الأميركيون والروس وما بين الطرفين!

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

25/4/2017
الحياة

احتدمت العلاقة بين الأميركيين والروس في ساحات الشرق الأوسط بعد الضربة على قاعدة الشعيرات التي وقف أمامها الجنود الروس متفرجين، فاقدي القدرة على الرد. هذا الاستخفاف بالحضور العسكري لقواتهم لا يمر في العقل الروسي مرور الكرام، فروسيا أيام القيصر الجديد بوتين عادت دولة عظمى وراكمت معنويات هائلة واستعرضت قوتها في القارة الأوروبية والبحر المتوسط وسورية.

وقد أتت هذه الحادثة لتضعف مكانة القيادة الروسية أمام جنودها وأمام حلفائها في الساحة الدولية. طبعاً الأمر لا ينتهي عند هذا الحد، فروسيا لديها الكثير لتقوله وتفعله لاحقاً، خصوصاً أن الرد الفوري على خطوات ترامب المتسارعة في بداية عهده قد تحمل كثيراً من الأخطار فيما بالإمكان رسم معالم منهجية الرد من خلال التأكيد على الفيتو المعتاد في مجلس الأمن والالتزام بالمحور المستدام الذي جمع قادة الممانعة في موسكو، إضافة إلى التفرّج على ما سيؤول إليه عرض القوة الذي ينفذه الرئيس الأميركي على امتداد المساحة العالمية.

من البساطة النظر إلى الضربة الأميركية على مطار الشعيرات بشكل منفصل عن السياق العام الذي تَشكّل في الشرق الأوسط بعد وصول ترامب إلى الرئاسة الأميركية وتطلعه إلى إعادة الثقة للعلاقات مع حلفاء الولايات المتحدة التقليديين. فما جرى يأتي في سياق تسلسلي لإعادة ترتيب الملفات وتوزيع المهام وفقاً للرؤية الأميركية الجديدة، وليس أدَلّ على ذلك إلا الحديث الهاتفي الذي أجراه الرئيس الأميركي مع العاهل السعودي الملك سلمان مباشرة بعد الضربة وكأنها أتت تلبية لتوجه عام مُتوافَق على عناوينه مع الحلفاء مسبقاً، وتكمن أهمية كل ذلك في أنه يحصل قبل استكشاف إمكانية التفاهم الأميركي مع الروس حول الملف السوري.

طبعاً إن إعادة الفعالية لدور أميركي في الشرق الأوسط ربما تفضي إلى «صفقة» مع الروس تبرز ملامحها مع تجدّد الحديث عن وضع مصير الأسد على الطاولة والإغراءات التي تقدمها الدول الغربية لروسيا، أو قد يؤول إلى مواجهة يؤشر إليها التقارب بين روسيا وإيران اللتين تطمحان إلى اعتماد الخيار الفيديرالي الذي يبقي لـ «عائلة الأسد» دوراً نتيجة الخدمات والتضحيات التي قدّمتها لكل منهما.

ومن المبكر جداً التفاؤل بإمكانية أن تلعب روسيا دوراً إيجابياً في ما يتعلّق بمصير الأسد بعد المكاسب الاستراتيجية التي راكمتها في سورية نتيجة التحالف معه. أضف إلى ذلك أن إزاحة الأسد تعني انتصاراً نظيفاً للمعارضة السورية لن يتوقف عند هذا الحد بل قد تصل ارتداداته إلى طهران وموسكو اللتين تدخلتا حتى يتحاشيا ذلك.

بالتوازي فإن الحديث عن جاهزية روسيا لتسوية شاملة مع إدارة ترامب أمر مشكوك بصحته، لأن ذلك لو صحّ فكان الأجدى أن يحصل أيام إدارة الرئيس السابق باراك أوباما التي فتحت آفاقاً لطموحات بوتين وحاولت التوصل معه إلى صفقة كبرى. ترتيب الملفات الدولية بشكل مُنسّق مع الأميركيين لن يترك للقيادة الروسية ما تُراكم عليه في الداخل الذي يتحرك بوتيرة تصاعدية ويضيء على الملفات الحساسة وعلى الوضعين الإداري والاقتصادي المتردي، ولا في الخارج أمام المحور المُواجِه للولايات المتحدة الذي عقد آمالاً على النظرة الروسية لعالم متعدد الأقطاب. هذا عدا الطبائع الشخصية لكل من الرئيسين ترامب وبوتين حيث سيشهد أوّل لقاء بينهما اختباراً نفسياً ومواجهة ذات طابع كاريزماتي بين الإثنين، والمعروف عن كليهما التحضير المدروس والمسبق لهذه «المطارحة».

وفي الوقت ذاته فإن الديبلوماسية الروسية تعيش حالياً في مأزق جدي، إذ ليس سهلاً على روسيا العودة إلى بيان جنيف الأول وبحث مصير الأسد بعد أكثر من عام ونصف على تدخلها العسكري القوي بهدف حماية النظام السوري وضرب الأسس التي قام عليها جنيف 1، إضافة إلى الكلفة المعنوية التي تتحملها في كل مرة يرتكب فيها النظام آثاماً من نوع استعمال السلاح الكيماوي أو حين يتعرض إلى ضربات إسرائيلية أو أميركية، إضافة إلى التراجع «الاستراتيجي» من مهمة حماية المنشآت الحيوية للنظام إلى الاكتفاء بحماية التواجد الروسي على الأراضي السورية.

في المقابل تقدم الديبلوماسية الأميركية تجربة متناسقة في مهمة استعراض القوة بعدما كانت مثقلة بتراجعات الأعوام السابقة. وقد اختصر ترامب المشهد كله حين قال: «إذا لاحظتم ما حصل خلال 8 أسابيع وقارنتموه مع ما جرى خلال 8 سنوات ستعون أن هناك فارقاً هائلاً». فهو أطلق العنان لعسكرييه في التصرف ورسم الخطط والتوجهات، وهي بأغلبها كانت جاهزة في كل ما يتعلق بمناطق التوتر في العالم لكنها افتقدت أيام الرئيس أوباما للمبادرة والقرار. وفي الوقت ذاته أطلق يد ممثلة الولايات المتحدة في مجلس الأمن نيكي هايلي ودعَمَها بشكل شخصي وغير مسبوق، أكسبها قوة وزخماً معنويين انعكس على قوة الديبلوماسية الأميركية ومكانتها القيادية على الساحة الدولية.

إزاء كل ذلك تنجح روسيا في حال حدّدت أهداف معركتها بالحفاظ على المكتسبات والمكانة التي حققتها في عهد الرئيس أوباما، وإحدى هذه المكتسبات حماية نظام الأسد، وتنجح أكثر في حال اعتمدت استراتيجية الانتظار وراهنت على الديبلوماسية لربما تورطت إدارة الرئيس الأميركي بنزاع طويل الأمد في واحدة من أشد بؤر التوتر في العالم. في المقابل لا تنجح الولايات المتحدة الأميركية في حال اقتصرت أهداف معركتها على التعويض عمّا خسرته خلال السنوات الثماني الماضية، ولا شك أن طموحات ترامب لا تقف عند هذا الحد.

تعليقات