، يبدو أن العلويين الذين يريدون رؤية نهاية نظام الأسد قد تجاوزوا خوفهم أخيراً من خسارة السلطة للمعارضة التي يقودها السنة. ستحسن واشنطن صنعاً إن جذبت الانتباه لهذه التصدعات التي بدأت تظهر بين عائلات نظام الأسد ومساعديه في دمشق، وكذلك بالنسبة للمجتمعات المؤيدة والمعارضة للأسد التي تقطن في المنطقة الساحلية قرب البحر المتوسط.

أول الإشارات الدالة على التوتر المتزايد ضمن الحلقات القريبة للأسد ظهرت في أغسطس/ آب عندما دعا دريد الأسد، ابن عم الرئيس لاستقالة وزير الدفاع السوري فهد جاسم الفريج، بعد تعرض حوالي 120 جندي سوري في قاعدة الطبقة الجوية للإعدام من قبل "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش). ووفقاً لوسائل الإعلام التابعة للحكومة، فقد قام ابن خال الأسد، حافظ مخلوف، مدير الاستخبارات في دمشق، بالتنحي "طواعية". وأثناء ذلك، فقد قام الناشطون العلويون على طول المنطقة الساحلية للبلاد بدعوة فريج بأنه "وزير الموت" في حملتهم المعارضة للأسد التي دعيت بـ #Speak Up (صرخة)، وتظاهروا ضد الأعداد المرتفعة لموتى العلويين منذ بداية الصراع. وفي الشهر نفسه، تم اعتقال محام مؤيد للنظام بعد حملته على التويتر التي أطلق عليها #وينن، والتي تعني "أين هم"، ليطالب بأسماء الجنود البالغ عددهم 120 جندي أسرتهم داعش. ازدادت دعوات الناشطين العلويين لتغيير النظام، كما أشار التصريح الأخير لمجموعة دعت نفسها التجمع السوري العلوي.

وقد أفادت التقارير بأن أكثر من 8,000 عسكري مؤيد للنظام من محافظة جبلة في منطقة اللاذقية الساحلية ذات الأغلبية العلوية تعرضوا للقتل منذ بداية الثورة، وهذا دون ذكر الآلاف الذين وافتهم المنية من المناطق العلوية الأخرى. ولقد خرجت العائلات الحزينة إلى شوارع اللاذقية في شهر أغسطس/ آب مطالبين بإعادة جثث أبنائهم المفقودة مرددين، "بمشيئة الله سنحضر جنازة ابنك". وفي بداية شهر أكتوبر/ تشرين الأول، دعا مئات من العلويين في حمص بغضب للإطاحة بالمحافظ طلال البرازي بعد أن انفجرت سيارة مفخخة قرب مدرسة عكرمة المخزومي الابتدائية، مسببة مقتل 17 وإصابة العشرات الآخرين، أغلبهم من الأطفال. وقد دعا المتظاهرون بشكل مشابه لتنحي الأسد في مدينة طرطوس الساحلية، ووفقاً للناشطين على الأرض، فإن عائلات بارزة من المجتمع العلوي في اللاذقية تتباحث سراً في استبدال الأسد.

إن الانقسام في المجتمع العلوي ليس جديداً: فهو يعكس رد الفعل على تفضيل الأسد لما يُدعى بعشيرة الكلازية، التي تنتمي عائلته إليها. حيث تمت حماية هذه العشيرة في جيبها الساحلي من أعباء الحرب بينما تم إجبار المجتمعات العلوية الأخرى مثل الحيدرية على التوجه إلى الجبهات الأمامية لمحاربة المعارضة السورية. تبين مصادر الاستياء هذه أهم مصادر التوتر بين العلويين: فعائلات مسؤولي الحكومة تعيش برفاهية بينما تكافح بقية عائلات المجتمع لإطعام أبنائها. كما أن العلويين الذين يقيمون في العاصمة أكثر اتصالاً بعائلة الأسد ولديهم امتيازات أكثر وإمكانية أكبر لاستخدام السلطة. وعلى النقيض، فإن المزارع العادي أو صاحب المتجر الصغير الذي يقيم في جبال اللاذقية أو حتى في القرداحة، مسقط عائلة الأسد، ليس لديه أي امتياز سياسي ما لم يكن أحد أفراد عائلته يعمل مع النظام.

وللمفارقة، فإن العلويين الذين أقاموا في دمشق لسنين عدة، يميلون للتعريف عن أنفسهم بأنهم دمشقيون، إلا عندما يكون من الضروري أو من المفيد لهم أن يشيروا إلى علاقتهم مع النخبة السياسية. مثل هذه العلاقة تعطيهم إمكانية الحصول على خدمات مميزة وعلى حرية أكبر ليقوموا، أحياناً، بالتهرب من القوانين والأعراف المعتادة، حتى تلك المنصوص عليها في الدستور. ومن الكافي أحياناً التحدث أو التظاهر بامتلاك لهجة علوية، التي تعتبر لهجة السلطة في شوارع دمشق، للإفلات عملياً من أي شيء ولإخافة غير العلويين وإخضاعهم.

في منطقة جبال اللاذقية، فإن الانقسام الاجتماعي الاقتصادي واضح جداً: فبالإمكان إيجاد كل من الفقر المدقع والثروة الفاحشة في حي واحد، بما في ذلك ضمن القرداحة. حيث أنه من المعروف أن أعضاء عشيرة الأسد وأصدقائهم وحلفائهم يقومون بالتباهي بفيلاتهم الفاخرة، ودراجاتهم النارية وسياراتهم التي تفتقد غالباً للوحات ترخيص، مما يدل على أنه قد تم تهريبها إلى داخل البلاد. هذه السيارات يقومون بقيادتها أمام أطفال حفاة والذين يعيشون في منازل صغيرة وطينية ذات تمديدات كهربائية ومائية رديئة، ويتصرف هؤلاء القلة المنعمين وكأنهم من العائلة المالكة، وعلى الأغلب أنهم كذلك. واليوم، فإن هؤلاء القرويين المتواضعين هم من يدفع الثمن الغالي للحرب، بينما تستعمل حكومة الأسد أبناءهم وبناتهم كدروع بشرية على الجبهات الأمامية، وهم أيضاً من يثورون على النظام، إلا أنهم عاجزون. في الواقع، إن صور ضحايا تعذيب السوريين – التي تم تسريبها لمتحف المحرقة التذكاري في الولايات المتحدة من قبل أحد أعضاء الجيش السوري الذي اتخذ اسم قيصر – لهي دليل دامغ على أن أعضاء المجتمع العلوي كانوا أيضاً ضحايا لقسوة الأسد.

ظهور الانقسام ضمن المجتمع العلوي إلى قسم مؤيد وقسم آخر معارض للأسد، ليس من الضرورة أن يكون خبراً جيداً بالنسبة للمعارضة السورية. فعلى سبيل المثال، وخلال المظاهرات الأخيرة في طرطوس، دعا المتظاهرون العلويون لإسقاط كل من المعارضة السورية والأسد. كما أن الانقلاب العسكري ضد الأسد لا يبدو مرجحاً كذلك، بما أن بعض الافتراضات تقول بأنه عندما ظهر السخط ضمن حلقة الأسد الداخلية، قام الأسد بتدبير الاغتيال الذي حصل في عام 2012 لأعضاء من خليته الخاصة بالأزمة، بما فيهم صهره آصف شوكت.

وعلى الرغم من أن النخبة السياسية العلوية قد أصبحت مرتبطة بالفساد وسوء استخدام السلطة، إلا أن البعض في المجتمعات العلوية في الريف يعدون أقل تلوثاً. والد بشار، الرئيس السابق حافظ الأسد، الذي حكم سورية من عام 1970 إلى حين موته في عام 2000، لم يكن يعتبر كقائد سياسي وحسب من قبل العلويين بل كشيخ وكشخصية دينية أيضاً، على الرغم من ترفعه المبكر عن التقاليد العلوية. ولذا، فإن المجتمع العلوي الأوسع لن يقوم بالثورة ضد ابن قائده الموقر.

في عالم مثالي، قد يسوي العلويون والسنة خلافاتهم ويقومون بالتعاون على إسقاط الأسد وهزم داعش. ولكن الواقع يبدي أن مثل هذا الخيار ليس بالإمكان. هناك نقص هائل في الثقة بين هذين الطرفين، وأيضاً بين السنة والأقليات الدينية، مثل الأكراد السوريين والمسيحيين. يأتي الارتياب الهائل من عدم وجود أي عقد اجتماعي يحدد حقوق ومسؤوليات كل مجموعة، ومن فشل المعارضة السورية بتحديد ما سيحصل للعلويين ولهذه المجتمعات الوافرة في حال استلمت السلطة.

لقد كانت الثورة السورية في عام 2011 سلمية في أشهرها الستة الأولى، وخلال تلك الأشهر شاركت كل شرائح المجتمع بالتظاهر ضد دكتاتورية الأسد. ولكنها آلت في النهاية لإراقة دماء طائفية نتيجة لتحالف الأسد مع إيران ولظهور الجهاديين ضمن قوة المعارضة. إنهاء الصراع الحالي يتطلب ما هو أكثر من تنحية الأسد وهو القيام بالعمل الصعب لإنهاء نظامه الاستبدادي كله. إن استبدال الأسد بقائد آخر، الذي أيدته بعض العائلات العلوية حسبما يزعم، ليس كافياً. وإن تغيير شكل النظام الذي سيؤدي لوضع رئيس منتخب بطريقة ديموقراطية مكان الأسد، هو الخطوة الأولى فقط لحل الصراع الحالي في سورية. وللقيام بذلك، فإن بناء الثقة بين المجتمعات السورية هو أمر أساسي، عبر اتفاقيات تشارك السلطة وعبر دستور شامل جديد.

بالنسبة إلى الوضع الحالي، فلا زال الأسد يحظى بالدعم الذي يحتاجه من العائلات العلوية – وربما قد يكون خوفهم مما سيؤول إليه مصيرهم في سورية التي تحت سيطرة الثوار هو السبب الرئيس لحصوله على هذا الدعم. ولكن من الضروري توضيح أن المجتمع العلوي ليس متراصاً وأن السخط بدأ يظهر في الأشهر الأخيرة، وأن هذا قد يمثل فرصة مهمة لتسوية خلافات الجماعات الدينية المتعددة. فلا يجب على واشنطن أن تحدد حلفاءها في سورية بقوات الثوار المعتدلين وبالقبائل المحلية، فإن العلويين المعارضين مهمين القدر ذاته. ويجب أن يكون لدى العلويين الحق بالتظاهر ضد الأسد، ويجب على المعارضة السورية أن تكون مستعدة لاستغلال هذا الموقف كنقطة تقود إلى المصالحة. إن الدعم السياسي والعسكري من قادة العالم الحر، خاصة الولايات المتحدة، مطلوب أيضاً لإنهاء الصراع السوري، ولكن مثل هذا الدعم بحاجة لأن يميز الانقسامات الدقيقة ضمن القسم الطائفي للمساعدة على تخفيف الخلافات السياسية ضمن سورية بدلاً من زيادتها.